قلق “حزب الله” من “قيصر” وراء فائض رده على “6 يونيو” رسالة “الثنائي الشيعي” ضد الضغط الأميركي أفلتت من السيطرة في شوارع بيروت

وليد شقير

أظهر “حزب الله” (ومعه حليفته “حركة أمل”) أنيابه حيال اشتداد الضغوط الأميركية والمحلية عليه في سياق الضغوط على إيران ونظام بشار الأسد، في طريقة تصدّيه لتظاهرة الانتفاضة الشعبية ضد السلطة السياسية، التي يشكّل حجر الزاوية في تركيبتها، يوم السبت 6 يونيو (حزيران) الحالي. ولا يمكن فصل ما حصل من مواجهات وحوادث أمنية خطيرة أخذت طابعاً مذهبياً وطائفياً عن تلك الضغوط، وآخرها بدء سريان تطبيق قانون “قيصر” الأميركي للعقوبات التي تطال التعامل مع النظام السوري منذ مطلع الشهر.

تأزيم المأزوم

وإذا كان بدء تطبيق قانون العقوبات الأميركي صادف مع وضع لبناني مأزوم مالياً واقتصادياً وسياسياً، يضع “الحزب” في موقع المسؤولية أكثر من غيره من الفرقاء السياسيين عن إيجاد الحلول، فإنّ موجبات تطبيقه ليست معزولة عن إثارة مجموعة عناوين تفرض نفسها لمعالجة التأزم المعيشي الذي يمرّ فيه اللبنانيون، أبرزها مسألة التهريب والتهرّب الجمركي التي يُلام “حزب الله” على عدم إيجاد حلّ لها، بحكم حمايته لجزء من هذين التهريب والتهرّب، بسلاحه وفائض القوة الذي يتمتّع به. وهي مسألة ستُطرح بإلحاح مع تحدّي تطبيق قانون “قيصر”.

والأحداث الأمنية التي حصلت السبت (6 يونيو) تتّسم بأبعاد الخطيرة للأسباب التالية:

أولاً، تحويل الانتفاضة الشعبية إلى شارعين. ردّ الحزب على طرح مسألة نزع سلاحه وتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 من قبل بعض الثوار عشية تظاهرة السبت، بإنزال مناصريه إلى الشارع ضد جمهور الانتفاضة الشعبية، بحيث طغى تحوّل المسرح السياسي إلى صدام بين شارعين، على الاحتجاج الشعبي ضد تردّي الأوضاع المعيشية. وعلى الرغم من أن قادة التحرك الشعبي والرموز السياسية التي تدعمه نجحوا في التقليل من أهمية طرح مجموعة صغيرة لشعار نزع سلاح الحزب واعتبروه شعاراً يفرّق ولا يجمع في هذه الظروف، فإنّ الحزب هيّأ للتحرّك المضاد لتظاهرة السبت قبل أيام من حصولها، فطلب من أنصاره الذين يستخدمهم في مثل هذه الحالات في بعض أحياء بيروت، الاستعداد للتحرّك ضد تحرّك الثوار. وجاء ذلك على الرغم من تطمينات قدمها فرقاء خصوم للحزب بأنهم ليسوا مع طرح شعار نزع سلاحه خلال التظاهرة الشعبية، مثلما ظهر في تصريحات رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع ورئيس حزب “الكتائب” سامي الجميل وغيرهم. وعزّز ذلك، الاعتقاد بأنّ التحرّك المضاد لمناصري “حزب الله” بالشكل الذي حصل، يتعدّى الاعتراض على طرح مسألة السلاح وصولاً إلى توجيه رسالة بقدرته على مواجهة الضغوط وأخيرها وليس آخرها، تطبيق قانون “قيصر” في لبنان.

ثانياً، التعبئة المذهبية أنذرت بصدام مذهبي وطائفي. وجّه “حزب الله” أنصاره بشكل منظَّم نحو استخدام شعارات تستهدف إظهار القوة والتحدّي إزاء السُنّة لكنه لم يتمكّن من ضبط هؤلاء الأنصار نتيجة التعبئة المذهبية السابقة، عبر الهتافات التي صدحوا بها مثل “شيعة، شيعة” وغيرها من التعابير التي تمسّ رموزاً دينية. كما أراد الحزب أن يظهر قوته إزاء الوضع المسيحي في منطقة عين الرمانة المسيحية، التي لـ”القوات اللبنانية” و”الكتائب” نفوذ فيها، حيث الجمهور أيضاً معبّأ ضد “الحزب”. وهي مواجِهة لمنطقة الشياح الشيعية. ومع أن مراقبين رأوا أن القصد كان تخويف اللبنانيين والجهات الخارجية الضاغطة على الحزب من إمكانية عودة الحرب الأهلية، باعتبار أن أي صدام في هاتين المنطقتين، يرمز إلى الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 وانتهت عام 1990 باتفاق الطائف. لكن الأوساط المقربة من “الثنائي الشيعي” (حزب الله وحركة أمل) تنفي ذلك وتحيل أصحاب هذا الرأي إلى مطالعة الأمين العام حسن نصر الله عن حرص الحزب على تجنّب أي حرب داخلية.

ثالثاً، رسالة الحزب الفائضة عن هدفها. إن الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي كانا على علم مسبق من “حزب الله” بتحرّك أنصاره، مع تأكيد قيادته لهما، على حصر الأمر بالاعتراض على طرح مسألة السلاح، من دون حصول صدامات مع المتظاهرين، ما أتاح لهما التصرّف بسرعة في ردع أنصار “الثنائي الشيعي” عن التسبّب بهذا الصدام. ومُنع أنصار الطرفين الشيعيين من النزول إلى الساحة التي شهدت تظاهرة المحتجين على السلطة والوضع المعيشي، وحُصرت الاشتباكات المذهبية والطائفية في أكثر من مكان.

جملة ضغوط

سبق تحرك “الحزب” حيال تجديد التظاهر من قبل الانتفاضة الشعبية، جملة ضغوط أرخت بثقلها على كاهله على الرغم من شعوره بفائض القوة، وأبرزها استمرار الحملة على رعايته التهريب على المعابر غير الشرعية في البقاع الشمالي إلى سوريا، لا سيما المواد المدعومة، والتهرّب الجمركي في مرفأ بيروت وحتى في المطار، كسبب من أسباب تراجع مالية الخزينة.

كذلك جرى تصعيد المطالبة الأميركية بانسحابه وطهران من سوريا، في موازاة تصاعد الضربات الجوية الإسرائيلية ضد الوجود الإيراني في مناطق سورية عدّة، وهي ضربات مُجازة من “الحليف” الروسي وسط التباينات والتنافس بين موسكو وطهران على الساحة السورية.

كما شكّل طرح واشنطن المبكر تغيير تفويض القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل) قبل التمديد لمهمتها في أغسطس (آب) المقبل، ضغطاً إضافياً، إذ إنّه وبموجب الطرح الأميركي، تُعطى قوات “اليونيفيل” حق الدخول إلى المساكن المدنية في قرى جنوب الليطاني للتفتيش عن سلاح “الحزب”.

ويُضاف إلى كل ذلك، نجاح الضغوط الأميركية في دفع حليف “حزب الله”، “التيار الوطني الحر” ورئيسه النائب جبران باسيل إلى المجاهرة عبر بعض نواب “التيار” بالاختلاف مع “الحزب” حول مسألة السلاح. وهو أمر جاء بعد نجاح باسيل في الضغط لتلبية طلب الرئيس دونالد ترمب الإفراج عن الأميركي من أصل لبناني عامر الفاخوري قبل شهرين، الذي كان يُحاكم بتهمة التعامل مع إسرائيل. ومارس الجانب الأميركي ضغوطاً من خلال تدخله في عدد من القضايا اللبنانية الداخلية التي اعتاد “الحزب” أن تكون له الكلمة الأخيرة فيها بحال حصول خلافات بشأنها، مثل التعيينات المالية ودفاع واشنطن عن بقاء حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في منصبه…

الحرج من طرح قانون “قيصر” على الحكومة

وأخيراً فوجئ “حزب الله” ومعه حليفه رئيس البرلمان و”حركة أمل” نبيه بري بطرح نائب رئيس الحكومة، وزيرة الدفاع زينة عكر على مجلس الوزراء نسخة عن قانون “قيصر” من أجل مناقشته بعد اتفاقها مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة حسان دياب على ذلك. وأثار ذلك حفيظة “الحزب” وبري، اللذين علما لاحقاً أن طرح الأمر على مجلس الوزراء حصل نتيجة تنبيه أميركي لأوساط حكومية بأن على السلطات اللبنانية أن تهيّء نفسها لما يترتّب على تطبيق عقوبات “قيصر” لجهة التعامل التجاري والمالي مع نظام الأسد، بعدما كان نصر الله وحلفاؤه ينادون بالتوجه “شرقاً” لمعالجة الأزمة الاقتصادية عبر البوابة السورية لضمان تصدير الإنتاج اللبناني إلى العراق والدول العربية، ما يتطلّب التفاهم مع السلطات السورية والانفتاح عليها لهذا الغرض. وفي اعتقاد العارفين برد فعل “حزب الله” على قانون “قيصر” أنه ينظر إليه باعتباره وسيلة ضغط جديدة على موقعه المتفوّق على سائر القوى السياسية المحلية، فأبدى عبر وزيرَيْه في الحكومة انزعاجاً شديداً من قرار الحكومة بحثه. وسألت قيادة “الحزب” عن المبرر الجوهري لمناقشته، فيما اعتبر بري أن “الحكومة وضعت نفسها في موقف حرج”. ورأى أن طرح “قيصر” على بساط البحث رسمياً يعني أن الحكومة باتت ملزمة بإعطاء موقف حياله للأميركيين، فإذا وافقت على الانصياع له، فذلك مشكلة، وإذا لم توافق سيسبّب ذلك مشكلة جديدة معهم.

حتى استيراد الكهرباء يخضع لـ “قيصر”

وأشارت معلومات من مصادر وزارية لـ”اندبندنت عربية” إلى أن الرد على تحفّظ “الحزب” بشأن البحث في تفادي عقوبات قانون “قيصر”، كان أنه حين فرضت واشنطن في إطار عقوباتها على التعامل مع “الحزب”، إقفال بنك جمّال (جمّال ترست بنك) العام الماضي لم يستطع لبنان إلّا الانصياع للقرار، نظراً إلى قناعة كل الأطراف باستحالة منع تنفيذه. وأضافت مصادر سياسية لـ”اندبندنت عربية” أنه لم يكن أمام الحكومة إلّا أن تتبلّغ بطريقة شبه رسمية بقانون “قيصر”، لا سيما أن تأثيراته متّصلة بجهود معالجة الأزمة الاقتصادية. وأعطت مثلاً على ذلك بالقول إنه بالنسبة إلى استيراد الكهرباء الذي يحصل حالياً من سوريا، جرى البحث في إمكان الاستغناء عنه إذا كان سيخضع للعقوبات من زاوية تحريم القانون الأميركي التعامل مع أي مؤسسة سورية تابعة للنظام وتستفيد مالياً من لبنان. ولفتت إلى أنه جرى التفكير بالعودة إلى عرض قدّمه الملك الأردني عبد الله الثاني قبل أكثر من سنة لتزويد البلاد بالكهرباء، وأن التدقيق بالأمر أفضى إلى استبعاد الفكرة، نظراً إلى أن خطوط الإمداد من شمال الأردن وصولاً إلى لبنان يفترض أن تمرّ في سوريا، وهذا الأمر قد يخضع للعقوبات. وعلى الرغم من أن الخبراء الذين درسوا نص “قيصر” يَرَوْن أن كل ما هو “ترانزيت” (حركة عبور) لا يخضع للعقوبات، فإن وجهة نظر أخرى تقول إنه إذا كانت بيروت ستدفع رسوماً لدمشق مقابل تمرير الطاقة، فإنّ هذه الرسوم تُخضِعها للعقوبات.

التهريب وضبط الحدود

تنتهي الأوساط المتابعة لمفاعيل “قيصر” على لبنان إلى التأكيد على أنه سيتأثر حكماً فيها وأن شركة مقاولات كبرى تملك مشاريع مهمة في سوريا جرى تنبيهها من قبل الأميركيين إلى مفاعيل القانون، فانسحبت وسلّمت المشاريع إلى شركات سورية أُنشئت خصّيصاً لهذا الغرض. وحذت شركات ومؤسسات روسية وأوروبية شرقية حذو الشركة اللبنانية أيضاً. لكن الأهم هو أن مسألة التهريب عبر المعابر وتمرير البضائع من سوريا إلى لبنان أو العكس، التي يرعى الحزب جزءًا كبيراً منها، ستخضع لرقابة أميركية حثيثة من أجل تحديد الجهات اللبنانية التي تتعاون مع النظام السوري لإخضاعها للعقوبات، سواء كانت شركات أو أفراد. وسيضرّ ذلك بتمويل “الحزب” أو بالخطوات التي يسعى من خلالها إلى مساعدة طهران ودمشق، في الالتفاف على العقوبات من خلال الحدود المفتوحة بين لبنان وسوريا. وليس بعيداً من ذلك، فإن مسألة ضبط الحدود مطروحة من قبل صندوق النقد الدولي في ظل معلومات عن أن الجانب الأميركي سيقف ضد تقديم مساعدات مالية للبنان إذا لم يضبط هذه الحدود.

المصدر: اندبندنت عربية

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى