2026 سورية إلى أين؟

أحمد طه

مضى عام كامل على تحرر السوريين من أحد أعتى الأنظمة القمعية الاستبدادية التي عرفتها المنطقة، وربما عرفها العصر الحديث بأسره، نظام لم يكتف بقمع السياسة ومصادرة الحريات، بل أعاد هندسة المجتمع على مقاس الخوف، وأدار الدولة كملكية خاصة، وحول العنف إلى لغة يومية لإدارة الخلاف، سواء كان سياسياً أو اجتماعياً أو حتى ثقافياً. غير أن سقوط النظام، على أهميته التاريخية التي لا ينكرها عاقل، لم يكن سوى نهاية فصل طويل من الاستبداد، وبداية فصل أكثر صعوبة وتعقيداً، فصل إعادة بناء الدولة والمجتمع معاً.
لقد ترك النظام السابق إرثاً ثقيلاً لا يمكن تجاوزه في عام أو عامين، بل يحتاج إلى سنوات طويلة من العمل المنهجي والصبور، إرث يتمثل في مجتمع أجبر لعقود على الأحادية الفكرية، وغياب التعدد، ورفض الآخر، بل والنظر إلى المختلف باعتباره خطراً وجودياً يجب إقصاؤه أو إلغاؤه، تشكلت داخله شروخ طائفية وإثنية عميقة، غذاها النظام عمداً، واستخدمها أداة للضبط والسيطرة، وإلى جانب ذلك، مدن مدمرة، وبنى تحتية واقتصادية منهارة، ودولة أفرغت مؤسساتها من مضمونها وتحولت إلى هياكل شكلية.
هذه الذهنية الإقصائية لم تختف بسقوط النظام، بل ما زالت حاضرة في السلوك اليومي وفي الخطاب العام وعلى صفحات التواصل الاجتماعي التي تحولت إلى ساحات لإشعال المعارك الطائفية والمناطقية.
ولا شك أن كل واحدة من هذه القضايا الكبرى تحتاج إلى مشروع وطني متكامل لتجاوزها، فلا يمكن معالجة الانقسام المجتمعي دون عقد اجتماعي جديد، ولا يمكن إعادة الإعمار دون رؤية سياسية جامعة، ولا يمكن بناء دولة قانون في مجتمع لم يتصالح بعد مع ذاته وتاريخه.
بكل تأكيد لا تكفي الشعارات، ولا تنفع الخطابات العاطفية لحل هذه الأزمة وتجاوزها، المطلوب هو خطة عمل وطنية شاملة، تؤسس هوية وطنية سورية جامعة تكون سبيلاً على طريق لملمة السوريين لا لتفريقهم، ومصالحة مجتمعية حقيقية تبدأ من مسار واضح لعدالة انتقالية، لا تقوم على النسيان القسري، بل على الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر للاعتراف بإرث الماضي، لا إنكاره ولا القفز فوقه.
لعل أحد أهم أدوات هذه الخطة الوطنية هو حوار وطني حقيقي حوار قد يمتد لسنوات و ليس لساعات قليلة، وينطلق من الأحياء و القرى والنقابات والجامعات، وصولاً إلى أعلى هرم في السلطة، يشارك فيه الجميع و تشرف عليه القوى المجتمعية ( وليس مؤثري السوشيال ميديا) التي لها وزن حقيقي في مجتمعاتها المحلية، لا من يتم اختيارهم على أساس القرب الشخصي أو العلاقات الخاصة من هذا المسؤول أو ذاك ، حوار لا يشبه ما سمي بـ«مؤتمر الحوار» الذي جرى في 25 فبراير/شباط 2025 و لم يكن سوى فعالية شكلية، تفتقر إلى الشمول والعمق، ولا تعبر عن تنوع المجتمع السوري وحجم التحديات المطروحة، ولا يشبه تلك اللقاءات التي جرت على عجل في القصر الجمهوري، والتي اعتمدت في معظمها على شبكة المعارف لا على الخلفيات الوطنية ولا على الكفاءة أو التمثيل الحقيقي،
الخطير في تلك الحوارات ليس إنجازها بشكل سطحي وعلى عجل فحسب بل أيضا تغييب التيار الوطني المدني، بمختلف أطيافه السياسية والفكرية، مقابل التركيز على دعوة المشايخ ورجال الدين، وكأن سورية تختزل في بعدها الديني فقط. إن إعادة إنتاج السياسة من بوابة الدين، مهما كانت النوايا، تحمل في طياتها مخاطر جسيمة على وحدة المجتمع وعلى مستقبل الدولة، وتعيد إنتاج الانقسام بدل معالجته.

بالمقابل تبدو السلطة الحالية منشغلة بسلسلة لا تنتهي من الاحتفالات والمهرجانات، احتفالات انطلاق الثورة، احتفالات إطلاق الهوية البصرية، احتفالات ذكرى النصر، حفلات جمع التبرعات لكل محافظة على حدة، وصولاً إلى حفل إطلاق العملة الجديدة، أصبحنا، عملياً، أمام مهرجان كبير له بداية وليس له نهاية، في وقت تعيش فيه البلاد واحدة من أكثر مراحلها مأساوية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
لا أحد ينكر من أهمية الفرح بعد سنوات من القهر. لكن الإفراط في الاحتفال، في ظل غياب سياسات اقتصادية واضحة، وخطط اجتماعية ملموسة، وتحسن حقيقي في حياة الناس، يجعل هذه المظاهر أقرب إلى الهروب من الواقع منها إلى مواجهته.
إلى جانب ذلك، يبرز نمط مقلق من القرارات الارتجالية، سواء في السياسات العامة أو حتى في الرموز السيادية، وخصوصا فيما يتعلق بالعملة الجديدة، التي لا تعكس عمق التاريخ السوري ولا تنوعه الحضاري، وكأن سورية دولة ولدت في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بلا ماض ولا ذاكرة.
سورية ليست صفحة في كتاب التاريخ كتبها الأسد النافق وابنه الهارب ثم جاءت الثورة لتمحو ما كتب وتكتب من جديد، سورية هي كتاب التاريخ ذاته، حضارة تمتد لآلاف السنين كتبت على الصخر في كل بقعة على مساحات الوطن، لتأتي العملة الجديدة وتستبدل كل هذا التاريخ بورد جوري أو حبة توت.
يبدو أنه مع حبة التوت هذه سقطت آخر ورقة توت على هذا الطمس المقصود للهوية السورية والحضارة السورية والتاريخ السوري، قد يقول قائل إن الهدف هو الوحدة الوطنية، ولكن لا تكون الوحدة الوطنية بإلغاء التاريخ وآلاف السنين من الحضارة هذا أولا، أما ثانيا فهل يختلف سوريان على حضارة تدمر وأبجدية رأس شمرا ونواعير حماة والجامع الأموي، وقلعة حلب، وقلعة دمشق، إن تجاهل هذا الإرث، أو القفز فوقه، لا يبني هوية جديدة، بل يخلق هوية مبتورة، هشة، وقابلة للانقسام. إن بناء سورية الجديدة لا يعني القطيعة مع التاريخ، بل إعادة قراءته واستعادته كمساحة جامعة لكل السوريين.
السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: إلى أين تتجه سورية؟ بل: كيف نريدها أن تتجه، وبأي أدوات، وبأي عقلية؟ هل نريد دولة مواطنة وقانون، أم دولة احتفالات وشعارات؟ هل نريد مجتمعاً متصالحاً مع تعدديته، أم مجتمعاً يعيد إنتاج الإقصاء بأشكال جديدة؟ هل نريد سورية الحضارة أم سورية مولودا جديد بلا تاريخ؟
الفرصة ما زالت قائمة، لكنها تضيق مع الوقت، فإما مشروع وطني جامع، يعالج الجذور لا القشور، ويضع الإنسان السوري في قلب العملية السياسية، أو دوران في حلقة مفرغة، لا تنتج إلا الخراب .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى