تــقـــهــــــقـــــــر ايـــــــــران فــــي مـــســـتـــعـــمــــراتـــــها الأربــــــع !

محمد خليفة

في الأيام الأخيرة وبوقت واحد مادت الارض تحت أقدام المشروع الايراني في المنطقة , وتكاثرت المؤشرات على ضعف أسسه التي استند لها في البلدان العربية التي استطاعت ايران التسلل اليها والتغلغل فيها بطرق مباغتة , وفي ظروف اتسمت بغفلة القوى الوطنية للمخطط الماكر, وانفتاح الشعوب العربية تلقائيا وبحسن نية على ايران كدولة اسلامية جارة قدمت نفسها بأنها ذات توجهات مساندة لنا في صراعنا مع العدو الصهيوني والامبريالية العالمية . أما بعد أن تنبهت هذه الشعوب والقوى الوطنية إلى أن للجار أغراضا دنيئة فإن المعاملة اختلفت , والمواقف تغيرت في كل مكان .

 وتمكننا ملاحظة جملة من التطورات الأخيرة تكشف هشاشة (المشروع) في الدول الاربع التي سيطر عليها كليا أو جزئيا الايرانيون ووكلاؤهم , وقابليته للانهيار من داخله , على عكس ما رسمه مخيالهم وصورته دعايتهم الفجة سابقا سيطرة محكمة على هذه الدول :

نبدأ باليمن الذي بدا في نهاية مارس الماضي أنه قد وقع بالكامل تحت سيطرة عسكرية تامة لتحالف الثلاثة : الحوثي وعفاش وايران , حتى ان رئيس الدولة ونائبه ووزراءه اضطروا للفرار الى الخارج . أما اليوم فالتحالف بين الحوثي وعفاش يتفكك وينذر بصراع مسلح, والقوات العسكرية لكليهما تتقهقر أمام المقاومة اليمينة الوطنية المدعومة من تحالف عاصفة الحزم العربي . هؤلاء فقدوا (عدن ) المدينة الرئيسية المطلة على البحر الاحمر , وفقدوا أي موقع على البحر الاحمر تستطيع السفن الايرانية تهريب السلاح عبره لهم , ثم فقدوا خمس مدن أخرى , وتؤكد مصادر من داخل الحوثيين ازدياد الانشقاقات والصراعات بينهم , ويتوقع أحد المنشقين هروب الحوثيين من تعز ثم صنعاء في القريب العاجل . وصار عبد الملك الحوثي يتهم علنا ايران بالتخلي عنهم !

أما في العراق الذي كان أكثر البلدان العربية التي حقق الايرانيون فيها اختراقا ونفوذا مذهبيا وأمنيا وسياسيا إلى حد أغراهم باعتباره جزءا من الامبراطورية الفارسية التاريخية, فإننا نرى حاليا انتفاضة هي الاقوى منذ سقوط نظام صدام والغزو الامريكي , ذات طابع وطني بلا بعد مذهبي وذات جذور طبقية عميقة انطلقت من( الجنوب) خزان الشيعة العرب الأكثر حرمانا, وامتدت الى بغداد وبقية المدن الشيعية كالنجف وكربلاء .

ورغم أنها انتفاضة ذات مطالب اجتماعية ومعيشية في الظاهر إلا أنها في العمق ذات أبعاد سياسية ووطنية ظاهرة , لأنها موجهة ضد الزمر الفاسدة التي حكمتهم ونهبتهم ومزقتهم وعرضتهم لاجتياحات بالجملة أمريكية وايرانية وداعشية لأن همها كان مركزا على النهب وخدمة ايران بلا وازع , وليس بالصدفة تصنيف العراق في عهدها بأنه الأكثر فسادا في العالم , ولم يعد أحد في العراق يجهل أنها زمر موالية لايران وحاملة مشروعها وبلا مشروع وطني , وجل غاياتها تخريب العراق وتسهيل المشروع المضاد . ولذلك فالانتفاضة احتجاج عنيف على استتباع ايران لهم كشيعة عربية أصيلة ولبلادهم واخضاعهم للمرجعية الايرانية , فالعلاقة بين العوامل الطبقية والوطنية والثقافية في الانتفاضة أقوى من تجاهلها , وتفاعلها معا هو ما اشعل انتفاضة تعيد الاعتبار بقوة للهوية الوطنية لشيعة العراق ورفضها لمشروع ايران وزمره الداخلية بما فيها رجال الدين الذين منحوا اللصوص تأييدهم وباركوا توجهاتهم وأفعالهم . باختصار العراقيون يستعيدون اصالتهم ووعيهم بقضاياهم ويثورون على حزب ايران الفاسد والعميل , لأن من لا وطنية له لا يتصور أن تكون له أخلاقيات اجتماعية ومهنية .

وفي سوريا , حيث يخطط الايرانيون ووكلاؤهم من آل الأسد لاقامة دويلة في الساحل وحمص , ويطمحون لتوسيعها لتضم دمشق أيضا , لما لها من رمزية تاريخية عربية واسلامية وسنية ومزايا اقتصادية وسياسية , بدأت تظهر أعراض متزايدة على تشقق وتفكك الطائفة العلوية حاملة المشروع وقاعدته , فالتظاهرات التي خرجت في اللاذقية مطالبة بمحاسبة المجرم سليمان الاسد تمثل علامة فارقة على بركان غضب مكتوم متعدد الاسباب والمشاعر وجاهز للانفجار الكامل .

 وإذا كانت هذه التظاهرات بإجماع المراقبين علوية بغالبية المشاركين فيها , وليست انتفاضة شعبية لصالح الثورة ولا احتجاجا على مجازر النظام للسوريين في طول البلاد وعرضها , بل هي تحديدا غضب عارم على فساد واجرام آل الاسد تنقل صورة سريرية عن انشقاق شاقولي عميق في بنية الطائفة , واسفين في جدار وحدتها التي حافظت عليها حتى الآن , وثمة مؤشرات أخرى تؤكد الأمرين معا , خصوصا بعد هزائم الطغمة المتسلطة وفشلها في حماية مدن وقرى علوية وشيعية في ريف حماة وحمص وادلب وحلب , واقتراب الثوار من الساحل وخوف السكان هناك من تعرضهم لمذابح انتقامية كبيرة .

 لا بد أن نرى ما حدث الاسبوع الماضي في اللاذقية في سياق الحالة العامة في البلاد لا معزولا عنها , وهو بهذا المنظور جهاز قياس للضغط في قلب الطائفة , يعكس ما يجول في نفوسها من غضب دفعها للنزول للشارع لتسمع صوتها وانذارها لأهل القرداحة , ويعني أن وقوف العلويين مع الطغمة ضد الثوار فلا يبيح ذلك لها أن تعتبرها محكومة بهذا الخيار .

هذا التطور أثبت عدم وحدة (الشعب العلوي) فكيف يمكن للايرانيين متابعة مشروعهم في سوريا اعتمادا عليهم.؟

ولا بد أنهم باتوا يستشعرون الغضب العارم على نفوذهم داخل مؤسسات الدولة واعدامهم لعشرات العلويين بتهمة عدم الكفاءة والخيانة وعدم الثقة .

هذا التطور سيرغم أولي الامر في دمشق وطهران على مراجعة حساباتهم , فهو اعلان علوي بسحب الثقة من آل الأسد وعليه فالسؤال الذي يفرض نفسه هو كيف يصر الايرانيون على بقاء الاسد في السلطة ويتحدون العالم والدول بشرعيته وشعبيته بينما يثور عليه العلويون ويطالبون بأعدام ابن عمه الذي كان يحتل منصبا أمنيا رفيعا في النظام .؟!

  إذا كان الايرانيون قادرين على مواجهة الاجماع الدولي على رحيل الاسد فلن يستطيعوا فرضه على الطائفة التي استغلها في محرقته وبنى نظامه على أكتاف رجالها ثم وضع مصيرها على كف عفريت !

وأخيرا في لبنان حيث لم يبق عاقل يمكنه الادعاء بأن حزب الله ما زال يحظى بتأييد حاضنته الشعبية والوطنية التي احتمى بها طوال تاريخه , بل ثمة مؤشرات كثيرة على تراجع تأييده في أوساط الشيعة, وأوساط الطوائف الأخرى , نتيجة خسائره البشرية الكبيرة في ساحات القتال الواسعة في سوريا , وخسائره السياسية والادبية على الصعيد العربي والعالمي , لا سيما وأنه لم يحقق أي انتصار يبيض وجهه منذ العام الماضي .

حزب الله كان قوة مقاومة وطنية وعربية واسلامية , وهو اليوم في نظر الجميع قوة عسكرية ايرانية تقاتل خارج ساحتها الأولى ولأهداف غير وطنية ولا مشروعة , وبأساليب غير أخلاقية , وهو بذلك لا يخسر رصيده السابق بل يخسر أيضا مشروعية دوره , ويعرضه لصراعات داخلية وشيعية ووطنية , وعزلة عربية ودولية , وسيؤدي ذلك لنتيجة لم يكن يريدها له احد , ولكنه اختارها بنفسه , وهي بمثابة انتحار حقيقي , لأنه فقد القدرة على مواجهة العدو الرئيسي , اسرائيل , في أي مواجهة قادمة , وربما يختار العدو فرصة سانحة للاجهاز عليه , فضلا عن أنه سيخسر كل شيء بسقوط الاسد الذي ربط مصيره به , وبقاء الاسد في الحكم امر مستحيل يجافي الواقع والمنطق . ومن البدهي القول أن حصيلة الخسائر السابقة لحزب الله تعني هزيمة نهائية للمشروع الايراني في لبنان تتوازى مع انهياراته في سوريا والعراق واليمن .

إيران ستخرج من الوطن العربي , ولن يبقى لها إلا الذكريات المريرة والسمعة السيئة من تجربتها الفاشلة للتسلل الى بيوت جيرانها وسرقتها !

—————————————————————————–

 

هذا المقال منشور في العدد 288 من (مجلة الشراع اللبنانية) الاسبوعية الصادر في بيروت بتاريخ 14 – 8 – 2015 .

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. قراءة استشراقية من المناضل العروبي الكاتب الراحل محمد خليفة، عن نهاية تقهقر نظام ملالي طهران بمستعمراتها الأربعة، وذلك لغياب الحاضنة الشعبية الحقيقية لمشروعها، نعم إنه نهاية الهلال الشيعي الذي سعت لتحقيقه لإمبراطوريتها الفارسية، الله يرحمه ويغفر له ويسكنه الفردوس الأعلى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى