في حديث التفاؤل

رشا عمران

مع كل زيارة لسوري ما من سوريي الخارج إلي سوريا يكتب انطباعات متعددة عن زيارته إليها وكلها تكون انطباعات جيدة، فوجوه الناس فرحة بالتخلص من نظام الأسد وفرحة لخلاصها من كابوس الاعتقالات وفرحة بتبييض السجون. فرحة أيضا بعودة المهجرين.

وثمة حالة من الاستقرار والأمان تظهر في العاصمة دمشق، كما يصف هؤلاء، توحي بأن الأمور ذاهبة إلي التحسن. يكتب هذا السوري ما سبق وهو في طريقه إلى المطار عائدا من زيارته السياحية في سوريا إلي بلده الثاني الأوروبي حيث الالتزامات اليومية والعمل الشاق ومحاولات الاندماج الكامل في سبيل الحصول علي الجنسية وفي سبيل الحصول على مميزات المقيم من ضمان صحي كامل وحق أطفاله في التعليم المجاني في مدارس محترمة. محذرا إيانا، قبيل صعوده الطائرة، نحن الذين لسنا متفائلين مثله، بأن قطار البناء السوري سوف يتجاوزنا إن لم نهب مسرعين للمساهمة في بناء بلدنا.

في هذه الأثناء وبعد انتهائك من قراءة منشوره تتابع تصفح الفيسبوك لتقرأ خبرا عن جريمة قتل حصلت في حي راق من أحياء دمشق، ثم تقرأ عن شابة فقدت في طريقها نحو الجامعة، وخبرا آخر عن استهداف دورية للأمن العام في شارع رئيس في حي فاخر؛ ولن يفوتك خبر مقتل شابين لأسباب طائفية، أو أخبار عن خلاف ديني في إحدى مساجد دمشق الكبيرة تطور ليصبح شجارا استخدمت فيه أسلحة بيضاء. سوف تقرأ أيضا عن ازدياد عدد المتسولين في الشوارع، وازدياد عدد اللصوص، سوف تقرأ عن الفقر الذي يجعل حاويات الزبالة في قلب دمشق مكانا لتجمع من لم يعد يجد ما يسد به رمق أبنائه، سوف تقرأ عن فوضى السير وعن التسيب العام وعن عجز عناصر الشرطة في ضبط فوضى الدراجات النارية التي يقودها مسلحون مجهولون يسرقون حقائب النساء أو يطلقون النار عشوائيا؛ وربما ستقرأ عن سيارات من دون لوحة ينزل منها ملثمون يخطفون شخصا ما ويختفون. أو عن عنصر من عناصر الأمن يعتدي على شاب يرتدي الشورت القصير؛ وسترى شريطا مصورا عن سيارة دعوة بمكبرات صوت يقودها مسلحون يتجولون بالقرب من الكنائس القديمة. ثم سترى أغرب مشهد في التاريخ: سيارة مرسيدس تتجول في باحة الجامع الأموي. تخيل؟!.

لا بأس تلك هي حوادث فردية لا تشكل نمطا عاما في دمشق، فالحياة هناك تحتمل الكثير، حوادث هنا وهناك هي نتيجة طبيعية لفوضى ما بعد التحرير، خصوصا وأن سوريا عبرت بمرحلة استمرت لمدة أربعة عشر عاما وهي تحت براثن حرب مجنونة ونظام فتك بها تماما وتركها مدمرة ومنهوبة ومحروقة وشعبها مشرد ومشتت ولاجئ وقاتل ومقتول وجائع وعاجز؛ ومجتمعها متشرذم وفاشل ومريض، واقتصادها منهار تماما وينخر الفساد كل ما فيه. كل ما يحدث في دمشق هو نتيجة عادية وأقل من المتوقع لحالة ما بعد الحرب وما بعد سقوط النظام وسقوط الدولة معه.

لكن مهلا: سوريا ليست فقط دمشق، من نافل القول أن وضع العاصمة عادة ما ينبئ عن أحوال البلاد كلها، لكن في اللحظة السورية الراهنة هذا الكلام ليس من النوافل، ذلك أن ثمة مناطق ومحافظات ومدن وقرى في سوريا تعيش بما يكاد يصل إلي حد الكارثة، علي كل المستويات، فعلى المستوى الأمني يمكن التحدث هنا عن بعض مناطق الساحل وقسم من ريف حمص وحماة أو جبل العرب التي يستمر فيها ارتكاب القتل الطائفي والحصار المستمر والتهجير الممنهج، مما يذكر حرفيا بمجازر نظام الأسد وما يحدث بعدها من حصار وانتهاك، وكأنها مستنسخة منها مع اختلاف القاتل والضحية. أما عن المناطق التي خرجت عن نظام الأسد ووقعت تحت حكم سلطات الأمر الواقع وقتها، بما فيها المناطق التي كانت تحت حكم هيئة تحرير الشام فتلك قصة أخرى، فالمدن والقرى مدمرة والفقر الذي يكاد يأكل سوريا له في تلك المناطق النصيب الأكبر. ملايين الأطفال من متسربي التعليم ينتظرهم مستقبل غامض ومظلم. ملايين المهجرين واللاجئين الذين تدفع كل دول العالم لعودتهم إلى سوريا سوف يعودون إلى المجهول حيث لا أماكن صالحة للسكن ولا خطط لإعادة الإعمار، ولا فرص عمل متاحة، ولا آراض زراعية بقيت صامدة من الحرائق السنوية المهولة، ولا حتى وعود حقيقية بإعادة تأهيل هذه المجموعات البشرية الكبيرة التي دفعت أثمانا باهظة حقا، في المجتمع السوري الذي يحتاج كله، برأيي الشخصي، لإعادة تأهيل وطنية، لا تلقي السلطة المؤقتة الحالية بالا لأهميتها، فالمجتمع السوري بات في حالة من الانقسام الطائفي تنذر بخطر وشيك الحدوث تغذيه قوى دولية لا مصلحة لها بسوريا مستقرة وديموقراطية. هذا الانقسام أيضا تمعن السلطة المؤقتة الحاكمة في تعزيزه عبر سلسلة من القرارات والتعيينات والاقصاءات التي تقوم بها السلطة بدراية شديدة مترافقة مع خطاب إعلامي رسمي مؤيد لحالة الانقسام أو مروج لها عن جهل وفشل ربما، كي لا نقول عن سابق قصد وتصميم حيث سيكون الأمر بمثابة الخيانة الوطنية.

لا يهتم الناشط السوري المقيم في أوروبا حاليا بكل التفاصيل السابقة حين يزور سوريا زيارته الاستكشافية الأولى أو زيارته السياحية الثانية التي لا يخرج فيها خارج المنطقة الخضراء في دمشق، (المنطقة الخضراء هي المنطقة الآمنة عادة في الدول المصابة بالحروب والتوترات الأمنية)، وليس مهتما كثيرا بمعرفة ما يحدث بالقرب منه، لذلك يكتب ما يكتبه عن (سوريا الجميلة الآمنة ذات المستقبل القريب المشرق). لكن الحقيقة، أو الظاهر منها على الأقل، أن الوضع السوري خطير جدا، ليس فقط لجهة فشل هذه السلطة، بل لأن الوضع الاقتصادي والخدمي والمعيشي على شفا هاوية كما يقولون. لم يتم رفع سوى اليسير من العقوبات وبالتالي ما زالت حالة الاستعصاء الاقتصادي قائمة، ما يعني أن المستثمرين سوف يفكرون مليا قبل الدخول في مغامرة الاستثمار في سوريا خصوصا مع تردي الأوضاع الأمنية، أما (هيصة) توقيع مذكرات التفاهم فهي حبر على ورق لا تعني شيئا ولا تلزم أحدا بشيء، وهذا بات معروفا للجميع. ما يعني أنه لا توجد أية خطة واضحة وحقيقية حتى اللحظة يمكن التعويل عليها في بدء قدوم الاستثمارات وإعادة الإعمار وإعادة تأهيل المجتمع. وللأسف فإن توجه السلطة المؤقتة الحالية بعيد كل البعد عن إعادة تأهيل المجتمع وبنيته التحتية، فكما قلنا لا خطط لإعادة الأعمار ولا خطط زراعية خمسية أو عشرية، لا خطط لبناء مدارس في المناطق التي تضم عددا كبيرا من الأطفال المتسربين، لا خطط لتطوير القطاع الصحي وبناء المشافي. بينما هناك خطوات ملموسة لبناء المزيد من الجوامع والمساجد وكأن سوريا ينقصها هذا، وكأن الصلاة لا يمكن أن تحدث في أي مكان طالما كانت نية المؤمن خالصة لطاعة ربه.

يغيب عن بال السلطة المؤقتة أن الاستثمار الحقيقي يجب أن يحدث في الانسان السوري، في الفرد السوري، في الأطفال السوريين، في التعليم والصحة والقضاء العادل، في فرص العمل الحقيقية وتطوير الزراعة والصناعة الوطنية، في تسهيل عمل الصناعيين السوريين والحد من منافسة المستورد للصناعة المحلية. في الانتماء لسوريا، لا لجماعة هيئة تحرير الشام ولا للسلفية الجهادية ولا للإسلام السياسي ولا لأي تنظيم آخر ديني أو حزبي. في البحث عن الكفاءات الحقيقية السورية (وما أكثرها) واستقطابها بدلا من مجموعة الفشلة المعينين في مناصب عليا ويخططون بما يتسبب بالمزيد من الدمار لسوريا وحاضرها ومستقبلها. في عدم إقصاء أحد والتعامل مع السوريين كمواطنين لا أبنا مذاهب وطوائف وعشائر وملل. والأهم في الاقتناع أن سوريا دولة لا غنيمة حرب، والسوريون شعب واحد، سياسة (فرق تسد) التي تستخدمها السلطة المؤقتة معه سوف تدمر الشعب والبلد والسلطة نفسها بعد حين.

أما بخصوص الناشط السياحي السوري فنتمنى عليه في زيارته القادمة أن يحضر معه أطفاله ويستقر في سوريا ويدخلهم مدارسها ويركب في قطار البناء السريع الذي يروج له، فهذا أكثر فائدة لسوريا بكثير من الابتسامات وشارة النصر لحظة دخوله مطار دمشق الدولي ولحظة خروجه منه.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى