إدارة الحقد

حازم نهار

في مساء 10 حزيران/ يونيو 2000، كنا خمسة أشخاص في اجتماع سياسي معارض مخصَّص لإصدار آراء المعارضة السورية في ما يتعلق بالوضع السوري. جاءنا خبر وفاة حافظ الأسد، انتقلنا مباشرة إلى غرفة التلفاز، تابعنا مسرحية “مجلس الشعب”، وتداولنا بعض التعليقات حول ما حصل، وسخرنا من أداء الممثلين، ثم عدنا إلى عملنا.

أصبحنا وقتها أمام ضرورة إصدار بيان سياسي باسم المعارضة آنذاك “التجمع الوطني الديمقراطي” حول وفاة الأسد، وبعد نقاش طويل تبلورت الآراء، وكان رأيي “انهزاميًا” بالتصنيفات الدارجة، إذ قلت بضرورة عدم التطرق إلى طريقة تغيير الدستور، وغضّ النظر عنها، بل والترحيب بالعهد الجديد، والتشجيع على فتح صفحة جديدة، فيما لم يكن رأي البقية كذلك، وبالطبع صدر البيان وفقًا لرأي الأكثرية، وذُكر فيه اعتراض المعارضة على تغيير الدستور، وحسنًا فعلت المعارضة ذلك.

ربما كان رأيي يعود إلى كوني، آنذاك، شابًا يتعلق بالحاضر والمستقبل أكثر من الماضي، قرأ وسمع عن سورية السبعينيات والثمانينيات، لكنه لم يلمسها بيديه وعينيه وجلده، فيما كان أصغر الحاضرين يكبرني بخمسة عشر عامًا على الأقل، أو ربما كان السبب ميلي العام إلى الحلول السياسية غير الاستفزازية، خصوصًا مع كون الحلول الأخرى غير مضمونة النتائج.

بعدها بمدة قصيرة، كنا أيضًا في اجتماع قيادي آخر، وكانت بين الحضور شخصية معارضة قيادية أمضت أكثر من خمسة عشر عامًا في المعتقل عانت ظلمًا يصعب تصوّره. حاججت الموجودين برأيي نفسه، وهذا استفز الأخير قليلًا، فأجبته بما معناه “الحقد موجِّه سيء في السياسة”، “أصبح الماضي عبئًا علينا”، “دعونا ننظر إلى الأمام”… إلخ. سكت الأخير قليلًا، ثم أجابني: ماذا تعرف عن هذا النظام؟ هل تريدني حقًا ألا أحقد على هذا النظام؟!

في اعتقادي، تبقى مقولة “الحقد موجِّه سيء في السياسة” صحيحة، وما زلت مقتنعًا بصحّتها. وأثق أن رفيقنا المعتقل لم يكن يقصد، بالطبع، ذلك الحقد الأعمى الذي لا يبقي ولا يذر، أي الانتقام، بل ذلك الموقف الحاسم من نظامٍ لا يُتوقَّع منه صلاحٌ أو خيرٌ أبدًا. ولذلك، في اعتقادي، كان مهمًا حقًا أن تسجِّل المعارضة وقتها موقفها الرافض لتغيير الدستور، فهذا موقف مؤسِّس في السياسة، ولا علاقة للحقد بصناعته.

في الحقيقة، اليوم، بعد كل الذي حدث في سورية، لا أستطيع التعاطي مع ممارسات النظام والقوى السياسية والعسكرية الأخرى، طوال السنوات الماضية، بتلك الروح التي كنت أحملها عند تغيير الدستور؛ البحث عن بداية جديدة تُغلق ملفات الماضي، خصوصًا مع اختلاف حال اليوم كثيرًا عن تلك اللحظة السياسية، فإذا ما جاءني شاب سوري يناقشني بمنطقي نفسه آنذاك، لن أستطيع مقاربة الحال الراهنة إلا من بوابة الموقف المؤسِّس لما بعده؛ العدالة، ولا علاقة لهذه المقاربة بالحقد، بل بتوفير مستلزمات القدرة على طي صفحة الماضي فعلًا، على الرغم من قناعتي بأن العدالة المشتهاة قد تكون جزءًا هامشيًا من مشهد موازين القوى والمساومات الإقليمية والدولية.

أما إذا أردنا مقاربة موضوع شيوع الحقد في الواقع السوري من زوايا أخرى، فأعتقد أنه في حاجة إلى إدارة بطريقة أو أخرى، أي إلى نقاش حالاته وأسبابه وتمظهراته ومستوياته وميادينه وآثاره ونتائجه المتوقعة، وصولًا إلى معالجته.

الحقد موجود في الحياة، مثل المشاعر الإنسانية كلها، لكنه يتحول إلى مشكلة عندما يتجاوز موضوعه البعد الفردي أو عندما تكون أدوات التعبير عنه خارج نطاق القانون، أي عندما يكون موجَّهًا تجاه جماعات، ليصبح موضوعه مرتبطًا بنظام كامل أو حزب سياسي أو طبقة اجتماعية أو دين أو مذهب أو قومية، وآنذاك يصبح في حاجة إلى علاج، وإلى إدارة تضعه في سياق حلّ المشكلات الواقعية، بدلًا من انفلاته من عقاله.

لا شك في أن الظلم بأشكاله كلها هو العامل الأساس في نمو الحقد، غير أنه ليس كل ظلم يؤدي، بالضرورة، إلى الحقد، وليس كل حقد سببه الظلم، فقد تكون الذات الحاقدة أيضًا واهمة أو متجنية أو مريضة… إلخ. وقد يتحول الحقد، بمرور الزمن، إن لم يجد عدالة ناجعة، إلى مظلومية لا تنتج إلا خطاب كراهية وثقافة مغلقة على نفسها وغير قابلة للآخر، وهذا حصل، مثلًا، لدى بعض العرب، عندما منعتهم “أحقادهم” من رؤية الجانب الحضاري والثقافي والقانوني للغرب، إلى جانب وجهه البشع ممثلًا بالاستعمار ونهب خيرات الشعوب.

قد يتخطّى الحقد حدود المشاعر الشخصية، ويتحول إلى ثقافة عامة لها منظِّرون، وإلى سياسة يشتغل وفقها مثقفون ورجال دين وأحزاب وحركات سياسية. وهناك في التاريخ والواقع أمثلة عديدة؛ شعار الحقد الطبقي الذي رفعه بعض الشيوعيين الدوغمائيين، والحقد الطائفي الذي تدعو إليه بعض الجماعات الدينية التكفيرية، وهناك الحقد القومي الذي يمكن أن ينمو لدى بعض الأمم العاجزة أو المهزومة أو الفاشلة.

من الخطورة بمكان السماح ببناء الحقد، أو التشجيع عليه، على أساس قومي أو ديني أو طائفي، أي لا ينبغي للحقد أن يُوجّه ضدّ كتلٍ بشرية، ويُفترض ربطه، إن وُجد، بأفراد محدَّدين، والأهم أن تكون وسيلته القانون والقضاء، ومبتغاه العدالة. من المهم أيضًا ألا يُكتفى هنا بالدعوة الأخلاقية “لا ينبغي”، وببرامج ودعوات التوعية فحسب لحصر هذا النمط من الحقد، بل لا بدّ من إيجاد أساليب استثنائية تأخذ في الحسبان تجاوز أسبابه الموضوعية، والبحث عن الوسائل السياسية والقانونية التي يمكنها أن تُسهم في القفز فوق الحقد المرتبط بالجماعات، وتطبيع المشاعر الإنسانية.

كذلك، الحقد السياسي موجود، ويمكن تفسيره في كثير من المحطات، لكن أن يذهب الحقد، مثلًا، نحو فكرة اجتثاث “حزب البعث”، فهذا أمر خطر، ومثله أيضًا التنظيمات المصنَّفة إرهابية، فالاجتثاث عقوبة جماعية غير عقلانية، وغير عادلة، ويمكن أن تجرّ مزيدًا من الأحقاد المتبادلة، وبدلًا منه يمكن استخدام الطرق القانونية؛ حلّ التنظيمات والقوى المتهمة استنادًا إلى معايير عادلة، ووضع ضوابط لإعادة تشكيلها، أو تشكيل غيرها، أساسها حقوق الإنسان، فضلًا عن المحاسبة القانونية الفردية لأعضائها، وفقًا للمسؤولية عن الجرائم المرتكبة.

لا يمكن إنكار تأثير الحقد في السياسة، رؤيةً وممارسةً، لكن ما هو مستنكر فعلًا تلك السياسة التي يكون منطلقها وخطابها وآلياتها ومستقرها ومنتوجها هو الحقد. يمكن أن يؤدي الحقد إلى نتائج كارثية إذا ما كان مصدرًا لقراءة الواقع ودليلًا للممارسة السياسية، أقّلها ضياع الحقيقة والحقوق وتعميم الحقد. صحيح أنه لا يمكن تخطّي الحقد إلا بتجاوز أسبابه، لكن من المهم وضعه جانبًا في أثناء التحليل السياسي وقراءة الواقع وتحديد مسارات بناء الدول.

لا شك في أن برنامج العدالة الانتقالية بمستوياته كلها هو الحل الملائم لمداواة الجراح، وتجاوز الأحقاد، وتطبيع الأرواح في البلدان الخارجة من الحرب، لكنه بدوره يطرح في كل بلد أسئلة تفصيلية أكثر تعقيدًا حول حدوده ومدته وآلياته وطرق منع الاعتداء على مبادئه وأسسه وضمان خدمته المصلحة العامة وإعادة البناء والإعمار، وغيرها من الأسئلة.

هل يمكن أن تكون هناك حلول مؤقتة أو تسووية بوجود الحقد؟ بمعنى آخر: هل يمكن للضحية أن تضع يدها بيد القاتل في لحظة ما؟ على المستوى السياسي هذا ممكن، فالسياسة تحكمها الضرورات وموازين القوى المحلية والإقليمية والدولية لا المشاعر والحقوق، والواقع لا يسير وفق مشاعرنا وأحقادنا مهما بدت مفسَّرة ومشروعة، فقد تطلب منا موازين القوى، في لحظة ما، غضّ الطرف عن جانب أو أكثر من العدالة لمصلحة الصالح العام. لكن هذا كله لا يمنع، بالتأكيد، أن تبقى المظالم على طاولة السياسة دائمًا إلى أن تجد لها حلًّا عادلًا ومرضيًا.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى