
لا يزال احتمال تعرّض إيران لهجوم أميركي وارداً في أي لحظة. وفي ضوء ذلك تستجدّ الأسئلة بشأن مستقبل النظام الإيراني وقدرته على الصمود أمام التهديدات الأميركية والإسرائيلية، وهو الذي راكم خبرة لا يُستهان بها في المناورة والصبر الاستراتيجي والمراوحة بين التصعيد المتحكّم فيه والتلويح بالمواجهة الشاملة التي ظلت الدعاية الإيرانية تؤكّد دائماً أن اندلاعها سيأتي على الأخضر واليابس في الإقليم.
مؤكُّد أن النفوذ السياسي والعسكري والمذهبي الإيراني تلقّى ضربة موجعة بعد التداعيات الدراماتيكية لطوفان الأقصى (2023)؛ فقد خسر حزبُ الله، حليفُه القوي في لبنان، جزءاً كبيراً من مقدّراته العسكرية واللوجستية في غضون حرب الإسناد التي خاضها دعماً للمقاومة الفلسطينية في غزّة، كما فقد صفوةَ قياداته السياسية والعسكرية، وفي مقدّمتها أمينه العام الأسبق، حسن نصر الله وخليفته هاشم صفي الدين، وتراجع وزنه إلى حدّ كبير في معادلة السياسة اللبنانية، ونتيجة لذلك فقد قوةَ الردع في مواجهة إسرائيل. كذلك فقد النظام الإيراني العمقَ الاستراتيجي الذي كان يشكله نظام بشّار الأسد في سورية، هذا من دون إغفال التبعات الجيوسياسية لحرب الإبادة في قطاع غزّة.
مؤكّدٌ أيضاً أن الانتفاضة الشعبية التي شهدتها مدن إيرانية، خلال الشهر الفائت، قد أربكت حسابات هذا النظام، بعد أن عجز عن الحد من تداعيات العقوبات الأميركية والغربية القاسية على الأوضاع الاجتماعية والمعيشية. ولم يكن للقمع الشديد الذي جابه به هذه الانتفاضة إلا أن يزيد من ارتباكه وعجزه عن مواجهة حالة التآكل السياسي التي يتعرّض لها في الداخل.
بيد أن ما كل سبق لا يبدو كافياً للقول إن سقوط هذا النظام صار وشيكاً أكثر من أي وقت مضى؛ هناك مؤشّرات قد تجعل من الصعب الجزم بذلك. فمن جهة، تمتلك إيران خبرةً لا يستهان بها في التعاطي مع الأزمات الدورية التي تتعرّض لها، سيما التي على صلة بارتدادات ما يشهده الإقليم من متغيرات مختلفة. لقد أبدى النظام طوال العقود المنصرمة قدرة لافتة على إعادة إنتاج آليات اشتغاله في علاقتها بمحيطيه الإقليمي والدولي، بما يؤمّن نواته الصلبة في مواجهة التهديديْن الأميركي والإسرائيلي. ومن جهة أخرى، لا ينبغي القفز على حقيقة أن هذا النظام لا يزال يتمتّع بقاعدة اجتماعية واسعة، تتشكل من طيف مجتمعي عريض من المحافظين والمتشدّدين، الذين وإن كانوا غير راضين على السياسات المنتهجة في غير شأن داخلي وإقليمي، إلا أن غياب معارضة ديمقراطية ووطنية في الآن نفسه، قادرة على طرح خريطة طريق واضحة تسمح بتغيير سلمي، يُجنّب الدولة والمجتمع مخاطر الغزو والتفكك، على غرار ما حدث في العراق (2003)، يجعل هؤلاء يفضلون الاصطفاف خلف النظام، باعتبار ذلك الخيار الأقل سوءاً.
لا تزال مخلفات الغزو الأميركي للعراق ماثلة أمام شعوب الإقليم بما فيها الشعب الإيراني؛ لقد مرّ أكثر من عقدين على ذلك الحدث الدراماتيكي، لكن العراق لم يتعافَ بعد من تبعاته. كان الغزو الأميركي، وما أعقبه من تفكيك ممنهج للدولة والمجتمع العراقيين، بدايةَ موجةٍ غير مسبوقة من الاحتراب الطائفي المدمّر، الذي مزّق النسيج الاجتماعي والأهلي، وفتح الباب على مصراعيه أمام تفشّي الفساد بمختلف أشكاله، بالتوازي مع إخفاق بادٍ في بناء نظام ديمقراطي حقيقي يقطع مع نظام المحاصصة الطائفية.
على الأغلب، يستحضر قطاع واسع داخل المجتمع الإيراني السيناريو العراقي بكل حلقاته المعلومة. وعلى الأغلب أيضاً أن النظام الإيراني يُدرك ما يعنيه تكرار هذا السيناريو داخل إيران. من هنا، رهانه على التفاوض مع الإدارة الأميركية بما يجنب البلاد تبعات هجوم يصعُب التنبؤ بحجمه ونتائجه. وفي المقابل، يعكس تردّد الولايات المتحدة في الهجوم على إيران حساب المكاسب والخسائر، ذلك أن التكلفة السياسية لهجوم لا يسقط النظام في طهران ستكون مرتفعة قياساً بما قد يحققه ذلك من مكاسبَ، لن تُغير شيئاً في صراع الهيمنة والنفوذ، المحتدم، الذي تخوضه الولايات المتحدة ضد الصين وروسيا على أكثر من واجهة.
المصدر: العربي الجديد






