
أبرزت بعض وسائل الإعلام العربية والأجنبية تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن الاتفاقية الموقعة بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي، وكأنها تعكس ترحيبه بها. في الواقع، من رحّب بالاتفاق هو وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي قال: “تؤكد الولايات المتحدة مجددًا دعمها لانتقال سياسي يرسخ حكمًا غير طائفي وذا صدقيّة، باعتباره أفضل سبيل لتجنب مزيد من الصراعات”.
تشعر أنقرة بتفاؤل حذر تجاه الاتفاق، لأن ما تنتظره منه أبعد بكثير مما يتحدث عنه روبيو. أردوغان صرّح بأن “تنفيذ بنود الاتفاقية بحذافيرها سيسهم في أمن واستقرار سوريا، وسيعود بالنفع على جميع السوريين”.
ضمن أهداف زيارة الوفد التركي الرفيع، الذي ضم وزير الخارجية هاكان فيدان، ووزير الدفاع يشار غولار، ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن، إلى العاصمة السورية، مناقشة الجوانب التي تبدد قلق أنقرة في خريطة الطريق المتفق عليها.
هناك شبه إجماع سوري على أن اتفاقية العاشر من آذار بين الشرع وعبدي تحمل كثيرًا من التفاؤل والأمل بالنسبة لسوريا والسوريين. وهي اتفاقية، عند تنفيذ بنودها، ستتحول إلى مساحة من الفرص السياسية والأمنية والاجتماعية على طريق بناء الدولة السورية الجديدة، بدعم إقليمي ودولي واسع. لن تكون أنقرة هي من يعرقل مثل هذه الفرصة أو يقف بوجهها ويعارضها، لكنها، وعلى ضوء التجارب السابقة في حالات مشابهة، تفضل انتظار التنفيذ ومشاهدة نتائجه العملية على الأرض أولًا.
بين ما يدفع أنقرة إلى التحفظ والتريث، مثلًا، تصريحات مظلوم عبدي التي أشار فيها إلى أن هناك تفاصيل كثيرة لم يتم الاتفاق عليها بعد. فهل سيتحدث عبدي بعد الآن باسم “قسد”، أم باسم تركيبة كردية جديدة يقودها في شمال شرقي سوريا؟
البعد الإقليمي لدعم التنفيذ وتسهيل نجاحه مهم هنا. لا أحد في المنطقة يريد أن تذهب الأمور نحو التصعيد في سوريا اليوم سوى تل أبيب وطهران. تصريحات ومواقف بعض قيادات “قسد” بعد الإعلان عن الاتفاقية تسير في هذا الاتجاه أيضًا، وهي مغايرة لما تقوله دمشق في التفسير والتحليل.
ما يقلق أنقرة ليس شكل العلاقة المستقبلية بين دمشق والقامشلي، أو المظهر الجديد الذي ستتبناه “قوات سوريا الديمقراطية” لاحقًا، بل تحرك بعض الأطراف الخارجية لصناعة مشهد سياسي وأمني جديد في شرق الفرات يلتف على بنود الاتفاقية ومضمونها.
تعلم أنقرة أن مطلب “قسد”، الذي تستعد للإعلان عنه، هو الربط بين المرحلة الانتقالية خلال تنفيذ بنود التفاهم والمرحلة الانتقالية السياسية والأمنية والدستورية والاقتصادية التي تعيشها سوريا. فكيف سيتم ذلك؟ هل ستأخذ “قسد” مكانها في الحكومة الجديدة وتشارك في صناعة قرارات المرحلة الانتقالية في الأسابيع والأشهر المقبلة من دون إنجاز المرحلة الانتقالية الأخرى المرتبطة بتنفيذ بنود الاتفاقية الثنائية بين الشرع وعبدي؟
حديث أردوغان عن التريث في انتظار التنفيذ يعني بالنسبة لأنقرة أن الترحيب بالاتفاقية شيء، والترحيب بتنفيذ بنودها شيء آخر. لن توافق تركيا على دفع الأمور نحو واقع جديد يحاول البعض فرضه على دمشق وأنقرة. التزام “قسد” ببنود الاتفاقية لا بد أن يواكبه تخليها عن مشروعها السياسي في شرق الفرات، وعدم محاولة كسب الوقت والفرص لدفع الأمور في الاتجاه الذي تريد.
حل “حزب العمال الكردستاني” سيواكبه حتمًا حل “قوات سوريا الديمقراطية” وامتداداتها العسكرية والسياسية أيضًا، طالما أن النقاش مرتبط بالملف الكردي على الخطين التركي والسوري. لكن ما يقلق أنقرة هو ما سيحدث بعد ذلك. فهل ستكمل واشنطن، التي رحبت بما جرى، “معروفها” عبر الضغط على شركائها في “قسد” لتنفيذ البنود كما يراها الشعب السوري؟ أم ستدعم سيناريو تأجيل المواجهة إلى وقت آخر؟
الإرادة السياسية المعلنة باتجاه قبول تنفيذ بنود الاتفاقية بحد ذاتها خطوة إيجابية مهمة بالنسبة لسوريا والسوريين، على طريق التفاهم حول خريطة طريق مشتركة لبناء الدولة الجديدة، حتى لو تم التنفيذ ببطء، واستغرق بعض الوقت، وكان مرتبطًا بتطورات سياسية ودستورية أخرى.
لكن، بقدر ما يشكل مشهد جلوس الرئيس الشرع ومظلوم عبدي أمام طاولة واحدة يوقعان الاتفاقية ويتبادلان نسخها لتدخل حيز التنفيذ إنجازًا كبيرًا باتجاه إعادة شرق الفرات إلى حضن الدولة المركزية، فإنه يستدعي بالنسبة لأنقرة التريث والحذر لمتابعة المرحلة المقبلة ومسارها، من حيث التفاوض والتمثيل والإلزامية والمراقبة والضمانات في التنفيذ وطرق تسوية الخلافات.
تعلم أنقرة أن التوصيات والنصائح الإقليمية التي ستُقدَّم لعبدي ستذهب باتجاه سياسة جديدة مغايرة. لذلك، تريد أن ترى ما الذي يُعدّ له البعض في سوريا قبل أن تعلن سياستها الجديدة في شرق الفرات وتقرر سحب قواتها. هذا الاتفاق لا يعيد ترتيب شؤون البيت السوري فحسب، بل يعيد أيضًا رسم التوازنات الإقليمية في التعامل مع الملف السوري، وعلينا هنا أن نتفهم أسباب التحفظات التركية ورغبة أنقرة في التريث.
ما جرى في الساحل السوري كان اختبارًا صعبًا على سوريا والسوريين، الذين نجحوا في الوقوف خلف قيادتهم والتكاتف في مواجهة مخطط استهداف الوحدة الوطنية، بعد الجهود التي بذلتها قيادة الرئيس الشرع على طريق إخراج سوريا من أزماتها والانتقال بها إلى مكانتها العربية والإسلامية في الإقليم. لا أحد يريد أن يرى المشهد يتكرر في بقعة جغرافية سورية أخرى.
فرصة “قسد” الوحيدة هي الالتزام بتنفيذ بنود ما تم الاتفاق عليه، وليس البحث عن الغطاء الخارجي لمنحها ما تريد. وربما هذا أيضًا من بين الأسباب التي تدفع أنقرة إلى الانتظار حتى تتضح الصورة أكثر فأكثر والمساهمة في قطع الطريق على أي محاولة لإجهاض الاتفاق.
تحاول تل أبيب حماية مصالحها في سوريا عبر واشنطن مرة، وعبر التلويح بالتدخل العسكري المباشر في سوريا مرة أخرى، مع التذرع بلعب الورقة الإيرانية الهادفة إلى جرّ البلاد نحو الفوضى عند اللزوم.
تواجه أنقرة في سوريا سياسات متباينة ومتضاربة في كثير من الأحيان مع إيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. دون التأكد من حسم مجريات الأمور في شرق الفرات وسحب هذه الورقة من يد بعض الأطراف التي تحركها بما يتعارض مع مصالحها، سيبقى خيار أنقرة التريث والترقب في انتظار التنفيذ، حتى لو كانت هي من أسهمَ في صناعة هذه الاتفاقية.
المصدر: تلفزيون سوريا
الإتفاق الذي وقع بين الرئيس احمد الشرع وقائد قوات سورية الديمقراطيةمظلوم عبد جاء نتيجة ضغوط أمريكية وسعودية، وهو إتفاق عسكري، مرحلي لتجزئة الموضوع، تركيا حذرة من هذا الإتفاق ضمن مسيرة الإتفاقات الذي يوقعها قسد/مسد مع الأطراف الأخرى بعدم الإلتزام واللف على البنود، فهل سيصدقوا مع أحمد الشرع؟