“محرقة” الفلسطينيّين متواصلة.. لا أحد يمنعها (2/2)

هشام عبد الله

وكأنّ أسباب وأدوات تواصل “محرقة” غزة جاهزة ومعدّة سلفاً، وتظهر في وجه أيّ احتمال ومحاولة ممكنة لمنعها ووقفها والحدّ من توسّعها، بل إنّها أنبتت أذرعاً طويلة طالت الفلسطينيين أينما حلّوا وكانوا. وهي كذلك جاهزة ومتحفّزة لإحباط أولئك الذين يقفون في صفّ الفلسطينيين ويجهدون في التصدّي لمعاناتهم الدائمة.
ثمّة جهد محموم تقوم به إسرائيل، يناصرها في ذلك حكومات وبرلمانات ومنظّمات سياسية وإعلامية عبر العالم، لإبقاء جذوة هذه المحرقة مشتعلة من دون أن يتمكّن أفراد ولا جهات ولا جماعات ولا حتى دول من إخمادها. كلّ ذلك يجري بمعاونة كبرى وسائل الإعلام الغربية التي تسيطر على مشهد الإعلام وتتحكّم في آليّات ضخّ المعلومات على مدار الساعة.
على الرغم من سقوط عدد من المنصّات الإعلامية هذه في فخّ نشر قصص مختلَقة عن قيام المقاومة الفلسطينية بقتل وحرق رضّع، واغتصاب نساء خلال هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، إلا أنّها واصلت التركيز على إدانة حماس، وتسويق حقّ إسرائيل بالدفاع عن نفسها على الرغم من استهدافها المباشر للمدنيين، بمن فيهم الأطفال، في عدوانها على غزة.
فيما تواصَل ارتفاع القتلى والجرحى جرّاء الهجوم الإسرائيلي على غزة المستمرّ منذ السابع من أكتوبر الماضي إلى مستويات غير مسبوقة، بالغاً عشرات الآلاف، وتحويل قطاع غزة إلى مكان غير ملائم للعيش الآدميّ، كان آخرون في الضفة الغربية وداخل إسرائيل وفي بقاع أخرى في العالم، يدفعون ثمن كونهم فلسطينيين أو مؤيّدين لهم أو حتى مندّدين بالعدوان الإسرائيلي ومعارضين له.

عجز العالم أمام الفيتو الأميركي
ربّما الفيتو الأميركي الأخير ضدّ قرار مجلس الأمن الدولي بوقف إطلاق النار في غزة، دليل قوي على ذلك مع تصويت 13 دولة مع القرار وامتناع بريطانيا عن التصويت. صحيح أنّ العالم هو الذي منح حقّ الفيتو للولايات المتحدة، لكنّه يجد نفسه عاجزاً عندما تستخدمه. وبذلك تكون إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن قد أحبطت محاولة الأمين العامّ للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الأخيرة لتفعيل المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة التي تعطيه الحقّ “أن ينبّه مجلس الأمن إلى أيّة مسألة يرى أنّها قد تهدّد السلم والأمن الدوليّين”. حاول غوتيريش كثيراً خلال الشهرين الماضيين من العدوان الإسرائيلي إصدار قرار من مجلس الأمن يوقف قتل الفلسطينيين وتدمير مساكنهم ومنازلهم ومرافقهم العامة، لكنّه خرج خالي الوفاض.
قبل وقت قليل من ذلك، كان الكونغرس الأميركي منشغلاً باستجواب رئيسات جامعتَي هارفرد وبنسلفانيا ومعهد ماساتشوستس للتقنية على خلفية تنظيم طلاب فيها تظاهرات مؤيّدة للفلسطينيين ومعارضة للعدوان الإسرائيلي على غزة. وعقد الكونغرس جلسة استماع لرئيستَي جامعتَي بنسلفانيا وهارفرد بعنوان “محاسبة قادة الحرم الجامعي ومواجهة معاداة السامية”، بسبب ما عدّوه تنامياً لحوادث معاداة السامية بالجامعات. وقد اضطرّت رئيسة جامعة بنسلفانيا ليز ماجيل ورئيس مجلس أمناء الجامعة سكوت بوك إلى تقديم استقالتهما إثر ضغوط كبيرة مارسها سياسيون وجهات مانحة للجامعة على خلفية ذلك. وشهدت جامعات ومعاهد أميركية أخرى توتّرات مماثلة بين المؤيّدين والمعارضين للعدوان الإسرائيلي. ويتوقّع أن تلقى كلّ من رئيسة جامعة هارفارد وزميلتها رئيسة معهد ماساتشوستس المصير نفسه.
في الولايات المتحدة أيضاً، قُتل طفل فلسطيني طعناً بالسكّين على يد مالك الشقّة التي يسكنها مع والدته في ولاية إيلينوي في شهر تشرين الأول الماضي، ولاحقاً أطلق رجل أميركي النار على ثلاثة طلاب فلسطينيين كانوا متوشّحين بالكوفية الفلسطينية ويتحدّثون العربية في إحدى مدن ولاية فيرمونت، وهو ما وُصف بأنّه جريمة كراهية. وفي بريطانيا وصفت وزيرة الداخلية السابقة سويلا برافرمان التظاهرات الضخمة التي خرجت في شوارع لندن تنديداً بالعدوان الإسرائيلي على غزة بأنّها أصوات “كراهية”. وتعرّض متظاهرون خرجوا في باريس ومناطق أخرى من أوروبا تنديداً بالعدوان لاعتداءات من عناصر الشرطة المحلية فيها.

الكلام ممنوع  على رؤساء الحكومات
عندما حاول رئيسا وزراء إسبانيا وبلجيكا، خلال مؤتمر صحافي عقداه عند معبر رفح على الحدود المصرية لغزّة، للفت الانتباه إلى ما يتعرّض له الفلسطينيون، وطالبا بوقف إطلاق النار والعمل على إيجاد حلّ سياسي، تعرّضا لتقريع شديد من رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو ووزير خارجيته. وكانت إسرائيل طالبت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالاستقالة، عندما قال إنّ هجوم حماس في السابع من أكتوبر الماضي “لم يأتِ من فراغ”.
في الضفة الغربية والقدس الشرقية، إضافة إلى داخل إسرائيل، ضاعفت إسرائيل من منسوب قتلها وتنكيلها وقمعها للفلسطينيين.
بعد ساعات قليلة فقط على هجوم المقاومة الفلسطينية على المستوطنات اليهودية في محيط قطاع غزة، سارع الجيش الإسرائيلي إلى عزل مدن وبلدات الضفة الغربية، وأغلق جميع مداخلها بحواجز عسكرية وسواتر ترابية، وقيّد حركة المغادرين عبر الأردن. وشنّت القوات الإسرائيلية حملة اعتقالات عشوائية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وارتفع عدد المعتقلين الفلسطينيين في سجونها إلى نحو 8 آلاف معتقل مقارنة مع نحو خمسة آلاف قبل ذلك التاريخ. وذلك في حين أنّها تواصل حملات الاعتقال يومياً بشكل عشوائي.
يؤكّد ارتفاع عدد القتلى في صفوف فلسطينيّي الضفة الغربية إلى نحو 300، إضافة إلى أضعاف العدد من الجرحى والمصابين، وتعمُّد تخريب الطرقات والبنى التحتية الفلسطينية، تشدُّد سياسة الجيش الإسرائيلي في مواجهة المقاومة الفلسطينية بالضفة الغربية منذ السابع من تشرين الأول، فضلاً عن تزايد هجمات المستوطنين الذين قرّرت حكومة إسرائيل تزويدهم بالأسلحة النارية تزامناً مع العدوان على غزة.

لم ينج أقرانهم في إسرائيل من مضايقات، وإن كانت أقلّ شدّة، إذ منعت إسرائيل التظاهرات المندّدة بالعدوان، وأصدرت قرارات وأنظمة تجرّم أيّ مظاهر ونشاطات ومنشورات قد تفسّر على أنّها تدعم وتمجّد المقاومة في غزة، أو تدين هجمات إسرائيل عليها. وشملت الاعتقالات على هذه الخلفيّة عرباً ويهوداً وناشطين وسياسيين وفنّانين.
بينما تتواصل محرقة الفلسطينيين الحالية، التي لا مؤشّرات جدّية على وقفها، تتّسع رقعة وحجم معارضتها والتنديد بها في مختلف بقاع العالم، لكنّ أدوات ووسائل قمع هذه الأصوات المندّدة تتكاثر وتتنوّع أيضاً.

المصدر: أساس ميديا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى