من الانفصال إلى هزيمة حزيران

معقل زهور عدي

قلة هم الذين اهتموا بإلقاء الضوء على العلاقة بين الانفصال وهزيمة حزيران، فبقاء دولة الوحدة كان يعني جيشًا واحدًا بقيادة واحدة واستراتيجية واحدة، فإذا لم تكن الظروف مناسبة للحرب فلا يمكن أن تدخل الدولة في حرب خاسرة.

وبقاء دولة واحدة وجيش واحد لم يكن يتيح لإسرائيل الفرصة للانقضاض على السلاح الجوي المصري وتدميره وترك شمال اسرائيل وقلبها مفتوحًا أمام طيران دولة الوحدة.

وبقاء دولة واحدة كان يعني وضع استراتيجية حربية واحدة بمواجهة اسرائيل، ومثل تلك الاستراتيجية لابد أن تأخذ العوامل الجغرافية بالاعتبار، فضعف اسرائيل الاستراتيجي ليس من جهة النقب (حدودها مع مصر) ولكن من جهة الجولان الذي لا يبعد عن حيفا سوى رمية حجر، فأي توزيع للقوى العسكرية بما في ذلك الطيران ستكون الكفة الوازنة فيه من جهة الجولان.

أيضًا لو بقيت دولة الوحدة لما احتاجت القيادة المصرية لإرسال الجيش لسيناء لتهديد اسرائيل وردعها عن الهجوم على سورية، ببساطة كانت ستكتفي بالدفاع في الجبهة الجنوبية وترسل معظم القوات للجولان والجبهة السورية.

منذ حرب حزيران كتب الكثير حولها، ولاشك أن الحرب كما يقال امتحان للدولة والمجتمع، ولاشك أن الفساد كان داخل قيادات الجيش المصري، ولاشك أن غياب الديمقراطية سمح للفساد بالوجود والتكاثر، كل ذلك صحيح، لكن نقد الدولة والمجتمع على أحقيته أخفى بعض الحقائق، ومنها دور الانفصال في الهزيمة، ودور مزايدات البعث التي ثبت أنها فارغة من أي محتوى حقيقي، ومنها بعض الحقائق العسكرية أيضًا، فسلاح الطيران الاسرائيلي كان قد أحرز تقدمًا مهمًا قبل 1967، والكثيرون من جيلنا يعرفون كيف أن الطيارين الاسرائيليين تدربوا هم والطاقم الأرضي على صيانة الطائرة وتذخيرها بوقت قياسي على مستوى العالم وبذلك نفذت اسرائيل طلعات متلاحقة لقصف المطارات المصرية تعادل ضعف ما تملك من طائرات ( كانت تملك حوالي 400 طائرة مقاتلة )، وكل الحروب الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية قد برهنت أن أي جيش يحرك آلياته بدون غطاء جوي ( دفاع جوي أو طيران يمتلك نفس مستوى التقدم ) سوف يتم سحقه خاصة اذا تحرك بأرض مكشوفة، وهذا لم يحصل فقط مع الجيش المصري في سيناء بل حصل بعد عقود مع الجيش العراقي في حرب الخليج الأولى وقد دمر للجيش العراقي من الدبابات والآليات ربما أكثر مما دمر للجيش المصري في سيناء، ولم يستطع أن يفعل شيئا أمام الطيران الذي كان يقصف بدقة من ارتفاعات عالية، ولا أذكر أنه أسقط طائرة أميركية واحدة .

لست بمعرض الدفاع عن أداء الجيش المصري في حرب حزيران فأداؤه كان سيئًا مهما كان، وقياداته لم تكن مستعدة للقتال، لكن ذلك لا ينبغي أن يغيب عنا حقائق عسكرية مرتبطة بتوازن القوى ودور تفوق الطيران في وقت لم تكن فيه الصواريخ المضادة للطائرات قد ظهر دورها وأمكن الحصول عليها. وبالعودة لأصل الموضوع، فنحن لم نهزم في حزيران 67، إنما هزمنا حين دمرت دولة الوحدة .

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى