
لم يمض أسبوع على تشكيل حكومة نواف سلام في لبنان حتى اندلعت أول الأزمات السياسية بين الدولة الجديدة والتي تحظى بغطاء عربي وإقليمي وبين “حزب الله”، وهي أزمة ثقة واكتشاف مدى التأثير بين القوى المختلفة وأوزانها الجديدة، وخاصة أن الحزب لم يعد نفسه بالقوة والتمويل فيما خصومه ينتظرونه عند مفترق طرق كبير.
وهذه المواجهة خاضها “حزب الله” بإغلاق طريق المطار، وتحشيد الشارع في مواجهة الجيش اللبناني، فيما القوى السياسية الداعمة للحكومة والعهد التزمت الترقب، أما القوى الإقليمية والتي أصدرت بيانات دعم للجيش والحكومة، من السعودية وقطر ومصر، بدت كأنها تقف في خلفية المشهد وتراقب الرسائل والنتائج التي انتهت إليها التحركات الشعبية للحزب، فيما واشنطن من جهة وطهران من جهة أخرى تقرأا المشهد كلاً على هواه وتطلعاته.
وبدا أن “حزب الله” أراد استعادة لحظة 17 أيار 1983 حين خاض المسيحيون معركة تغيير وجه لبنان، لكن الأهم اليوم أن الظروف والتوازنات الإقليمية والدولية اختلفت بشكل جذري، خاصة بعد إقفال طريق الإمداد مع سوريا، إضافة أن المرتكز الأساسي في تلك الحقبة وهو الاتحاد السوفييتي انهار، وروسيا اليوم تتهيب عهد ترمب وتتطلع لتفاهمات على أوكرانيا، والحد من خسارة سوريا والسعي للمحافظة قدر الإمكان على قاعدتيها البحرية في طرطوس والجوية في حميميم باللاذقية، من خلال تفاهمات بالحد الأدنى مع سوريا الجديدة بقيادة أحمد الشرع.
استهداف نائب قائد قوات الطوارئ الدولية في لبنان على طريق المطار أعطى أبعاد إضافية للرسائل السياسية بين طهران وواشنطن عبر بيروت، ورغم أن الحزب نفى مسؤوليته عن الحادثة، لكن الانطباع السائد توحي بأنه ما يزال قادراً على التحكم بشارعه..
والأكيد أن الأسباب الفعلية لمنع هبوط الطائرات الإيرانية في مطار بيروت، تكمن في المعنى السياسي ليستكمل واقع قطع التواصل البري الذي كان قائماً بين طهران وبيروت، والذي كرس في المراحل السابقة قناة الدعم المالي والعسكري للمحور، ما يؤسس لقطع كل التمويلات المالية لجناح “حزب الله” العسكري، ودفعه للتفكير كحزب سياسي لبناني فقط.
لذا فإن استهداف نائب قائد قوات الطوارئ الدولية في لبنان على طريق المطار أعطى أبعاد إضافية للرسائل السياسية بين طهران وواشنطن عبر بيروت، ورغم أن الحزب نفى مسؤوليته عن الحادثة، لكن الانطباع السائد توحي بأنه ما يزال قادراً على التحكم بشارعه عبر إرساله مجموعاته الجماهيرية من دون سلاح إلى القرى الجنوبية في ظل الاحتلال الإسرائيلي وسقوط قتلى، تخالف السردية التي تبناها بأنه عاجز عن التحكم بحركة شارعه.
بالتوازي كانت حكومة نواف سلام أمام اختبار حاسم، فلو لزمت الصمت خصوصاً بعد استهداف “يونيفيل” لكانت أعلنت انهيارها قبيل نيلها الثقة، ولكان “حزب الله” قد نجح في إسقاطها بالشارع، بعد تفاهمات قطعها لرئيس الجمهورية جوزيف عون، عبر الالتزام الذي حمله عون في خطاب القَسم لناحية احتكار الدولة اللبنانية للسلاح، وخطة الحكومة لمعالجة ملف السلاح في المدن.
وعليه فإن انتفاضة طريق المطار كانت بالون اختبار للتعاطي لاحقاً مع الملفات الحسّاسة، إضافة إلى رسالة إيرانية بأن التطورات والتحوّلات اللبنانية والإقليمية لن تغير شيئاً على مستوى المعادلة اللبنانية الداخلية.
وما بات جلياً أمام “حزب الله” أن كل شيء قد تغيّر، ففي السابق وعلى مدى سنوات طويلة، اعتادت الأطراف في لبنان والمنطقة على أن تبقى السلطة السياسية مشلولة وعاجزة عن فرض نفسها، أمّا اليوم فأعطت الأوامر للجيش للتدخل بحزم والذي أطلق القنابل المسيلة للدموع، ويبدو أن الحزب وجد نفسه وحيداً في الساحة وواجه حد تملص حركة أمل، وهو ما جعله يحجم عن أي قرار سلبي على مستوى مشاركته في الحكومة.
والجيش اللبناني يعمل على إنجاز ترتيبات ميدانية في الجنوب يمكن وصفها بالمرنة لمصلحة لبنان هناك، وهو تولى مواجهة الشكاوى الإسرائيلية عبر لجنة المراقبة الدولية وأيضاً عبر الأميركيين والفرنسيين، وكذلك سيتولى هذا الجيش مهمة تأمين الترتيبات الأمنية بأنواعها في تشييع حسن نصرالله وهاشم صفي الدين.
وحكماً فإن هذا الدفن سيدفن معه مشروع عمره عقدان ونيف، فوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وصل إلى إسرائيل مدشناً جولته الأولى إلى المنطقة بالتزامن مع وصول شحنة القنابل الثقيلة الى إسرائيل بأمر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب والتي بلغت 1800 قنبلة، وهذه الجولة تُعتبر استكمالاً لزيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للولايات المتحدة.
إحدى عواصم المنطقة ستضم اجتماعات للتفاوض بين واشنطن وطهران وسيكون الملف الأبرز هو الملف النووي، وبالتالي إما التفاهم الدبلوماسي أو الذهاب إلى الصدام، وهنا يأتي تفسير شحنة القنابل الأميركية الضخمة لإسرائيل..
والأهم ما يتردّد عن محطة ثانية لروبيو والوفد المرافق له في السعودية، حيث ستنظم الرياض اجتماعات مع مسؤولين من روسيا.
وسيكون الهدف الأهم مناقشة كل السبل الموضوعة لإنهاء حرب أوكرانيا، والوفد سيضم مستشار الأمن القومي مايك والتز وهذا مفهوم، لكن وجود المبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف يدفع لطرح أسئلة عديدة، ففي أوكرانيا يعمل الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي لكسب ود ترمب من خلال استمالته عبر إغرائه بالموارد الطبيعية والمعادن النادرة الموجودة في أوكرانيا، لأنّه أدرك أن التسوية اقتربت، في ظل شعوره أن كفة التسوية تميل لمصلحة موسكو.
والأهم أن إحدى عواصم المنطقة ستضم اجتماعات للتفاوض بين واشنطن وطهران وسيكون الملف الأبرز هو الملف النووي، وبالتالي إما التفاهم الدبلوماسي أو الذهاب إلى الصدام، وهنا يأتي تفسير شحنة القنابل الأميركية الضخمة لإسرائيل، خاصة أن الإدارة الجهمورية باتت تؤمن أن إيران خسرت معظم نفوذها الإقليمي ولا داعي للمقايضة على حضور لم يعد موجود.
لذلك، لا بد من النظر بواقعية إلى التحولات الكبرى التي طالت الشرق الأوسط، وبناء الحسابات السياسية وفقها، في ظل تبدل خطوط النفوذ التقليدية من إيرانية-إسرائيلية، ليحل مكانها خريطة نفوذ عربية-تركية، يبدأ من أنقرة ويمر من دمشق وصولاً إلى الخليج العربي، ما يعني أن الخريطة السياسية انقلبت رأساً على عقب.
المصدر: تلفزيون سوريا