في حاجة الوطنية السورية إلى الفكر

حازم نهار    

استنكار الفكر .

يضيق كثير من الناس ذرعًا بالحديث النظري، خصوصًا عندما يكون الواقع قاسيًا، وضاغطًا بشدة على أعصابنا، ويطالبنا بحلول إسعافية لمشكلات عاجلة لها علاقة بحياة الناس وأكلهم وشربهم ومسكنهم، وهذا أمرٌ مفهوم ومفسَّر. ويزيد بعضهم في الأمر ويقول لا فائدة من الكلام النظري إن كنا لا نستطيع تأمين بعض الخبز للناس في الخيام، وهذا أيضًا يمكن فهمه وتفسيره.

لكن ما لا يمكن فهمه وتفسيره سيطرة هذا الضيق على مستوى النخب الثقافية والسياسية، لأن معناه الضمني والصريح الاستقالة من عملها من جهة، وإنكارها لبديهية أساسية تتجلى بالترابط الوثيق بين النظر والعمل أو بين الرؤية والواقع من جهة ثانية.

نعم، الغريب فعلًا هو أن يشعر كثيرون من العاملين في الحقل السياسي بتوقٍ إلى الحديث في الخطوات العملية واقتراح الأسماء التي تمكنها المشاركة، فيما ينتابهم الضيق من الحديث في النظريات والمبادئ والمفهومات، معتقدين أنهم يُفلحون أو سيفلحون في العمل السياسي من دون الفكر والسياسة.

تتعامل أكثريتنا مع “الوطنية السورية” على أساس أنها بديهية ومعروفة سلفًا، ولا حاجة إلى التفكير فيها، مع أنها أكثر ما يحتاج منا إلى صناعة وبناء على أساس فكري سياسي؛ ففي غياب الرؤية الفكرية السياسية، يتحول المشروع الوطني السوري إلى مشروع “لمة”، وتنخفض قيمته من مشروع جامع إلى مشروع تجميعي، يعبِّر عن نفسه بجمع ممثلين عن الإثنيات والقوميات والأديان والطوائف.

كلنا نقول إننا نحمل راية الوطنية السورية والمشروع الوطني السوري، لكن عندما نذهب إلى السياسة والممارسة السياسية لا نجد أثرًا لهما في الواقع، بل نجد تصريحات وخطابات تتناقض مع بديهيات أي مشروع وطني، ونجد مواقف سياسية تتبع سياسات دولية وإقليمية، وممارسات سياسية ما دون وطنية، إثنية وطائفية وعشائرية ومناطقية. ما يعني أننا غير صادقين في انتمائنا إلى الوطنية السورية أو أننا نفتقد إلى فهم المشروع الوطني ذاته.

عندما لا نبني، تدريجًا، عبر حوار عميق وتفصيلي، رؤى عقلانية متماسكة إلى الوطنية السورية، وإلى القضية الكردية، وإلى العلاقة بين الدين والدولة، وإلى الريف والمدينة، وإلى العلاقات الإقليمية والدولية، وإلى القيادة وفهم أدوارها وآليات عملها، وإلى الخطاب السياسي، وإلى العلاقة بين الثورة والسياسة، وإلى الإعلام وأهدافنا منه، وإلى النظام السياسي السوري ونقاط ضعفه وقوته… إلخ، من الطبيعي أن نصل إلى الحال هذه من الانقسام والفوضى والفشل.

اختزال السياسة وغياب الاستراتيجية

كثيرون ممن عملوا في الحقل السياسي لا يقرؤون، يعتمدون على ما يسمعونه، وينقلون مضامين لقاءاتهم بالسفير أو الدبلوماسي الفلاني على أنها حقائق، هذا إن كان النقل سليمًا أو صادقًا، وفي أحسن الأحول يتابعون النشرات الإخبارية. مواقفهم السياسية حافلة بالتناقضات والتنقلات السريعة، من اليمين إلى اليسار أو العكس، يجمعون في رؤوسهم ما لا يُجمع، الوطنية السورية والطائفية، الاستقلالية والتبعية، العداء المطلق لهذه الدولة والانبطاح في حضن غيرها… إلخ. في أبسط الأمور، لا توجد رؤية أو فهم للزعامة والقيادة ودورها، ولا إدراك لأهمية التزام القانون والنظام، ولهذا يمكن لأي فرد في التشكيلات السياسية السائدة أن يتحدث إعلاميًا بصورة مختلفة عن الآخر إلى درجة التناقض، كما لا توجد ضوابط تحكم سلوك الأفراد سياسيًا، ولا محدِّدات للقاءات مع السفراء والوزراء… إلخ.

يُختزل العمل السياسي أيضًا بالتكتيكات الفارغة، والتذاكي المفضوح، والفهلوية قصيرة النفس، والتصريحات الإعلامية القتالية، واللقاءات الدبلوماسية الفاقدة للمعنى…إلخ. عندما يكون هدف المرء من السياسة حيازة موقع شخصي فحسب، لا يحتاج وقتها العمل السياسي إلا إلى بعض الصفات المتعلقة بطرق الوصول وإزاحة المنافسين ونصب الشِّراك والفخاخ، وإلى قنوات إعلامية تُقدِّمه. بينما عندما يكون هدف السياسة بناء الدول والمجتمعات وإدارة الأزمات العامة وإحراز التقدم، سنكون في حاجة إلى بذل الجهد كثيرًا لاكتساب المعرفة. السياسة أعقد علوم البشر، وتحتاج إلى الفكر والمعرفة بالتاريخ والجغرافيا وسياسات الدول ومسارات تحول المجتمعات والثقافات البشرية، وغيرها، خصوصًا في المجتمعات المتأخرة التي لا يوجد لديها تاريخ سياسي.

تؤدي الرؤية السياسية الخاطئة مثلًا؛ التحليل السياسي الأيديولوجي، التحليل الرغبوي، التحليل الشعبوي، التحليل الرومانسي، التحليل الذي يفتقد إلى المعطيات… إلخ، إلى رؤية زائفة للواقع الذي نريد الفعل أو التأثير فيه، ومن ثم تقترح هذه علينا، بالضرورة، ممارسات وآليات عمل لا تتوافق مع الواقع. كذلك، ستترتب على تحييد الرؤية النظرية والتحليلية للواقع نتائج خطرة، معظمها اليوم أصبح من معطيات الواقع السوري؛ فأخطاء الممارسة السياسية تعود في جزء غير هيِّن منها إلى الخلل في الرؤية أساسًا، ويمكننا أيضًا اكتشاف أن تكرار الأخطاء العملية ذاتها، يعود أولًا، ببساطة، إلى تحليلنا الخاطئ للواقع، فالخطأ في التشخيص أو الرؤية لا بدّ أن يستتبعه أخطاء في العمل والممارسة.

من نتائج غياب الرؤية النظرية والتحليلية والاستراتيجية أيضًا الانهماك والغرق في التكتيكات والتفاصيل والهوامش والجزئيات، وتضارب سلوكات السياسيين وتعارضها، وإنهاء بعضها بعضًا، ما يمنع تراكم الجهد والخبرات، ويفقدنا القدرة على التقدم خطوة نحو الأمام.

 

الاستنساخ المتكرِّر للتجربة

طوال السنوات الماضية، كان المطلوب أو الهاجس دائمًا، محليًا أو إقليميًا أو دوليًا، إنجاز عمل سريع تحت ذريعة أن النظام سيسقط سريعًا أو بناءً على طلبٍ أو وعدٍ من دول معينة، أو استنادًا إلى تقديرات سياسية ذاتية، كانت كلها في الحصيلة خاطئة.

أُنجز المجلس الوطني بين ليلة وضحاها، والائتلاف الوطني في أربع وعشرين ساعة، وكلاهما انتهى إلى الاضمحلال والتفسخ، وشُكِّلت حكومة انتقالية لا تحمل أي فرصة للحياة، وبُنيت الهيئة العليا للمفاوضات عن طريق دعوات اعتباطية، واحتوت في داخلها كل عناصر الانفجار والتمزق. نحن مغرمون بتشكيل الفصائل والجماعات والتنظيمات بسرعة إلى درجة ابتذال الأسماء كلها.

ما الفائدة التي حصلنا عليها من اجتماعات الائتلاف والمجالس وهيئة التفاوض وأستانا وسوتشي، وغيرها؟ في الحقيقة، لم تقدم سوى مزيد من الفوضى والإمعان في تفسخ قوانا. هذا الأداء السائد ليس عملًا سياسيًا بالتأكيد، ولن يتمخض عن شيء ذي وزن بالطبع، إنه نوع من الغرق في مستنقع لا ينتج إلا المزيد من الخراب والعفن. ما معنى المشاركة في العملية التفاوضية مع الافتقاد إلى رؤية تحدِّد عناصر قوة الذات والآخر، وإلى استراتيجية تفاوض، وإلى مراحل عقلانية وواقعية، وإلى خطاب سياسي ذي عناصر محدَّدة، وإلى إعلام مدروس من حيث مفهوماته وتعابيره…؟

ينادي كثيرون، في محطات عديدة، باتخاذ خطوات وإجراءات عملية وتنظيمية، ولا يدرون أنها ستبقى تشكيلات لا معنى لها بحكم افتقادها إلى الصلة بالرؤية والأهداف؛ فالتنظيم نفسه ليس شكلًا هندسيًا ومجموعة من المحدِّدات القانونية، بل هو أساسًا، وقبل كل شيء، فكر وسياسة. نحن نبني التنظيمات والهياكل العملية التي تتوافق مع رؤية فكرية سياسية محدَّدة، ومع قراءة سياسية تحليلية للواقع، وإذا لم يحدث هذا، فإن المنتج لا يعدو أن يكون هيكلًا كرتونيًا.

تُبنى الشراكات والتحالفات معظمها بين القوى أو بين الأفراد، على أساس مقولات عامة أو شعارات فضفاضة من دون إخضاعها لحوار فكري سياسي حقيقي وصبور، ما يجعل أي تحالف أو بنية أو شراكة سياسية أمام احتمال الانفجار دائمًا؛ لأن الاتفاق الحاصل جرى وفق منطق التواطؤ الضمني المشترك على استخدام كلمات عامة تحظى برضا الجميع، بينما يحمل كل فرد أو طرف سياسي لها معنى مغايرًا، ما يعني أن الاتفاق الذي يُبنى سريعًا استنادًا إلى منطق التواطؤ هذا، سينفرط عقده عاجلًا أم آجلًا.

يشبه أولئك الذين يذهبون إلى بناء التشكيلات التنظيمية والآليات العملية من دون بذل الجهد في بناء رؤية فكرية سياسية لمشروعهم، ورؤية سياسية تحليلية عقلانية، أولئك الذين يحرِّكون أيديهم وأرجلهم من دون رأس؛ حركة مجانية من دون هدىً أو كما يُقال “حركة بلا بركة”.

عندما تكون مسيرتنا السياسية، خلال السنوات الماضية، ذات مسار انحداري، وعندما ننتقل من حفرة إلى حفرة، ومن مطبٍّ إلى آخر، ينبغي لنا أن نعيد بناء رؤانا وتصوراتنا الفكرية أولًا؛ قبل الذهاب باتجاه الإعلان عن تشكيلات تنظيمية من أي نوع، ينبغي لنا الاتفاق على الرؤى والمفاهيم النظرية والمبادئ الموجِّهة للعمل، واختبار إيماننا بها، وفهمنا لها.

 

المصدر: المدن

اترك تعليقاً
2+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى