الصناعة في سورية ومستقبلها؟!

سمير خراط

تمر سورية اليوم بجميع قطاعاتها الانتاجية، الخدمية، التربوية والفكرية، بحالة أبعد من أن نقول حالة ركود، بل هي بحالة افلاس كامل مما يستدعي اعادة النظر بكل ما يمكن أن يساعد على بناء سورية بشكلها الصحيح لتعود الى مكانتها كدولة ذات سيادة فكرية، اقتصادية وصناعية   لما تعنيه كلمة اعادة بناء بالشكل الصحيح، ولكي نكون واقعيين، يتطلب الأمر دراسة عما كان يحدث لتفادي الأخطاء والانطلاق بروح ودم جديدين بهذا الجسم السوري.
ما يعنينا بالشكل الرئيس الان  هو القطاع الصناعي  ، هذا لا يعني أن باقي القطاعات أقل أهمية ولكن سنخصص الحديث اليوم حول الصناعة في سوريا ،  نعلم أن سورية قد عاشت مرحلة انغلاق كامل لفترات طويلة وبعيدة جدا عن العربة الاقتصادية الدولية  ، ومن يقول عربة اقتصادية مجبراً  التحدث عن باقي القطاعات ابتداءً من القطع التربوي منتهياً بالقطاع الصناعي ، لأن الأمور تتشابك وتتداخل حينما يكون هناك رؤية وتخطيط سليم للدولة ، وكلنا يعلم كم عانت سورية في تلك الفترة من غياب كامل للمحفزات الصناعية إن كان من الجهة القانونية ،  أو حتى التربوية لينتج  الابداع  ، التطوير  ، التحديث   ، مما جعلها بعيدة كل البعد عن كل المفاهيم التي تجعلها دولة لها مكانتها بالاقتصاد العالمي  ، حتى بقيت دولة استهلاكية بامتياز  اللهم ثروتها الوطنية والتي كانت تهيمن عليها أيادي  متنفذة بكل القرارات التي كان من الممكن  أن تساعد على الاستفادة منها كثروة ومواد خام قابلة للتطوير الاقتصادي بإدخال مفاهيم  القيمة المضافة  ، الصناعة التحويلية   ،التوجيه بالتطوير  مما يجعلنا نبحث جدياً ماذا يجب أن نعمل اليوم ، وبتسلسل بسيط سنفند العالم الصناعي الى الخطوات التالية :

كيفية بناء المناخ الاقتصادي:
بعد أن تضع الدولة دخلها القومي بكل زواياه على طاولة النقاش والحوار مع المختصين، يتبين لها الامكانات الايجابية، والسلبيات التي يتوجب تقويمها أو إزالتها كعقبة أمام التطور المنشود، ومن ضمن تلك النقاط:
1- القوانين السارية ومدى صلاحيتها مع الاهداف وغربلة  المشخصنة منها التي كانت تخدم أشخاص على حساب مصلحة الوطن .
2- تقييم القطاعات المنتجة والسعي لرفدها بكوادر قادرة على النهوض بها.
3- تطوير او تصحيح البنية التحتية ( طرقات ، شبكة نقل  ،مياه  ، كهرباء  ، مناطق صناعية تتكامل فيما بينها لمراحل التصنيع ) .
4- انشاء اتفاقيات ثنائية مع الدول الرائدة بالصناعات التي تتناسب مع الثروات الوطنية للتطوير كشريك وليس كوصي أو عراب علينا.
5- خلق مناخات قانونية تساعد على استقطاب الاستثمارات الخارجية ( شفافية المحاسبة  ، قوانين ومعايير دولية تتناسب مع دول الجوار للمحاسبة والمنظومة الدولية   ،اتفاقيات ثنائية  ، الخ… )
6- خلق مناخ مصرفي قائم بحد ذاته يدعم العربة الاقتصادية  ، يساعد على ردف الصناعي بما يلزمه من علاقات مصرفية خارجية ضمن نشاطاته الصناعية .
7- اعفاءات ضريبية تستقطب المستثمر الخارجي  من جهة  وتساعد المستثمر والصناعي المحلي على الاستثمار من جهة أخرى .
8- نأتي هنا الى أهم نقطة وهي سياسة النقد المحلي  والقيمة  الفعلية لليرة السورية لوضع سعر واحد لا غير له مقابل العملات الأخرى ،  حتى يستطيع المستثمر معرفة الطريقة الصحيحة بتسجيلاته المحاسبية  ،واحاطة الليرة بقوانين اقتصادية مالية تجعلها عملة قابلة للتداول الخارجي وادخالها عالم النقد مما يعني فتح السوق للاقتصاد الحر وهذا يعني،  شركات اجنبية ،   بورصة اسهم ، بورصة عملات ، تعامل حر  ، رقابة  على العمليات المصرفية  ،رقابة وشفافية على البورصة  ، مما يخلق موثوقية ليس فقط مع الشركات الخارجية بل مع الدول أيضا .
9- ادخال مفاهيم الائتمان والتأمين على جميع الميادين.

عالم الصناعة السورية :
كل من عمل بالميدان الصناعي بسوريا  ثبت له وبشكل صريح  أن عالم الصناعة السورية  يعاني من عدة عقبات يمكننا أن نبين الأهم فيها :
1- ضعف القدرة التكنولوجية السورية .
2-عدم استكمال نظم التطوير الداخلي، حيث أضحت الميزة التنافسية للصناعة في الوقت تعتمد بالدرجة الأول على قدرتها على الابتكار والإبداع على نحو متواصل
3- أغلب الصناعات السورية  اعتمدت في الابتكار على حقوق المعرفة المقدمة من الشركات العالمية ومشروعات تسليم مفتاح باليد
4-  لم تهتم أغلب الصناعات السورية  بمراكز البحث والتطوير ومراكز التصميمات، الشيء الذي أدى إلى عجزها عن مواكبة التطور التكنولوجي السريع وفقدها أحد المقومات الأساسية لبناء القدرة التنافسية الديناميكية
5- ضعف مناخ الاستثمار وهذا يعود بشكل أساسي إلى ضعف الجاذبية  للاستثمار بصفة عامة والاستثمار الصناعي بصفة خاصة الأمر الذي حال دون توسيع قاعدة الصناعة إلا ما رحم ربي ولأشخاص مقربة جداً من دائرة النظام
6- التخبط القانوني بشكل مستمر بين شخصنة القوانين والرؤية الوطنية (اي المصلحة العامة).
7- ضعف العلاقات التشابكية الصناعية، حيث تعاني أغلب الصناعات من انخفاض درجة التشابك الصناعي (وعلى الأخص التشابكات الخلفية) ما يؤدي إلى توجه النشاط الصناعي المحلي نحو التزود من الخارج مما يترتب عليه حرمان الانتاج الصناعي من فرص للنمو الصناعي والتشغيل، ويؤدي إلى استنزاف الثروات الطبيعية دون مردود مرتفع على القيمة المضافة والنمو الصناعي المستدام.
8- ضعف الالتزام بمعايير ونظم الجودة والمواصفات القياسية والبيئية للسلع والمنتجات الصناعية، الأمر الذي يترتب عليه انخفاض قدرة الصناعة على النفاذ إلى أسواق الدول المتقدمة، وكذلك تراجع قدرة الصناعة على الصمود أمام منافسة المنتجات الأجنبية.

احتياجات الصناعة السورية
وفق ما تم تبينه من أسس وتخطيط للقيام بعالم صناعي لأنه لا يوجد نجاح دون مهارة بالتخطيط الصحيح ورؤية مستقبلية تتماشى مع الامكانات والمهارات المتوجب تطويرها بشكل مستمر لتصل إلى الهدف المنشود بالإنتاج الصناعي أو حتى الأهداف الأخرى، لذلك يتعين علينا الآن تحديد احتياجات هذا القطاع للوقوف من جديد كقطاع فعال ببناء سورية الغد وهذا يتطلب منا النقاط الاساسية التالية:

٭ إعداد الدراسات والبحوث المتعلقة باستراتيجية التنمية الصناعية وتنمية الثروة الوطنية  والمواصفات والمقاييس، إضافة الى الدراسات الفنية والاقتصادية بأنواعها المختلفة.
٭ تقديم الاستشارات والمعونات الفنية للمشاريع
٭ إعداد ملفات المشاريع ودراسات ما قبل الاستثمار، والترويج لإقامة المشاريع الصناعية وخلق مفاهيم تشاركية وليس رخص تصنيع
٭ تنمية الموارد البشرية من خلال تنظيم المؤتمرات والندوات والمعارض وإقامة الدورات التدريبية المحلية والدولية لأننا نعلم جيداً أن بناء الإنسان بالشكل الصح هو بناء وطن صحيح بشتى ميادينه .
٭ وضع المواصفات القياسية ، وذلك لتنمية التجارة  البينية للسلع والمنتجات حيث الانتاج يحتاج إلى مفاهيم تجارية لتصريفه وبشكل خاص بعالم يتواجد به حرب طاحنة بالمنافسة
٭ بناء قواعد المعلومات الصناعية بشكل أكاديمي معتمداً على بيانات إحصائية صحيحة يتم وضعها تحت تصرف الصناعي عبر شبكة الكترونية يمكن الوصول لها بشكل سريع ومستمر ويتم تطوير بشكل دائم.
٭استقطاب بيوت ومنظمات الخبرة في مجالات اختصاصها لصالح الهيئات والمؤسسات الصناعية والتمويلية في القطاعين العام والخاص.
*تفعيل ودعم القطاع المصرفي إن كان القطاع العام أو القطاع الخاص ( المصارف الخاصة ) بوضع أسس مصرفية مبنية على مفاهيم العلاقات الدولية مستندة لقوانين اقتصادية مرتكزة على كوادر قادرة على الدخول للسوق المصرفية العالمية لتبني اساليب وطرق متطورة بدعم العالم الصناعي إن كان بإسلوب التمويل أو المشاركة الحقيقية وليتم تسهيل دخول الصناعي السوري العالم الصناعي الدولي عبر اتفاقات مصرفية تمويلية على أن يكون المصرف عبارة عن علبة بريد يستلم ويسلم بها اعتماداته الدولية والوثائق المطلوبة من وقت إلى آخر
هذا بالشكل العام  ، أما بالشكل الخاص والأكثر دقة ، اعادة دراسة كاملة لكل قطاع صناعي على حدى كي تتمكن الدولة من تلبية احتياجاته وازالة العقبات التي تقف بعودته للنشاط من جديد ، إما بخلق لجان خاصة  أو تنشيط دور غرف التجارة والصناعة والجمعيات الحرفية بهذا الميدان عبر محفزات مادية تعمل وفق الهدف والنتيجة ، مما يساعد على الاسراع والعمل بالشكل الصح عبر منظومة رقابية لإعادة التعمير.
بناءً عليه يمكننا البحث عن الشريك للقيام بسورية عبر قنوات كانت متواجدة سابقا بسورية ولها مصالح مشتركة بسورية عبر منظومتها الاقتصادية ومصالحها التجارية الصناعية لخلق شراكة تقوم على اساس الشريك وليس كبائع ومشتري ، ولا حتى كعراب ، وتهيئة البنية الاقتصادية الصناعية ووضعها بأسلوب حواري مشترك لبلورة اتفاقيات ثنائية تسعى للتطوير المشترك  لانشاء جسم اقتصادي صناعي متكامل يخدم مصلحة الطرفين  ، وهذا لا يمكن أن يحدث دون أن يكون هناك قيادة في المرافق الاقتصادية والصناعية قادرة على المثابرة وفق المعايير والمفاهيم الدولية مما يستدعي وعي بهذه الميادين ومعرفة الهدف الوطني لسورية القادمة بعد زوال آل الأسد.

اترك تعليقاً
2+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى