قراءة في رواية: نساء.. ولكن!

أحمد العربي

نور عبد المجيد؛ روائية مصرية وهذه الرواية الأولى التي أقرأها لها. الرواية تتحدث عن مصر المعاصرة بطريقة الغوص في تفاصيل مجموعة أسر مصرية، عبر شبكة اجتماعية متفاعلة وعبر تداخل العام بالخاص، لتصل أخيرا لصورة مبلورة أرادتها الكاتبة أن تصلنا عبر روايتها. الدكتور دياب يدخل بيته يحمل مرضه الخبيث وأيامه المعدودة قبل الموت، عليه ان ينجز لأجل بناته مستقبلا آمنا، سميحة المذيعة المتألقة واختها رباب المعاقة منذ الولادة، التي لم تتجاوز عمر الثلاث سنوات عقليا، والتي بدأت تدخل في سن النضج جسديا، سنعود معه لزوجته التي طلقها منذ سنين بعيدة، يتذكرها ويريدها أن تقوم بدورها مع اولادها، فهو يجهز نفسه للرحيل، يتصل بها، هي تزوجت مرة اخرى وانجبت ابنًا، هي التي هربت يوما من حياتها معه لأنها لم تستطع تحمل حياتها بجوار ابنتها المعاقة، وهنا عقدة الرواية، تخبره انها لن تتركهم وستقوم بدورها. الابنة سميحة ممتلئة بنفسها، تفكر بوحي مسؤوليتها عن ابيها واختها، خاصة بعد أن عرفت بقرب والدها من الموت، تشبعه نفسيا حبا وحنانا وتواصلا انسانيا، تفهمه انها ليست بحاجة لتلك الأم التي رمتهم وذهبت. سميحة متزنة، عاقلة، مرت بتجربة حب مجنون انتهى بالفشل لان الحبيب واهله اكتشفوا الاخت المعاقة. لها زميل عمل تحبّه ولكن لا تعطيه فرصة لطلبها للزواج خوفا من ان تتكرر حكايتها مع حبيبها السابق. الوالد يتحرك ليجد لها زوجا يكون سندها واختها بعد موته. عند العائلة شغّالة هي أم سعيد التي ربت البنات على يديها، زوجها متوفي وسعيد ابنها ذهب للسعودية ليعمل ويعود ليشتري بيت ويؤمن حياة له وللعائلة تتجاوز الفقر ونتائجه المأساوية عليه وعلى امه واخاه، يحب ابنة الجيران عزيزة، لها أخوات بعضهنّ متزوجات، وهي تعمل في مكتبة لتعيل البيت، امها تؤمن ان البنت إما أن تنتج لأهلها او تزوج لترفع عبئها عنهم، وعزيزة تعمل لكي لا تتزوج منتظرة حبيبها. صاحب المكتبة عجوز متصابي يعتبر عزيزة صيده الثمين يراودها عن نفسها بزواج عرفيّ (غير مثبّت قانونا، وغير ملزم)، ترفض، هي تحب سعيد وتنتظره. الام تعرف بحالها مع صاحب المكتبة، تقنعها ان طريق سعيد طويل، وانها أن رفضت الفرصة ستجعل والدها يزوجها من اي أحد يتقدم لها، والوالد مجرد اداة تنفيذ طلبات زوجته، يعمل في الدهان، تابع عقليّا وسلوكيّا للأم، تتزوج عزيزة عرفيّا من صاحب المكتبة، تجهز نفسها لتكون زوجة لسعيد عندما يعود من سفره، زواجها بالسّر وتستطيع أن تعيد إصلاح نفسها؟!. وهي أخيرا ضحية امّ وابّ ومجتمع. ليس عليها إلّا الصبر. سيد الاخ الثاني لسعيد، شاب ينشأ في بيئة الفقر والجهل والتخلف والخطيئة والموبقات عاطل عن العمل، مدمن مخدرات، يقتات على معاش الأم، يشكل جحيمها الدائم، وتصبر عليه. والد سميحة يجد لها زوجا، الاهم هو ان يقبل ذلك الزوج سميحة ومعها اختها المعاقة، يحصل ذلك ويتم الزواج. لنعرف ان الزوج يعمل في شركات الأم، وهي من دفعته ليتزوج من سميحة، وتترك حبيبها محروقا بخيبته، لكنه يصرّ على التمسك بها. وتمر الايام، الأب يموت، وسميحة تنجب الطفلة امل، وام سعيد تعمل عندها مربية لرباب المعاقة، ويعمل ابنها سيد سائقا ليخدم مآربه الخاصة ويزيد من مكتسباته، يستخدمه الزوج كمخبر سري على زوجته. سميحة تنجح وتتألق وتنتقل للعمل في التلفزيون، تعبّر عن مشاكل الناس، وتتكلم عن الشرطة وانتهاك الحرمات وغيرها من مشاكل الفقر والاستغلال والتسلط والتخلف. يحاول سيد ان يسرق ذهب الطفلة من يدها، وتحاول الخالة المعاقة ان تضربه بحجر فتصاب الطفلة، فيضربها الزوج وتنهار سميحة وتسقط عن السلم ويسقط جنينها وتكاد تموت. عندما تعود للبيت من المشفى وتوضح لها الامور، أنّ زوجها طرد أختها، وأنّ ام سعيد تستّرت على ابنها بالتواطؤ مع سيد ابنها والزوج، سعيد تطلب امه حضوره لأنها لم تعد تعرف كيف تتصرف، يعود سعيد من غربته ويغرق في البحر مع مئات غيره. العبّارة ليست مؤمّنة، وضاعت حياة مئات الغرقى دون تعويضات أو محاسبة، ولنكتشف مأساة مصر.
تنتهي الرواية بطلاق سميحة وعودتها الى أخيها وامّها، حيث تقربها امها من حبيبها وشريكها بالعمل، ويحصل بداية انحراف معلن بين سيد وعزيزة حبيبة المغدور سعيد، ومغادرة ام سعيد لتصلح شأنها مع الله، لأنها حملت نفسها مسؤولية غرق ابنها؟

في تحليل الرواية نقول:
الرواية محمّلة بفيض مشاعريّ كبير، وفيها للصناعة الادبية دور، والشخصيات تساق الى مصائرها بطريقة فجّة، المجتمع حاضر بفقره وغناه وبالحالتين اموره سيئة. السلطة حاضرة كأمر واقع مسكوت عنه وقدر لا مفر منه وأكثر ما نستطيع هو أن نذكّر السلطة بأخطائها. مسار الفقر ومفاسده مستمر. أما مسار الغنى فإنه يصحح ذاته دوما. نحن أمام مناخ يؤسس للربيع العربي.
بكل الأحوال نحن أمام حالات انسانية ترسم حدودها مفتقدة للحرية والكرامة والعدالة والحياة الانسانية السويّة. ضمن هذا المناخ تحدث كل الموبقات وتصبح هي الظاهرة الاجتماعية السائدة ويصبح النجاح نجم يتيم في ليل بهيم.

المصدر: الأيام

اترك تعليقاً
1+
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق