
تبدو الصحافة ترفاً يملكه مَن لا تزال لديه إمكانية ممارستها، أو مَن ترتبط لديه الصحافة بنوع من النوستالجيا. هل سيبقى إعلامٌ في العالم العربي في الأعوام المقبلة بالشكل الذي اعتدنا عليه (نحن جيل الصحافة المؤسّساتية الجدّية) في ظل توجّه عالمي متواتر نحو التراجع في الحريات الصحافية، وقيود قديمة جديدة، فضلاً عن تضاؤل الإمكانات المالية المتوفرة للإعلام المستقل وجنون “السوشيال ميديا”؟… تبدو آفاق الصحافة اليوم ضيّقةً، أشبه بضيق فرص العمل وآفاق الحريات في العالم، وضيق الشغف بالمهنة الذي لطالما اعتُبر الدافع الرئيس وراء ممارستها.
خريطة الحريات الصحافية لعام 2025، في عرف منظمة مراسلون بلا حدود، بقعةٌ ملوّنة يحكمها اللون الأحمر إشارةً إلى أوضاع سيئة للغاية، فيما يحتل اللون البرتقالي (حالة صعبة) معظم المساحة الباقية في الخريطة. وتتلوّن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بخاصة، باللونين الأحمر والبرتقالي، في حين باتت دول عريقة بالحرّيات الصحافية مثل الولايات المتحدة في الموقع نفسه. لم يكن يُخيَّل لأحد إمكانية تعليق برنامج ساخر في الولايات المتحدة لمجرّد انتقاد الرئيس، أو أن يخاطب رئيسٌ منتخبٌ صحافيةً بـ”الخنزيرة”.
تتلوّن منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في خريطة حرية الصحافة باللونين الأحمر والبرتقالي، وباتت دول عريقة بالحرّيات الصحافية مثل الولايات المتحدة في الموقع نفسه
باتت فلسطين من أخطر ساحات التغطية الصحافية؛ من مقتل نحو 250 مراسلاً وعاملاً صحافياً على يد الجيش الإسرائيلي في غزّة، إلى تدمير مراكز وسائل الإعلام في الأراضي الفلسطينية وتخريب معدّاتها، واحتجاز عدد كبير من الصحافيين في السجون الإسرائيلية (المرتبة 163). يقول تقرير المنظمة عن مؤشّر الصحافة للعام 2025: “يجد الصحافيون في غزّة أنفسهم محاصرين في القطاع، بلا مأوى ويفتقرون إلى كل شيء، بما في ذلك الطعام والماء. أما في الضفة الغربية، فيتعرّض الصحافيون للمضايقات والاعتداءات بشكل روتيني من المستوطنين والقوات الإسرائيلية على حدّ سواء، لكن القمع بلغ مستويات غير مسبوقة مع موجة الاعتقالات التي أعقبت 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين أصبح الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضدّ الصحافيين أمراً واقعاً”.
ويحتل معظم العالم العربي درجات في أسفل السلم في تراجع متواصل، بما في ذلك الأردن التي باتت تقارب اليمن (147 و154)، في حين تحتل مصر مرتبة متقدّمة في أسفل السلم (170). ولم يساهم تغيير النظام في سورية في تقدّم كبير، إذ لا يزال القطاع الإعلامي مدمّراً بالكامل (177). وقد أحصت المنظّمة مقتل أكثر من 181 صحافياً حتى تاريخ سقوط نظام الأسد، فيما لا يزال 45 صحافياً وعاملاً إعلامياً مفقوداً، في ما يُعتبر أعلى نسبة عالمياً للصحافيين المفقودين.
وفي شمال أفريقيا، سجّلت تونس التي كانت تُعدّ منارةً للحريات الصحافية في المنطقة بعد ثورة 2011 التراجع الأكبر في مستوى الحريات (129)، أي بتراجع 11 مركزاً. وبحسب التقرير، يشكّل التضييق على التمويل والقدرة على الاستمرارية المالية أحد أبرز العقبات في وجه الصحافة المستقلة في العالم. ووفقاً لمؤشّر حرية الصحافة العالمي لعام 2025، فإن وسائل الإعلام في 160 من أصل 180 دولة شملها التقييم تحقّق الاستقرار المالي “بصعوبة” أو “لا تحقّقه على الإطلاق”. ويقبع حالياً 503 صحافيين في السجون. وتتصدّر الصين قائمةَ الدول التي تضمّ أكبر عدد من الصحافيين المُحتجزين (121)، تليها روسيا (48) في المرتبة الثانية، إذ يُحتجز العدد الأكبر من الصحافيين الأجانب في العالم، بينهم 26 صحافياً أوكرانياً. وتأتي في المرتبة الثالثة ميانمار، حيث يُحتجز 47 صحافياً.
وفي ما يتجاوز الأرقام المقلقة عن القيود على الصحافة، يبدو السؤال الأبرز: هل لا تزال هناك صحافة قادرة على مواجهة السلطة أو راغبة في ذلك؟ وهل ما تزال تحظى ببعض الثقة من المتلقّين، إذا ما نظرنا إلى القيود الجديدة والإهانات المتكرّرة للصحافة على يد إدارة ترامب في الولايات المتحدة، حيث كانت الصحافة، في وقت غير بعيد، تُعتبر الأكثر وقاحةً في تقاليد مقارعة السلطة؟
وبحسب تقرير معهد رويترز للدراسات حول الصحافة (تقرير الإعلام الرقمي لعام 2025)، يستمرّ تراجع أهمية وسائل الإعلام التقليدية مصدراً رئيسياً للأخبار، بينما يتزايد الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الخبر، بما في ذلك (خصوصاً) الولايات المتحدة في ولاية ترامب الثانية. وبالموازاة، تراجع دور الصحافيين باعتبارهم لاعبين مؤثّرين في تأطير وتفسير الخبر، مقابل صعود نجم المؤثّرين في السوشيال ميديا، وأكثرهم تأثيراً مقدّم البودكاست الشهير جو روغان في الولايات المتحدة، وصانع المحتوى الشاب هوغو ترافيرز في فرنسا، الذي يتابعه 22% من الشباب دون 35 عاماً عبر “يوتيوب” و”تيك توك”. وتتغذّى هذه الظاهرة من السرديات الشعبوية التي ترى في هؤلاء نماذجَ صادقةً قريبةً من المتلقّي، على نقيض “نخبوية” الإعلاميين.
تقدّم تجربة صحافيي غزّة مناسبةً لإعادة تأطير معنى الصحافة وعلاقة الصحافي ببيئته، كما تطرح أسئلةً لا بدّ منها حول مفهوم الحياد في التغطية الصحافية للنزاعات شديدة الخطورة، وإشكالية الموازنة بين الضحية والجلّاد من منطلق التوازن والنزاهة. تحوّل صحافيو غزّة (أو من بقي منهم في قيد الحياة) أبطال مواجهة التعتيم على الخبر وعلى حقّنا في المعلومة من دون أن يختاروا ذلك. وسيبقى مشهد قتل خمسة صحافيين فلسطينيين في غارة جوية إسرائيلية مزدوجة استهدفت مستشفى ناصر جنوب قطاع غزّة (أغسطس/ آب 2025)، بينهم مراسل “رويترز” حسام المصري، حاضراً في الذاكرة بوصفه جريمةً غير مسبوقة في تعمد قتل صحافيين من دون حاجة إلى الإنكار أو خوف من عقاب.
تجربة صحافيي غزّة مناسبة لإعادة تأطير معنى الصحافة وعلاقة الصحافي ببيئته، وتطرح أسئلة حول مفهوم الحياد
تمكّن صحافيو غزّة من كسر الحظر الإسرائيلي على تغطية جرائم حرب الإبادة، في ما يُعتبر الصراع الأكثر دمويةً للصحافة على الإطلاق، ففاق عدد الصحافيين القتلى مجموع ضحايا الحربَين العالميَّتَين وحرب فيتنام وحروب يوغوسلافيا والحرب الأميركية في أفغانستان مجتمعة. سقط وهم التضامن، أو مقولة “المجموعة الصحافية الدولية”، بعدما وقف صحافيو غزّة وحيدين يواجهون آلة الحرب، واكتفى بعض الإعلام الدولي بإصدار بيانات الاعتراض على المنع الإسرائيلي غير المسبوق لدخول ساحة حرب غير مسبوقة في وحشيتها.
أما ونحن نستقبل العام الجديد، نسأل: هل من جرائم أكثر وحشيةً، وهل من تراجع أعمق للصحافة والعاملين فيها، في العام المقبل؟… مع تواصل الإفلات من العقاب للمعتدين على ناقل الخبر، يُخشى أن نضطر للقول إن الآتي قد يكون أسوأ.
المصدر: العربي الجديد






