مؤتمر الحوار الوطني السوري.. بين الشكل والفحوى

حسن النيفي

جسّدت مبادرة القيادة الجديدة في سوريا إلى عقد مؤتمر للحوار الوطني في يومي (24 – 25 من شهر شباط الجاري) حدثاً مهمّاً في حياة السوريين، ولئن كان من الصحيح أن حوار السوريين فيما بينهم قد اشتعل منذ آذار 2011 ، وظل مستمرّاً في سخونة تعلو وتخفت وفقاً لسياق الأحداث وسيرورتها، إلّا أنه كان حواراً خارجَ مظلة الدولة، بل على النقيض منها، باعتبار أن الدولة السورية كانت قد اختطفتها طغمة الإبادة الأسدية منذ أكثر من نصف قرن، واليوم إذ يستعيد السوريون دولتهم وتبادر السلطة الجديدة إلى دعوة مواطنيها لحوار يخص حاضرهم ومستقبلهم، فهذا يجسّد خطوة أولى ومهمّة نحو تأسيس مبدأ أساسي من المبادئ الناظمة لعلاقة المواطن بالدولة، وأعني مبدأ المشاركة في اتخاذ القرار.

غبطة السوريين بهذه المبادرة، باعتبارها أولى علائم التغيير بعد زوال نظام الأسد، لم تخفِ كثيراً من الصخب والنقاش وتعدد التأويلات، بين متفائلٍ مغرقٍ في تفاؤله، وبين متريّثٍ متوجّسٍ وربما متشكك، وبين ثالث بينهما يكتفي بالصمت وينتظر النتائج، ولعل أولى أسباب هذا الاختلاف في ردود الأفعال تكمن في تسمية هذا اللقاء المرتقب، فإضافة لفظة (مؤتمر) إلى لفظة (الحوار) من شأنها أن تُحدث تغيّراً في المفهوم، فيغدو اللقاء ذا هدف تشاوري ولا تحظى مخرجاته بأية سمة مُلزِمة، بل يمكن أن تكون مجرد توصيات إن شاءت السلطة أخذت بها، وإن لم تشأ دعتها جانباً، وذلك على خلاف ما تستدعيه ذاكرة السوريين عن المؤتمر السوري المنعقد عام 1920 والذي أفضت مخرجاته إلى رسم معالم الدولة.

وفي سعيٍ من الحكومة الحالية للابتعاد عن  ثنائية ( الإلزام – التوصية ) عمدتْ إلى إخراجٍ آخر، تجلّى بما قامت به اللجنة التحضيرية من استطلاع للآراء وسبر للأفكار والتوجهات عبرَ جولاتها على عدة محافظات، وعقْدها لقاءات مفتوحة مع المواطنين، للوقوف على أهم الشواغل التي يمكن أن تكون أجندة للمؤتمر، وبالفعل فقد أفصحت اللجنة عن بنود ستّة، أكّدت بأنها ستكون الأجندة الرسمية للمؤتمرين،( العدالة الانتقالية – بناء الدستور – الهوية الاقتصادية – إصلاح مؤسسات الدولة – الحريات الشخصية والإنسانية – المجتمع المدني).

مباعث الاعتراض أو التأييد لصيغة المؤتمر إنما هي بهدف إنجاحه وليس لتعطيله

وعلى الرغم من أهمية البنود التي استخلصتها اللجنة التحضيرية كمسائل موجبة البحث، وتأتي في طليعة استحقاقات المرحلة الراهنة، إلّا أن أهميتها لم تسهم في إطفاء الجدل القائم في الوسط السوري حول نجاعة هكذا مؤتمر، وبصيغته الإجرائية الراهنة، بل ربما أفضت إلى بلورة موقفين في الرأي العام كلاهما يحوز جانباً من الموضوعية والصواب:

يرى شطرٌ من السوريين أن المؤتمر المرتقب قد حقق المبتغى منه بمجرّد انعقاده، وذلك بغض النظر عمّا سيفضي إليه من مخرجات، ويستند أصحاب هذا الاتجاه إلى ما يلي:

  1. يجسّد انعقاد المؤتمر لحظة فارقة في الحياة السياسية للسوريين من خلال دعوة الحكومة لهم للحوار والمشاركة، في مناخ يتّسم بالحرية والقدرة على التعبير عن الرأي بعيداً عن جميع أشكال الخوف والترويع ومحاولات تعليب الآراء والمواقف التي شهدناها في العهد الأسدي البائد، فزوال السطوة الأمنية موازاة مع حرية التعبير عن الرأي هي الخطوة الأولى في تحرير المواطن السوري من هيمنة السلطة.
  2. إن التقاء مواطنين سوريين من مشارب فكرية وسياسية واجتماعية مختلفة ضمن حوار وطني شامل، لهو حلمٌ ظل يراود السوريين طوال عقود طويلة، ولكنه الآن يتحقق، ذلك أن الدعوة إلى المؤتمر قد شملت الطيف السوري من الشيوعيين إلى الإخوان المسلمين، مروراً بالقوميين والليبراليين، وفقاً لأصحاب هذا الرأي، إضافة إلى رجال دين من جميع الأديان والطوائف، وهذه ظاهرة تجسّد إجماعاً سورياً على الالتقاء حُرم منه السوريون طوال عقود.
  3. بلغت نسبة حضور النساء (25 في المئة)، وهذا ينفي مجمل المخاوف والتوجسات التي تحيل إلى استبعاد دور المرأة في سوريا الجديدة.
  4. يلبي انعقاد المؤتمر في الوقت الحاضر حاجة السوريين إلى تعزيز أواصر الثقة فيما بينهم وكذلك الارتقاء بالحالة الوطنية إلى مستوى أعلى من الشعور بالمسؤولية، وهذا لا يتحقق إلّا بلقاء السوريين فيما بينهم وتجاوز الفجوات التي عزّزها نظام الأسد البائد.

وفيما لا يقلل شطر ثانٍ من السوريين من أهمية ما استوقف نظيره الأول من سمات إيجابية لعقد المؤتمر المنظور، إلّا أنه – وقبل أن يبدي مآخذه على انعقاد المؤتمر بهذه الصيغة – فإنه يؤكّد على ملاحظتين، تتمثّل الأولى في كون مجمل السمات الإيجابية التي يتذرّع بها أصحاب الاتجاه الأول إنما هي مستمدّة من شكل انعقاد المؤتمر وليست من النتائج المُتوخّاة من مخرجاته أو مضامينه، وتتمثّل الملاحظة الثانية في أن تلك السمات مُستوحاة في الغالب من مبدأ المقارنة بين ممارسات النظام البائد وبين الحالة الراهنة، وهي مقارنة باطلة، باعتبار أن ممارسات الدولة الأسدية ليست مقياساً يُعتدّ به، بل هي ممارسات يمكن اعتبارها خارج نطاق جميع الأعراف الدستورية والإنسانية، فما تحقق للسوريين بعد التحرير من زوال السطوة الأمنية وشيوع للحريات إنما تحقق بفضل تضحيات السوريين العظيمة، فضلاً عن كونه استحقاقاً هم أهلٌ له بجدارة، وبالتالي هو ليس منّةً من الحكومة أو تكرّماً من سلطة. ثم يمضي أصحاب هذا الرأي في إبداء مآخذه على صيغة المؤتمر الإجرائية، ولعل من أبرزها:

  1. شغلت الدعوة إلى المؤتمر اهتمام القيادة الجديدة للبلاد منذ الأيام الأولى للتحرير، وقد أشارت إلى أكثر من موعد لانعقاده ولكن في كل مرة تضطر إلى التأجيل، ثم فجأة تتشكّل لجنة تحضيرية، وخلال أيام قلائل تنهي كل الإجراءات التمهيدية لتعلن عن موعد انعقاده الرسمي بطريقة مباغتة، وهذا يدل على أن الفكرة – على الرغم من أهميتها – يشوبها كثير من الارتجال من دون أن تخضع لدراسة مستفيضة من جميع الجوانب.
  2. إن التوقيت الفعلي لعمل المؤتمر يبدأ من الساعة العاشرة والنصف من صباح الثلاثاء وحتى الساعة الخامسة مساء، باعتبار اليوم الأول للتعارف والعشاء المشترك فقط، يتخلل هذه الفترة ساعة واحدة للغداء، فيكون الوقت المستخلص للعمل ما يقارب خمس ساعات ونصف، وهذه المدة ربما تكون كافية للتصويت بـ ( نعم أو لا ) على البنود الستة المطروحة في جدول الأعمال فقط، ولكنها – أبداً – لن تكون كافية لغير ذلك، وبهذا يفقد المؤتمر حتى السمة التشاورية الموسوم بها.
  3. تحيل الدعوات التي وُجِّهت إلى من هم خارج سوريا إلى أنها جاءت لرفع العتب، أو ربما للتعجيز، إذ كيف تُوجّه الدعوات قبل يوم واحد من انعقاد المؤتمر (الأحد 23 شباط)، وفي هذه الحال يمكن لمن يمتلك طائرة خاصة أو من له نفوذ بإحدى شركات الطيران – فقط – أن يحضر.
  4. ربما تكون مسألة معايير توجيه الدعوات وكذلك مسألة التمثيل هي بالفعل من أكثر المسائل تعقيداً، وخاصة لدينا نحن السوريين، ولكن مواجهة هذه المشكلة لا تقتضي تكريس أعراضها السابقة والمزمنة، بل توجب معالجتها بطريقة أكثر دقّةً وحزماً من خلال اعتماد معايير تتوخّى العلمية والموضوعية والوضوح، بعيداً عن اختزال المسألة بالعلاقات الشخصية واستسهال أقرب الطرق على مبدأ ( اللي تعرفو أحسن من اللي تتعرف عليه).

ما الذي كان سيحصل لو استغرق التحضير للمؤتمر مدة ستة أشهر مثلاً مقابل إنضاج مقوّمات انعقادة بدلاً من سلقها؟ وخاصةً أن هذا التأجيل المفترض لن يكون عائقاً لصدور (إعلان دستوري) يصدر عن مجلس تشريعي مُصغّر كما أشار إلى ذلك السيد رئيس الجمهورية

ما من شك بأن اختلاف السوريين في هذا الشأن هو ضربٌ من ضروب الاختلاف التي لا تخرج عن إطار (الحوار المفيد) وخاصة أن مباعث الاعتراض أو التأييد لصيغة المؤتمر إنما هي بهدف إنجاحه وليس لتعطيله، وفي هذا السياق فإن مظاهر الاختلاف قد تبدو استحقاقات حتمية يتوجب على السوريين مواجهتها بكل مسؤولية واقتدار، فسوريا التي استعادها أبناؤها وبناتها من قبضة الطغيان الأسدي بعد عقود من البؤس، بفضل تضحياتهم – شهداء ومعتقلين ومُهجرين ونازحين – سوف تستعيد عافيتها حين تكون لجميع أبنائها أولاً، وحين تتمكّن من تجاوز جميع موبقات الأسدية البائدة، بما في ذلك تجاوز الاستئثار واحتكار صكوك الوطنية والإقصاء واستمراء التسلّق والشهوة إلى السلطة والتسلّط بدلالات ما دون وطنية كالانتماء العرقي أو الطائفي أو الإثني ثانياً.

ولئن كان من الصحيح أن انعقاد هكذا مؤتمر يأتي – في جانب منه – استجابة لاستحقاق خارجي ربما يبدو ملحّاً، أعني استجابة لمجموع الدول والجهات الأممية التي تقرن تفاعلها الإيجابي ودعمها للقيادة السورية الجديدة، كمسألة الاعتراف بالشرعية و رفع العقوبات الاقتصادية تدريجياً، بخطوات فعلية ملموسة ربما يبدو أحد أشكالها، إشراكها لكافة أطياف الشعب بصناعة القرار والاطمئنان إلى الابتعاد عن نهج الاستبداد والاستفراد بالسلطة، وربما كان هذا الأمر أحد دوافع الاستعجال في عقد المؤتمر بهذه الصيغة، ولكن ما هو مؤكّد أيضاً أن القيمة الفعلية والرمزية لهكذا مؤتمر هي أكثر أهمية عند السوريين، بل كان من الممكن أن يكون حدثاً نوعياً بالفعل باعتباره الخطوة التأسيسية الأولى لبناء سوريا الجديدة، فما الذي كان سيحصل لو استغرق التحضير للمؤتمر مدة ستة أشهر مثلاً مقابل إنضاج مقوّمات انعقادة بدلاً من سلقها؟ وخاصةً أن هذا التأجيل المفترض لن يكون عائقاً لصدور (إعلان دستوري) يصدر عن مجلس تشريعي مُصغّر كما أشار إلى ذلك السيد رئيس الجمهورية، وكذلك لن يكون عائقاً أمام مشروع العدالة الانتقالية وبقية المسائل المطروحة. أليس من حق السوريين استثمار منجزهم الوطني في التأسيس لمستقبل دولتهم أكثر بكثير من التفكير بالاستجابة لأي استحقاق خارجي؟

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى