ما تبقّى من “القلم الأميركي”

فوّاز حداد

“في سياق الحرب الإسرائيلية المستمرّة على غزّة، نعتقد أن منظّمة ‘القلم الأميركي’ (PEN America)، قد خانت التزامها المُعلَن بالسلام والمساواة للجميع، وبالحرّية والأمن للكُتّاب في كلّ مكان”.

كان هذا جزءاً من الرسالة المفتوحة التي وجّهها، مؤخّراً، عدد من الكُتّاب إلى منظّمة “القلم الأميركي”، من بينهم: نعومي كلاين، وميشال ألكسندر، وهشام مطر، وزينة عرفات، وإيزابيلا حمّاد، يعلنون فيها قرارهم بعدم المشاركة هذا العام في مهرجان “أصوات من العالم”، بسبب ما تبيّن لهم من موقفها الذي تجلّى في عدم الاستجابة الكافية ضدّ الإبادة الجماعية التي تُمارسها “إسرائيل” في غزّة.

يُعَدّ مهرجان “أصوات من العالَم” واحداً من أهمّ الأحداث الأدبية الرفيعة التي تحتفي بالأدب العالمي، يستمرّ أسبوعاً، وينتظم منذ عام 2005 في نيويورك ولوس أنجليس، ويقام هذا العام بين 18 و25 بين أيار/ مايو المقبل، لكن يبدو على الأغلب أنّ إقامة هذه الدورة، ستكون الأكثر صعوبة على الإطلاق، فقد انخرطت المنظّمة، التي ترفع شعار “حرّية التعبير”، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، في جدل لم ينته حتى اليوم.

تشهد الرسالة المفتوحة بقوّة هذا الجدل، وذلك حول الطُّرق المختلفة التي خذلت بها منظّمة “القلم الأميركي” الكُتّاب والصحافيّين الفلسطينيين، منذ بداية الحرب الإسرائيلية، وتلومها على رفضها الانضمام إلى المنظّمات الرائدة الأُخرى في مجال حقوق الإنسان ومسؤولي “الأمم المتّحدة” في المطالبة بوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار.

اتّخذ الجدل شكلاً عملياً في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، عندما انسحبت الكاتبتان أنجيلا فلورنوي وكاثلين ألكوت من فعالية “PEN Out Loud” التي تنظّمها المؤسسة في لوس أنجليس، بسبب مشاركة المُمثّلة والكاتبة مايم بياليك، المُعارضة بوقاحة لوقف إطلاق النار. وتم بعد ذلك إخراج الكاتبة والأكاديمية الفلسطينية الأميركية رندة جرّار قسراً من الحدث المذكور. بعد أسبوع واحد، وقّعت مجموعة من 600 كاتب وشاعر على رسالة مفتوحة تُدين صمت المنظّمة النسبي حيال الإبادة في غزّة.

وحتى اليوم، تم التوقيع على هذه الرسالة من قبل أكثر من 1300 كاتب. يدعو أصحاب هذه الرسالة المفتوحة الكتّابَ الآخرين إلى إعادة النظر في مشاركتهم وتُشجّعهم على التحدّث علناً مع زملاء من جميع أنحاء العالَم لتبادُل الأفكار، مع الأخذ بالاعتبار أن ميثاق القلم، الذي تم تبنّيه عام 1948، ينصّ على أنه من واجب الأعضاء بذل قصارى جهدهم “لتبديد جميع أنواع الكراهية ومُناصرة المَثل الأعلى لإنسانية واحدة تعيش في سلام ومساواة في عالم واحد”.

أصبح من الواضح بشكل مُؤلم أنّ فلسطين، لا تزال تمثّل استثناءً لهذا المثل الأعلى. لقد خاطر الشعراء والعلماء والروائيون والصحافيون وكتّاب المقالات في فلسطين بكلّ شيء، بما في ذلك حياتهم وحياة عائلاتهم، لمشاركة كلماتهم مع العالم. ومع ذلك، يبدو أن منظّمة “القلم الأميركي” غير راغبة في الوقوف معهم بحزم ضدّ القوى التي اضطهدتهم وجرّدتهم من أرضهم وحرّيتهم على مدى السنوات الخمس والسبعين الماضية.

يُدرك الكتّاب حول العالَم أنّ منظّمة القَلم غالباً ما كانت غائبة عن العمل، ما بات يؤكّد أنّ حضور مهرجان هذا العام لن يؤدّي إلّا إلى المساهمة في الوهم بأنّ المنظّمة مكرّسة حقاً “للدفاع عن حرّية التعبير في قلب نضال الإنسانية ضد القمع”، بينما يتم حالياً شنّ حملة إبادة جماعية لا هوادة فيها ضدّ الفلسطينيّين في غزّة، وهو أمر مُرعب يتم تصويره يومياً وبثّه مباشرة في جميع أنحاء العالَم. فقد أُصيب أكثر من 100 ألف شخص، وقتل أكثر من 30 ألف شخص، من بينهم أكثر من 12 ألف طفل. لقد تضرّرت أو دُمّرت أكثر من 70 بالمئة من المنازل في غزّة، ممّا أدّى إلى تشريد أكثر من مليون ونصف مليون شخص في أرض لا يوجد فيها مكان آمن من الطائرات والصواريخ والقنابل والرّصاص الإسرائيلي، والتي تم تمويلها جزئيّاً وتزويدها من أميركا. لقد قرّرنا عدم المشاركة ما دام الفلسطينيّون يتعرّضون للهجوم، وحتى يتغيّر هذا كلّه، ليس لنا سوى المقاطعة، لم يترك لنا ضميرنا أي خيار آخر.

تنبع قوّة الرسالة في التصدّي لتنكُّر جهة أدبية عالمية لقيم إنسانية متوافق عليها، والتشهير بموقف منحاز قد يقنع آلاف الكتّاب في العالَم، طالما أنها جهة معترف بثقلها الأدبي، الخطر في هذه الثقافة اللامبالية أنها مصابة بالعمى الأخلاقي، التي تحمل نقيض ما هو مرجوٌّ منها، بالاستناد إلى سُمعتها الأدبية. ولقد كان في الهجوم على الجامعات الأميركيّة الكبرى، وغضّ النظر عنه، ما أدّى إلى استقالة رؤسائها، وجرى استخدامه في التضليل الثقافي، ما يشهد بتكريس الإجرام الإسرائيلي من ثقافة انتهازية.

ليس من السهل على المثقّف في عصرنا مواجهة الاستبداد فقط، وإنما أيضاً مراكز القوّة السياسية والاقتصادية، كذلك مواجهة الحقائق الزائفة، والأخبار الكاذبة، والمعلومات المشكوك فيها… عالم لم تعُد فيه حقيقة يوثق بها، ما دام تشويهها وارداً إن لم يكن تزويرها. عالمٌ كأنّما ينبغي على المثقّف فيه إعادة اكتشاف الحقائق، في زمن يعاني من فوضى وسائل التواصل الاجتماعي التي لم يعُد الاستغناء عنها وارداً، بعدما باتت إحدى أدوات التواصل مع البشر. يدرك المثقّف أنه يواجه العالَم مُسلّحاً بثقافة لا جدوى منها، إن كانت بلا ضمير.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى