الصحافي الذي نسف السرديات الصهيونية عالمياً

ولاء سعيد السامرائي

لم يتخيّل واحدنا أن يخرج من بين اليمين الأميركي المحافظ (الصهيوني) شخص يفكّك السرديات والأساطير الصهيونية المترسّخة لديهم منذ عقود. لكن “7 أكتوبر” (2023)، وما تلاه من حرب الإبادة في غزّة، زعزعا مفاهيم كثيرة، منها تلك التي تؤمن بها شريحة أميركية واسعة تبلغ 90 مليون مسيحي إنجيلي في الولايات المتحدة، أحكم الكيان مبكّراً هيمنته عليهم، وعلى كنائسهم وقساوستهم الذين يتآخون في العنصرية مع بتسلئيل سموتريتش، مثل القس مايك هاكابي، سفير أميركا الحالي في القدس المحتلة. وعلى الضدّ، برز الصحافي المعروف والمحبوب والمؤثّر في الشباب الأميركي وقاعدة “الماغا” (صاحبة شعار “أميركا أولاً”) الداعمة للرئيس دونالد ترامب، تاكر كارلسون، الذي عمل مطوّلاً في قناتَي سي أن أن وفوكس نيوز، ليختار بعدها التحرّر من الخطوط الإعلامية الحمراء التي تضعها هاتان القناتان وتضييقهما على حرية التعبير، ولينشئ قناته الخاصة التي أصبحت واحدةً من القنوات الأكثر متابعةً وتأثيراً، بحسب استطلاعات أخيراً، ليس في المجتمع الأميركي فحسب، بل لدى الشباب المسيحي في العالم، وبالأخص في قاعدة الرئيس ترامب القريب من كارلسون أحد أهم المساهمين في انتخابه. وقد حصد كارلسون شهرةً رفعته إلى العالمية بعد أول لقاء متميّز أجراه مع الرئيس الروسي بوتين، وهي المقابلة التي حصدت 40 مليون مشاهدة في قناته وحدها، ليصبح الصحافي الأكثر تأثيراً ومتابعةً عالمياً منذ ذلك الوقت.
انطلق تاكر كارلسون، مثل أميركيين كثيرين، في البحث (والتعمّق أكثر) عن التغلغل الإسرائيلي في الولايات المتحدة وفي الحكومات المتعاقبة
ومع بدء الفترة الرئاسية الثانية للرئيس دونالد ترامب، التي انتظرها ملايين من أنصار “أميركا أولاً” ومنهم تاكر كارلسون، بدأت قواعد الرئيس الشعبية تستشعر شيئاً فشيئاً خطر انحراف الشعار، مع مقتل الناشط شارلي كيرك، القريب من ترامب وصديق كارلسون، واتهام دولة الاحتلال باغتياله بالتنسيق مع الشرطة الأميركية وأجهزة الحكومة الفدرالية الأمنية، على خلفية تغيّر موقفه من الكيان بسبب حرب الإبادة على غزّة وتغلغله الواسع في الإدارة الأميركية وتقديم مصالحه على مصلحة الشعب الأميركي، والكلام عن خوض حرب جديدة مثل حرب العراق ضد إيران بدفع من مجرم الحرب نتنياهو، لا مصلحة فيها للولايات المتحدة، بل تستنزف مواردها وتقتل أبناءها. توجّهت أنظار الأميركيين، مثل كل شعوب العالم، وخصوصاً طلاب الجامعات والشباب، إلى حرب الإبادة في غزّة ودعم الولايات المتحدة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لتبدأ الأسئلة المنطقية التي لم تُسأل سابقاً خوفاً من سلاح معاداة السامية المسلّط على أفواه الناس وآرائهم وأفكارهم. وانطلق تاكر كارلسون، مثل أميركيين كثيرين، في البحث (والتعمّق أكثر) عن التغلغل الإسرائيلي في الولايات المتحدة وفي الحكومات المتعاقبة، والبحث عن تورّط هؤلاء في أحداث ضد الولايات المتحدة، مثل قصف الباخرة ليبرتي عام 1967، التي قتل فيها أكثر من 60 عسكرياً، وأغلقت حكومة ليندون جونسون وقتها الملف، ومعه ملف اغتيال الرئيس كنيدي، الملف الذي وعد ترامب الشعب الأميركي بالإفراج عنه في حال انتخابه، إلا أنه حجب جزءاً من الوثائق متعلّلاً بالقول إنه لا يقدر على ذلك. ويعرف كثير من المسؤولين الحكوميين والأساتذة، مثل جون ميرشايمر وستيف والت، صاحبي أشهر كتاب حول اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وكبار موظفي الدولة والأمم المتحدة، مثل جيفري ساكس وغيره، أن الاغتيال حصل بسبب مطالبة جون كنيدي رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون بوقف العمل في المفاعل النووي ديمونا. اغتنم كارلسون وصول ترامب للرئاسة، وربما بموافقة منه ومع استمرار أهوال حرب الإبادة على غزّة، لإنتاج فيلم حول “11 سبتمبر” (2001) من خمس حلقات، وبشكل سرّي كي لا يكتشف أمره اللوبي الصهيوني، حصد ملايين المشاهدات، ووجّه أنظار الأميركيين، خاصة “الماغا”، إلى حقيقة أن من قام بالعملية ضد الولايات المتحدة هي دولة الاحتلال لا العرب المسلمون، وهي التي حرّضت فيما بعد على غزو العراق. وهو لا يزال يتكلّم عن هذا الحدث وتأثيراته في التحريض على المسلمين والإسلام وارتفاع نسبة الإسلاموفوبيا والجرائم ضدهم في الولايات المتحدة، وقد اعتذر كارلسون أكثر من مرّة عن انجرار الأميركيين، وهو منهم وقتها، إلى كراهية الإسلام وكذبة الإرهاب، قائلاً إن المسلمين ليسوا إرهابيين ولم يقتلوا أميركيين، وليسوا هم سبب ما يحصل لبلدنا، بل إن دولة الاحتلال هي أول من يسبّب لنا الخسائر في الأرواح والأموال والحروب التي لا تنتهي، وأدان حملة الدعاية الكثيفة التي قام بها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة على مدى 40 عاماً والموجّهة إلى تشويه المسلمين واتهامهم بالإرهاب وتأجيج الإسلاموفوبيا بين الشعب الأميركي.
اعتذر كارلسون أكثر من مرّة عن انجرار الأميركيين، وهو منهم، إلى كراهية الإسلام
كان من المستحيل أن يتجرّأ أحد، كائناً من كان، على الإفصاح عن هذا الكلام في الولايات المتحدة التي لاحقت العرب والمسلمين وسجنت بعضهم لأسباب تافهة، أو حتى مع عدم وجود أسباب، فقط لأن الشخص فلسطيني لديه جمعية مثل ملايين جمعيات المجتمع المدني. وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها صحافي أميركي (مسيحي محافظ) بهذه الصراحة والوضوح، أولاً للقاعدة التي ينتمي إليها، وبعدها إلى الشعب الأميركي، موجّهاً التهمة مباشرة لدولة الاحتلال، من خلال منبر يتابعه الملايين، سواء في أميركا أو في العالم. لقد نسف كارلسون أخطر أسطورة صنعتها الدعاية الصهيونية، المتمثلة في مفهوم الإرهاب الإسلامي، بالوثائق والصوت والصورة وتحقيقات ومقابلات لعشرات موظفي دوائر الأمن والخارجية والدفاع وغيرهم، والتي ما يزال اللوبي يؤجّج نارها كلّما هدأت، سواء في أميركا أو في أوروبا، لكن مرور تاكر كارلسون عليها لتصحيحها وتعرية أصحابها قد ترك آثاره العميقة التي تشهد عليها استطلاعات الرأي الإيجابية في الولايات المتحدة لصالح الرواية الحقيقية لما جرى، وليس لرواية إدارة بوش والمحافظين الجدد، وهذا تحوّل كبير وخطير، تحوّل تاريخي في النظر إلى القضية الفلسطينية، مستقبله مزيد من سقوط السردية الإسرائيلية.
وقبل أيام، حمل تاكر كارلسون أسئلته متجهاً مع فريقه التقني إلى الأردن للقاء المسيحيين الفلسطينيين والأردنيين ورجال دينهم، وكان متأثراً جداً وفرحاً بلقاء مطران الكنيسة الأنغليكانية المولود في الناصرة، مهد السيّد المسيح. اطّلع الصحافي الأميركي للمرّة الأولى على أوضاع المسيحيين الفلسطينيين ومعاناتهم ومعاقبة دولة الاحتلال لهم، في التضييق على حرياتهم الدينية وشعائرهم ومناسبات أعيادهم، وتعجّب من التفاصيل التي رواها له المطران عن وضع الكنائس المتدهور واعتداء المستوطنين عليهم، واستغرب موقف سفير الولايات المتحدة، القس الإنجيلي مايك هاكابي، الذي يتهرّب من مدّ يد العون لهم أو التدخّل لدى الاحتلال للتخفيف من المضايقات، رغم أنه رجل دين. بعد ذلك، التقى كارلسون برجل أعمال أردني هو سعد المعشر، خريج أميركا، شخصية وطنية من مواليد مدينة السلط التي بشّر فيها يحيى المعمدان بمجيء السيد المسيح. تركزت أسئلة الصحافي، الذي أبدى إعجابه بشخصيته ومسيرته المهنية، حول حياة المسيحيين مع المسلمين وفي دولة غالبيتها مسلمة. دهش كارلسون وهو يتابع كل كلمة، متعجّباً من كيفية تعايش المسلمين والمسيحيين بينما يضطهدهم الاحتلال ويتغافل عنهم القس الإنجيلي مايك هاكابي، ومن عرض السيد سعد معاشر لحياة الناس في الأردن وانسجامهم الديني وارتباط المسيحيين بالثقافة الإسلامية باعتبارها جزءاً من ثقافتهم، وحدّثه عن القرآن وسورة مريم وذكر السيد المسيح فيه مرّات عديدة، واحترام الدولة الأردنية للديانات الأخرى المضمونة حقوقها دستورياً. وعن سؤال المعشر: لماذا لم يستقر في الولايات المتحدة؟ أجاب بأنه يفضل الحياة بين شعبه وأهله وتربية أطفاله في بلده، فابتسم كارلسون متفهماً هذه الإجابة التي ربما لم ينتظرها.
تشهد الولايات المتحدة تحوّلاً تاريخياً مستقبله مزيد من سقوط السردية الإسرائيلية
لاقت هذه المقابلة أصداءً واسعةً لدى اليمين الإنجيلي في أميركا وفي الإعلام، واعتبرها الصهاينة دعايةً مضادّةً قويةً وجّهها تاكر كارلسون لدولة الاحتلال ولسردياته الكاذبة عن حمايته للمسيحيين، فاتصل به السفير مايك هاكابي ليدعوه إلى لقاء معه، على الأغلب لاحتواء ردّات الفعل المرصودة من مجرم الحرب المشرف الأول على الدعاية، للردّ على ما جاء في المقابلة، واستجاب كارلسون بسرعة. ورغم أن هذه الدعوة بدت فخّاً مرتّباً نُصب للصحافي بهدف إذلاله وترهيبه، إلا أنه أدار اللقاء بطريقة ذكية متجاوزاً العقبات المليئة بالإهانة والترهيب الشخصي والتحقيق البوليسي غير المبرَّر تحت أنظار السفير. اعتبر كارلسون اللقاء فرصةً لطرح الأسئلة غير المسموح بها لتقديمها لجمهوره، مثل سؤال السفير عن فضيحة استقباله في مبنى السفارة جوناثان بولارد، الجاسوس الأخطر الذي عمل ضد أميركا وخرج من السجن ودعا يهود أميركا إلى العمل من أجل دولة الاحتلال، كما فعل هو قبل 30 عاماً قضاها في السجن، ليقلل هاكابي من أهمية ذلك، مزوراً الحقائق التي نشرتها “نيويورك تايمز”، ليظهره كارلسون أمام ملايين المتابعين أنه شخص يعمل من أجل دولة أجنبية هي دولة الاحتلال، وأنه يدافع عن الكيان ويتجاهل الدفاع عن الأميركيين مثله وعن المسيحيين الفلسطينيين المقهورين في ظل الاحتلال.
بعد ذلك تطرّق تاكر كارلسون لمعنى “الأرض الموعودة” و”شعب الله المختار” ومن “هو اليهودي”، وقد دهش كارلسون من إجابة مايك هاكابي المباشرة حول أحقية الإسرائيليين، ليس بفلسطين فقط التي يحتلونها، ولكن بالأراضي كلّها من النيل إلى الفرات معلّقاً أن الإله في الإنجيل قال لإبراهيم إن ذرّيته سترث الأرض، لكن ما علاقة لأفراد مثل نتنياهو غير المتدين وأجداده، ومن جاءوا من دول أوروبا الشرقية وغيرها، بهذه الأرض، ولا من سكنها سابقاً؟ بينما لا يزال يعيش عليها مسيحيون وغيرهم منذ ألفي عام، وهم أصحاب الأرض ولا يتمتّعون بحقوق المواطنين. لم يتمكّن السفير من الإجابة عن هذه الأسئلة، ولا عن عرض كارلسون عمل فحص جيني لأهل الأرض الأصليين وآخر لمن جاءوا، وبدأ مايك هاكابي في إجابته يخلط حجج السرديات الصهيونية عن مظلومية اليهود، قائلاً للصحافي بانزعاج: لا أعرف إلى أين تريد أن تصل بأسئلتك هذه؟ فردّ كارلسون ضاحكاً بخباثة: أنا لا أعرف، أنا أتساءل فقط، أنتظر منك أن تشرح لي ذلك.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى