
مع أنّ رئيس فنزويلا المعتقل، نيكولاس مادورو، لم يفعل في حياته السياسية ما يجعل المرء يتأسّف على نهايته هذه أو يتعاطف معه، فإنّ ثمّة احتمالاً بأنّ الصين وروسيا ستكونان أكبر المستفيدين (على المدى البعيد) من اعتقاله بالطريقة الفانتازية التي شوهدت. صحيح أن الصين تبدو اليوم الخاسر الأكبر؛ فقد خسرت النفط الفنزويلي الرخيص الذي كانت تحصل عليه، وخسرت نفوذها هناك، إلّا أن الرئيس الأميركي ترامب قدّم خدمةً كبيرة للصينيين ستظهر نتائجها في المستقبل؛ ليس لأنه يريد ذلك، بل لأنه لا يتعلّم من دروس التاريخ، ولا يفكّر أبعد من أنفه. فالتاريخ والفلسفة غير مهمَّين في أسلوب “إدارة المبيعات” الذي ينتهي عنده أفق ترامب الذهني وهو يدير أعظم دولة، مضافاً إليها اليوم إدارته فنزويلا كما صرّح بُعيد العملية.
تقول هذه الأطروحة إنّ ترامب، وإن بدا ينفّذ مبدأ مونرو المُعلَن في استراتيجية الأمن القومي التي صدرت أخيراً، ويركّز في أميركا اللاتينية ونصف الكرة الغربي بوصفهما امتداداً حيوياً للولايات المتحدة، إلّا أنه في العمق يعمل ضدّ هذه الاستراتيجية على المدى البعيد؛ فهو بهذا يدفع إلى تشكيل راديكاليات شرعية مضادّة للولايات المتحدة بالضرورة.
أدّى استعمال مفهوم “الإدارة” بدلاً من مفهوم “السيادة” إلى انتصار المشروع الذي يقدّم للناس وعداً بـ”الهُويّة”، حتى لو كان على حساب حياتهم ورفاههم
ويخبرنا التاريخ أن هذه الراديكاليات تظهر في مثل هذه الحالات ثأراً للسيادة التي انتُهكت بفظاظة توازي فظاظة القصّة التي سجّلها التاريخ منذ أيام، والتي ستُروى للأجيال الفنزويلية القادمة وقتاً طويلاً، ومفادها بأن إنزالاً جوياً أميركياً سحب رئيس الدولة وزوجته من غرفة نومهما، واعتقلهما، وعاد معهما إلى شمال القارّة بأمان وهدوء، وبعدها صدر قرار بـ”إدارة البلد”، ونفطه، وثرواته.
فما طبيعة هذه المنطقة المفهومية الجديدة التي تقع بين مفهوم السيادة التي “كنّا” نفترض أن فنزويلا تمتلكها مثل باقي الدول ومفهوم “الإدارة” الذي حلّ مكان الأول بسلاسة وهدوء؟ ولماذا القول إنّ الصين هي مَن ستستفيد من هذا الفعل على المدى البعيد؟ هذا ما تناقشه هذه المقالة عبر توقّع النتائج بعيدة المدى لاعتقال مادورو، بالاستناد إلى نتائج تجارب مشابهة في التاريخ فرضت فيها الولايات المتحدة مفهوم الإدارة مكان مفهوم السيادة، وهي تجاربها في إيران عام 1953، وفي أفغانستان عام 2001، وفي العراق عام 2003.
أدارت وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA)، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العسكرية البريطاني “MI6″، انقلاباً أطاح رئيس الحكومة الإيرانية المُنتخَب محمّد مصدّق عام 1953. وكان النفط أيضاً كلمة السرّ، ولم يعد سرّاً في حالة فنزويلا اليوم، فقد أسهب ترامب في تناوله، في المؤتمر الصحافي أخيراً، الذي عقده للتعليق على عملية اعتقال مادورو. أمّم محمّد مصدّق النفط الإيراني، وهو تأميم استمدّ شرعيته من شرعية مصدّق الدستورية. وكان الرجل أيضاً امتداداً للثورة الدستورية، أو ما يُعرف في إيران بـ”المشروطة”، وهي ثورة رائعة اندلعت بين عامَي 1905 و1911، وطالبت بالدستور والبرلمان وبإخضاع الشاه للقانون. ومن هذه الروح، أطلق مصدّق ثلاثية تقوم على الدستور والسيادة وتأميم النفط. وكان هذا كافياً لإسقاطه في حينه، ما أدى إلى مكاسب مرحلية لأميركا وبريطانيا وإعادة سيطرتهما على النفط. لكن على المستوى الاستراتيجي يمكن القول إنّ انقلاب مصدّق كان أحد الأسباب العميقة للثورة التي جاءت بالخميني عام 1979، وتحوّلت إلى مشروع راديكالي يهدّد الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة.
وثمّة جانبٌ في التفاف الإيرانيين حول الخمينية، كان يحيل إلى رغبتهم الدفينة في الانتقام لسيادة بلدهم المُنتهَكة من الغرب والولايات المتحدة بصورة أساسية، وكان الشاه يمثّل هذا الانتهاك ويرمز إليه. هكذا صارت إيران التي سمّاها كارتر “جزيرة الاستقرار”، وشرب نخبها مع الشاه في رأس سنة 1977، “دولةً راعية للإرهاب”، بحسب عبارة رونالد ريغان، و”دولةً مارقة” بحسب بيل كلينتون، و”محور الشر” بتسمية جورج بوش (الابن)، وأخيراً “تهديداً للاستقرار العالمي” مع ترامب الذي وجّه ضربةً عسكريةً لمنشآتها النووية. ومن غير المُستبعَد أن يكون أحد أسباب الضربة النكاية بجو بايدن، الذي قال إنها “خصم يمكن احتواؤه بالدبلوماسية”.
وفي أفغانستان، نفّذت الولايات المتحدة بعد هجمات سبتمبر (2001) عمليةً عسكريةً أطلقت عليها اسماً لا يدلّ على نتائجها: “الحرية الدائمة” (Enduring Freedom). وكان من نتائجها “إدارة أفغانستان” (إذا استخدمنا معجم ترامب)، إذ أُدير البلد بحامد كرزاي، ثم أشرف غني، ثم زاد عدد القوات هناك في فترة رئاسة باراك أوباما، ثم جرى الانسحاب على عجل في 2021، لتعود حركة طالبان إلى كابول بسلاسة ويهرب أشرف غني. إذاً، أدّى استعمال مفهوم “الإدارة” بدلاً من مفهوم “السيادة” إلى انتصار المشروع الذي يقدّم للناس وعداً بـ”الهُويّة”، حتى لو كان هذا الوعد على حساب حياتهم ورفاههم.
وفي العراق، أسقطت الولايات المتحدة صدّام حسين بالقوة وخارج إطار القانون الدولي، وبعد إسقاطه أدار الحاكم المدني الأميركي بول بريمر العراق، وكانت أبرز العناوين التي قدّمها: حلّ الجيش الذي كان عدده أكثر من 400 ألف جندي، واجتثاث حزب البعث، وترسيخ الاحتلال العسكري لمحاولة حفظ الأمن. ثم مرّ العراق بمرحلة المحاصصة، ثم زاد التطرّف والطائفية، ثم انسحبت أميركا وتركت العراق تتحكّم به قوتان راديكاليتان أساسيتان: تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وإيران الخمينية. وفي المحصّلة، أدى استبدال “الإدارة” بـ”السيادة” إلى بروز الراديكالية أيضاً.
عدم معرفة ترامب كيفية تنفيذ استراتيجية الأمن القومي التي وضعها بنفسه، كفيل بتحويل الصين إلى أكبر المستفيدين من اعتقال مادورو
بالاستناد إلى ما سبق كلّه، وبعملية استقراء ناقص، يمكن أن نقول إنّ استعمال مفهوم “الإدارة”، حين توجّب مفهوم “السيادة”، يؤدّي إلى ولادة الراديكاليات، وإنّ ترامب (باعتقال مادورو بهذه الطريقة التي تُلغي “السيادة” وتضع مكانها “الإدارة”) يؤسّس للراديكالية في أميركا اللاتينية التي ستصدّع رأس الولايات المتحدة في المستقبل، وقد تظهر “تشافيزية” جديدة تعمل بوصفها “فاعلاً ما دون دولة” في بيئة مهيّأة للعنف وتخصيب الأيديولوجيات.
من جهة أخرى، قد تؤدي هذه البلطجة على السيادة إلى ميل الفنزويليين إلى تصديق مَن يعدهم بالهُويّة ثأراً للسيادة (لا لمادورو)، وهذا يعني إمكانية أن ينتصر الوعد بالهُويّة على وعد ترامب لهم بالرفاهية. وإنّ ترامب، السعيد بنفط فنزويلا سعادة مندوب مبيعات حقّق صفقةً كبيرةً، لا يتقن التفكير استراتيجياً، ولا يعرف حتى كيف ينفّذ استراتيجية الأمن القومي التي وضعها بنفسه، وهذا كفيل بتحويل الصين في المستقبل إلى أكبر المستفيدين من اعتقال مادورو، بموجب خدمة تاريخية من ترامب الذي يريد أن يحاربها استراتيجياً، فيا له من مفكّر استراتيجي! ويا له من زمان أميركي ركيك.
المصدر: العربي الجديد






