محمد عمارة الراحل المقيم

د. مخلص الصيادي

الجمعة 28 فبراير فقد المشروع الحضاري العربي، والفكر الثوري العربي علمًا من أعلامه، ورجلا قل نظيره، نافح على مدى عمره الطويل عن هذه الأمة وعن حقها في الوحدة والتطور والتقدم والحرية والحكم الديموقراطي، وكان الاستقلال الحضاري حاضرا في كل عمل قام به، بحثا كان أم مشاركة في ندوة أم لقاء عبر وسائل الاعلام المختلفة.

منذ أن تعرفت عليه حين طالعت كتابه فجر اليقظة القومية، والعرب والعروبة في العصر الحديث، قبل نحو نصف قرن، وأنا مشدود إلى فكر هذا الرجل، وزاد تقديري لهذا العلٌامة، وأدركت أني أمام أنموذج مختلف من المفكرين، لمًا أتيح لي أن ألقاه، وأن أقترب  منه سواء حين تولت دار الوحدة للطباعة والنشر طبع أبحاثه الجديدة، وإعادة طبع العديد من مؤلفاته السابقة مطلع الثمانينات من القرن الماضي، أو حين كان حاضرا رئيسيا في ندوات ناصر الفكرية التي كانت تعقد في بيروت، ثم ما أعقب ذلك من لقاءات في ندوات متعاقبة.

كثير من المفكرين العرب، من مصر ومن غيرها من الأقطار العربية تناولوا في أبحاثهم، وقدموا في الندوات التي شاركوا فيها رؤاهم للمشروع الحضاري العربي، ولموضوعة الاستقلال الحضاري، والعديد منهم كان متميزا فيما قدم، لكنَ مفكرنا الراحل اختلف عن نظرائه بالقدرة على استخراج كنوز التراث والتاريخ العربي والإسلامي ليجعله منارات يهتدى بها في رؤية الحاضر، وفي رسم مسارات المستقبل.

الوسطية الإسلامية عنده ـ وكان من أبرز دعاتها ـ لم تكن موقفا بين موقفين، كما صارت عند كثيرين ـ حتى بتنا نحذر من هذا المصطلح ـ وإنما هي الموقف الحق، الصحيح، والبناء، والمعبر عما يعتقده أنه صحيح الإسلام عقيدة وشريعة، لذلك تتضمن وسطية الدكتور محمد عمارة فيما تتضمن: الجهاد والسلام، والدعوة والقوة، والرأفة والحزم، والقطيعة مع الآخر والتواصل معه، وفي كل ما سبق الميزان لديه كان تجسيد جوهر الإسلام ومبادؤه، وحفظ مصلحة الأمة وسلامتها، وتحقيق العدل والتقدم والخير للانسانية جميعا.

في ذاكرتي أن “كتابه المعتزلة ومشكلة الحرية الانسانية “كان رسالة الدكتوراة التي حصل عليها من الأزهر في العام 1975″، وأظن أنها كانت المدخل للتعاطيه العلمي المكثف مع التراث العربي الاسلامي، وقد اتحفنا بتحقيق العديد من كتب التراث، كما اتحفنا بتحقق الأعمال الكاملة لشيوخ عصر النهضة: رفاعة رافع الطهطاوي، جمال الدين الافغاني، الشيخ محمد عبده، عبد الرحمن الكواكبي،  قاسم أمين،  علي مبارك، وقدم لتلك الأعمال بدراسة نقدية لها زادتها قيمة، ونبهت إلى جوانب الثراء والغنى، الذي يمكن لهذا التراث أن يقدمه لنهضتنا المبتغاة.

كذلك تناول ـ فيما كتب وبحث ـ أفكار مفكرين وعلماء محدثين، تناول عطاءهم وسيرتهم الشخصية  بقدر كبير من الموضوعية،  وبقدر كبير من إدراك البيئة والمرحلة التاريخية التي تأثر بها هؤلاء، وأضاء على دوافع تركيز هذا المفكر أو ذاك على جانب من جوانب الفكر أكثر من غيره، مما قد يغري في الحكم عليه بالخلل أو الانحراف، لكن الدكتور عماره كان يلتقط جوانب الخير والتقدم في هذا الفكر دون أن يغفل نقد جوانب القصور أو الخلل فيه،  ومقياسه الدائم وميزانه المستقر هو حاجة الأمة للنهضة، وضرورة الاستقلال الحضاري،  لتحقيق هذه النهضة، ومركزية الغرب الاستعماري، ومفكريه في إعاقة هذا النهوض، أو في محاولات حرفه او تشويهه.

ولهذا كان رحمه الله صاحب جهد فكري مميز في تسليط الضوء على العلمانية في الغرب، وفي وطننا منذ الحملة الفرنسية وحتى هذه المرحلة، وعلى حركات التبشير والتنصير المرتبطة تاريخيا بالحركة الاستعمارية وبجيوش الاحتلال، وعلى الصهيونية والكيان الصهيوني، ولعله بسبب الهاجس العام الذي كان يوجه عمله العلمي والبحثي، برزت فلسطين جنبا إلى جنب مع قضية مستقبل الأمة، بل إنه ربط ربطا محكما بين التصدي للصهيونية وبين إمكانية بناء مستقبل لهذه الأمة، ولم تكن فلسطين عنده تعني القدس فقط، وإنما كل فلسطين، وبلاد الشام، بل إنها كانت تعني كل أمة العرب، وكل العالم الاسلامي، وامتدت نظرته وتحليله إلى تأكيد أن القدس وفلسطين تعني الإنسانية كلها.

امتازت كتبه وقد بلغت أكثر من 147 كتابا بين تأليف وتحقيق، والكثير من الأبحاث، بأنها ذات أسلوب رشيق، تضج بالحياة، كان حين يتناول الفكرة في مؤلف يحققه، أو في كتاب ينقده، وأياً ما  كان عمقها، وتعقد تكوينها وعرضها عند صاحبها، فإنه يطوعها لك لتصبح سهلة الفهم، يسيرة التناول، دون أن يخل ببعضها أو بمقاصد صاحبها.

وأنت  حين تبدأ في قراءة أيٍ من كتبه،  تشعر أنك أمام كاتب وباحث يملك القدرة في الصياغة والمفردة والترابط على أن يشدك إليه فلا ترغب في مغادرة الكتاب حتى تنهيه، ثم إنك تشعر بعد ذلك، أن ما صرفت من وقت في ذلك، كان مثمرا، وأنك بت تبحث عن المؤلفات الأخرى لهذا العالم.

وحين تتابعه في عرضه لأفكاره، في محاضرة، أو لقاء تلفزيوني، أو مشاركة في أي محفل أو منتدى، فإنه يستحوذ عليك بالأسلوب نفسه: حيوية لا يصيبها فتور، ووضوح في عرض الأفكار وتبسيطها لا يخالطه خلل، واستدعاء متدفق للتاريخ والشواهد من وقائع وأفكار ومفكرين، يسعفه في ذلك ثروة لغوية لم يتوقف عن الاستزادة منها، وذاكرة وقادة أظن أنها لم تخنه يوما، ثم فوق ذلك كله حضور طاغ يجعلك لا تشعر بمرور الوقت، ولا بالحاجة إلى مغادرة مقعدك مهما امتد الوقت.

هذه الطبيعة العلمية والبحثية والشخصية للدكتور محمد عمارة جعلته ذا أثر بعيد في الحراك الثقافي والفكري العربي والإسلامي، ولعلي لا أبالغ إن قلت إن في فكر كل منا، من جيلي  ومن لحق به، أثر من آثار هذا المفكر، ولبنة من لبناته، وهو في هذا يكاد أن يكون متفردا.

حين نتابع ما يذكر عن مسيرة حياة هذا العلَامة سيصادفك حديث عن تحولات فكرية مر بها في حياته، من الماركسية إلى القومية إلى الإسلامية، ولا أظن مثل هذا التقسيم عادلا في التعرف إلى فكر محمد عمارة وإلى منهجيته، وأنا أرى أنه رجل التزم منذ وقت مبكر، منذ شبابه الأول قضايا الأمة، واحتياجاتها، وهمومها، ومعاركها، ثم إنه رأى أن الطريق لخدمة هذه الأمة بالنسبة له هو طريق الفكر المندمج باحتياجات العصر ومعاركه، فاختاره سبيلا له، ولم يحيد عنه، وسخر علمه ومعرفته وحركته للدفع بهذه الأمة إلى الأمام، لم يحجر على نفسه في فكر محدد أو مدرسة معينة، ولم يصده شيء عن ارتياد أي فكر يرى فيها خيرا أو بعض خير لهذه الأمة، لقد استفاد من الماركسية في تشديده على القضية الاجتماعية وقضية العدل والبنية الطبقية للمجتمع، ووصل هذا كله بتراث الأمة وفكرها، واعتمد  العقل والمنهج العلمي في إدراك المسار الفكري والتاريخي لهذه الأمة، وكان دقيقا في حدود العقل والنقل فيما يتصل بقضايا العقيدة والشريعة والأمة، ورأى كيف أن الممكن الوحيد لأي مستقبل نرجوه على أي مستوى كان لا بد أن يبدأ من وحدة هذه الأمة العربية، لتشد إليها الأمة الإسلامية كلها حتى يمكن أن نقدم قيم العدل والتحرر والتقدم للبشرية دون استثناء.

وكما كان واعيا لدور المعركة من أجل فلسطين في تحرير الأمة، كان واعيا ومدركا لدرس التاريخ الواضح بأن مصر هي رأس الحربة في هذه المعركة كلها، وبأن هذا قدر لا فكاك منه، ومسؤولية لا بد من حملها،  وحكم أصدره التاريخ، وفقهته القوى الدولية منذ وقت مبكر.

وكان كذلك واعيا ومدركا أن السبيل الذي بات على الأمة أن تتبعه للوصول إلى أهدافها هو طريق الديموقراطية، طريق إعادة الأمر إلى الشعب، وإعادة القرار إليه، حتى يستطيع أن يقرر ما يريد، وأن يتحمل أعباء ومسؤولية وتكاليف ما هو مقدم عليه، ولأجل ذلك كان من أوضح المناصرين لثورة 25 يناير 2011 الشعبية في مصر.

حين نعاه الأزهر الشريف ـ وقد كان علما من أعلامه وعضوا بهيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث العلمية ـ أكد “أن رحيل الدكتور محمد عمارة ترك فراغا  يصعب ملؤه في صفوف كبار العلماء الذين يحملون على عاتقهم أمانة العلم وصدق الكلمة “.

والأزهر فيما قال أصاب كبد الحقيقة، رحم الله الدكتور العلامة محمد عمارة، وأثابه عن أمته كل خير، وكتب له الجنة، وفردوسها الأعلى، وجمعنا معه في عليين، إنه على كل شيء قدير.

اترك تعليقاً
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى