قراءة في رواية: لم قتلتَ ابني؟

عبد المجيد عرفة

خالد سليم عقيل كاتب سوري متميز منتمي للثورة السورية. له الكثير من الكتب، قرأت له كتاب إرث ثورة وكتبت عنه.
لم قتلتَ ابني؟ رواية كتبها خالد عقيل ونشرها عام ٢٠٢٤م. وهي تتناول قصة عائلة مسلمة عاشت في أمريكا وحصلت لها متغيرات كثيرة هناك…
تبدأ الرواية على لسان الراوي بالحديث عن عبد القدير الباكستاني المسلم الذي يعمل في مجال الرعاية النفسية والخدمة الاجتماعية. درس في باكستان وتخصص هناك وحضر الى امريكا لتحسين ظروف حياته. خاصة وأنه معيل لاهله واخوته ليكملوا دراستهم ويشقوا طريقهم بالحياة وقد حصلوا على مؤهلات علمية تجعل حياتهم أفضل. تعرّف عبد القدير على مليكة الامريكية المولد من أصول مسلمة، وهي ملتزمة دينيا ايضا، وبعد فترة حصل بينهم حب تتوج بالزواج.
عبد القدير ومليكة يعملون ويعيشون حسب إمكاناتهم المتواضعة. قرروا أن يؤجلوا الإنجاب لعدة سنوات حتى تتحسن ظروفهم المعيشية قليلا. وبعد مرور سنين قررا إنجاب ابن لهم ولكن تعسر ذلك حتى لجؤوا إلى إجراء عملية طفل الانبوب و رزقوا بطفل اسموه صلاح الدين وذلك بعد عشر سنوات على الزواج. ولم يكن ممكنا إنجاب غيره، فكان صلاح الدين ابنهم الوحيد الذي نذروا حياتهم له تعليما واهتماما.
كبر صلاح الدين ودخل الجامعة وكان متفوقا. كان يحصل على منحة جامعية تخفض رسوم الجامعة عليه لتفوقه. وكان يعمل في خدمة توصيل الطلبات في أحد المطاعم ليساعد ذلك في مصاريف جامعته.
وكانت قد مرضت الزوجة مليكة وتبين أنها مصابة باللوكيميا وتمت معالجتها بالعلاج الكيماوي وبعده الشعاعي ولكن لم تتحسن وتوفيت بعد ذلك. واستمرت حياة عبد القدير وابنه صلاح الدين الذي يتابع دراسته. وتعرف على زميلة له واتفقا على الزواج بعد تخرجهم من الجامعة وحصولهم على عمل يؤمن حياتهم.
على المستوى العام حصلت في ذات الوقت أحداث ١١ سبتمر عام ٢٠٠١م. التي نفذها عناصر من القاعدة عبر اختطاف طائرات ومهاجمة برج التجارة العالمي وتدميره. وكانت من تداعياته احتلال أمريكا لأفغانستان ومن ثم العراق حيث أعلنها جورج بوش وقتها حربا صليبية جديدة.
في أجواء الاحتقان هذه زادت العنصرية التي حصلت في أمريكا والعالم ضد العرب والمسلمين عموما. ذهب صلاح الدين الى احد البيوت ليوصل طلبا من المطعم الذي يعمل به وعندما وصل الى البيت فتح له شاب وعلم أنه مسلم من سحنته فأطلق عليه النار وأرداه قتيلا.
وهكذا وجد عبد القدير نفسه وحيدا وقد دفن ابنه بجوار زوجته. وسلم أمره لله.
تم اعتقال الجاني جورج الذي كان تحت تأثير مخدر الماريجوانا. وحصلت محاكمة وكان موقف عبد القدير غريبا. فقد أسقط حقه الشخصي عن جورج القاتل ولكن المحكمة حكمت عليه بخمس عشرة سنة سجن.
كان موقف عبد القدير غريبا وغير مفهوم من أصدقائه ومن محاميه ومن القاتل نفسه. وحين سئل عن ذلك أجاب أنه سامح جورج القاتل ليكي يشفي نفسه من الحقد والتوتر وانتظار الثأر. هذا غير ما يأمرنا به الإسلام بالصفح إن كان ذلك ممكنا. وانعكس ذلك على جورج الذي استغرب ذلك وبدأ يتبحر بالإسلام الذي دفع الأب أن يصفح عن قاتل ابنه. وتعرف بالسجن على مجموعة من المسلمين الملتزمين واحتك بهم وتعلم على أيديهم وقرأ وتعمق في الاسلام واعلن اسلامه اخيرا وغير اسمه ليصبح صلاح الدين.
بالطبع لم ينقطع جورج قبل إسلامه وحتى بعد اسلامه عن التواصل مع عبد القدير وكيف كان هو السبب المباشر لاسلامه وليجعل عبد القدير بمثابة أب له.
على مستوى آخر كانت ليلي صحفية تتابع الجريمة وتتواصل مع عبد القدير لمعرفة مجريات القضية وتأثرت به أيضا. وكانت ملحدة وغير دينية. وأعادت علاقتها مع مسيحيّتها. تحت تأثير عبد القدير.
مرت السنوات وكان يتواصل عبد القدير من صلاح الدين الذي اعتبره بمثابة ولده أما صلاح الدين فقد اعتبر عبد القدير بمثابة والده. وعندما كبر بالسن عبد القدير أكثر وأصبحت حركته ضعيفة وعاجز عن خدمة نفسه نُقل إلى مأوى العجزة. وعاش هناك.
وعندما خرج صلاح الدين المسلم الملتزم من سجنه بعفو جزئي لحسن سلوكه بحث عن عبد القدير ووجده في مأوى العجزة. أخرجه من هناك وعادوا سوية للعيش في بيت عبد القدير كابن وابيه. يخدمه في كل شيء.
هنا تنتهي الرواية.
في التعقيب عليها اقول:
نعم ان الغرب وامريكا ظلمونا يوما عندما استغلوا الإسلام والمسلمين لمحاربة السوفييت في أفغانستان حتى سيطرت عليها طالبان.
وظلمونا عندما حملونا كمسلمين وعرب تبعات هجمات القاعدة على أمريكا وضرب برجي التجارة العالميين هناك. واستباحوا أفغانستان والعراق بحجج واهية لأهداف استعمارية. ومازال هذا الجرح ينزف في العراق حتى الآن بعد عقود.
وكذلك سلطت الرواية الضوء على الاسلام بصفته دين الرحمة والصفح والخير والانسانية عبر نموذج عبد القدير والاخرين. وان كل عمل صالح لا بد أن يرتد على صاحبه بالخير ولو بعد حين.
وأخيرا لا بد من التأكيد أن عيش حياة الإنسان دون عمق اعتقادي إيماني سواء كفرد وجماعة تجعل حياة البشر أقرب لحياة الغابة حيث السيطرة للقوة وللغني وتظهر المظلومية وضحيتها الفقير والضعيف أفرادا وشعوبا. وما تغوّل العالم الرأسمالي الآن في حياتنا المعاصرة منذ قرون إلا دليلا على ذلك.

تعليق واحد

  1. قراءة جميلة وتعقيب موضوعي من الكاتب “عبد المجيد عرفة” لرواية الكاتب السوري المنتمي للثورة السورية “خالد سليم عقيل” بعنوان “لم قتلتَ ابني؟” الرواية تتناول قصة عائلة مسلمة عاشت في أمريكا عبد القدير الباكستاني المسلم المتزوج لـ “مليكة” الامريكية المولد من أصول مسلمة أيضاً وحصلت لها متغيرات كثيرة هناك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى