مناورة الكرملين السورية

بسام مقداد

موجة المقالات والتعليقات العربية والغربية على انتقادات الإعلام الروسي الأخيرة للنظام السوري والأسد نفسه، أخذ الكرملين يضيق بها ذرعاً، وقرر مواجهة “تماديها” في تفسير وتأويل هذه الانتقادات على غير ما كان يستهدفه من ورائها، كما يزعم. وفي سياق قرار مواجهة “التمادي” هذا جاء قرار بوتين الإثنين في 25 من الجاري تعيين السفير الروسي في سوريا ألكسندر يفيموف ممثلاً خاصاً له “لتطوير العلاقات” مع سوريا، علماً أن مثل هذه المهمة تدخل في صلب مهمات أي سفير. ولم يوضح القرار ماذا حل بالممثل الخاص الآخر للرئيس الروسي ألكسندر لافرنتيف في سوريا، إلا أن موقع “rambler” الإخباري الروسي، وفي إطار تعليقه، الثلاثاء في 26 من الجاري، على كلام المعارض السوري كمال اللبواني حول خطة روسية تنال موافقة أميركية، تستهدف استبدال الأسد بمجلس قيادة عسكري، وتأكيد الموقع بأن هذا الكلام يتعارض مع قرار بوتين تعزيز “مؤسسة الممثلين الخاصين للرئيس في سوريا”.

قرار تحويل التمثيل الخاص للرئيس الروسي في سوريا إلى مؤسسة، يأتي في سياق التوجه، الذي اعتمده الكرملين سابقاً بالنأي العلني بالنفس عن إنتقادات إعلام “طباخ” بوتين يفغيني بريغوجين للنظام السوري، والتأكيد على العلاقات الوثيقة مع هذا النظام. وكانت وكالة نوفوستي قد نقلت، قبل يوم من قرار بوتين هذا، عن المنسق بين البرلمانين الروسي والسوري، النائب في مجلس الدوما ديمتري سابلين، في تعليق على مقالة نيوزويك الأميركية عن “تعب” روسيا من سوريا، قوله بأن من المهم بالنسبة للغربيين أن تخرج روسيا من سوريا. وقال بأن سوريا، وبدعم من حلفائها، أظهرت أنه يمكن مقاومة مدحلة فرض الديموقراطية بالقوة، التي وقع تحتها عتاة الإرهابيين أيضاً. وأكد بأن أولئك، الذين يعتبرون أنفسهم “أسياد العالم”، لا يستطيعون تقبل رفض ديموقراطيتهم تلك، وقال بأن الأميركيين يصورون ما يتمنونه واقعاً، كما في حال الرغبات، التي عبرت عنها الصحافة الأميركية، بأن يموت من الروس، جراء وباء الكورونا، أكثر مما يموت من الآخرين.

مناورة الكرملين للالتفاف على ذيول انتقادات أجهزة إعلام “الطباخ”، وما تركته من آثار سلبية على علاقته بنظام الأسد، فشلت، حتى الآن على الأقل،  بإقناع أحد أن لا شيئ يشوب هذه العلاقات. فقد سبق لصحيفته “vz” بالذات، أن كتبت بأن الرسميين الروس ينفون الإشاعات عن وجود خلافات مع الأسد، ويقولون بأنها ليست سوى دسائس من الغرب، الذي يسعى لدق إسفين بين الحلفاء، إلا أن “لا دخان بلا نار”، على قولها. وقالت بان لدى روسيا والأسد نظرات مختلفة لعملية التسوية السياسية في سوريا، فهو والجنرالات السوريون والإيرانيون الذين يقفون خلفه، ليسوا بوارد “التصالح” مع الإرهابيين المعتدلين، ولا تقاسم السلطة معهم. وتقول بأن روسيا تحاول أن تشرح لهم، بانه يستحيل إنهاء الحرب الأهلية السورية من دون هذا التصالح، ومن دون تنازلات، إلا أنها فشلت حتى الآن في إقناعهم، مما يجعلها مضطرة لمواصلة حملتها السورية.

وإذا كانت مناورة الكرملين لم “تقنع” صحيفته بعدم وجود تباعد مع الأسد وجنرالاته السوريين والإيرانيين، فكيف لها أن تقنع الغربيين، الذين يتربصون بوجودها في سوريا، ويريدون لها أن “تغرق في المستنقع السوري”. فقد نشرت الواشنطن بوست الثلاثاء في 26 من الجاري بعنوان “الأسد يصطدم بأكثر التحديات جدية خلال تسع سنوات”، نقلته نوفوستي تحت عنوان إضافي “الأسد يفقد دعم موسكو وشعبيته وسط حلفائه”. لم تلتفت الصحيفة لمناورة الكرملين تلك، وانطلقت من تأكيدات الإعلام الروسي السابقة على الخلافات بين النظام السوري والكرملين، لتؤكد على أن الصعوبات، التي يواجهها الأسد في مقاربته للعملية السلمية، تتخطى ما واجهه في “زمن الحرب”. وفي محاولتها لتفسير فشل الكرملين في مواجهة عواقب انتقاداته للأسد، تستشهد الصحيفة برأي الخبير الروسي فيودور لوكيانوف، رئيس “مجلس السياسة الخارجية والدفاع” غير الرسمي، وعضو قيادة المجلس الروسي للعلاقات الخارجية. يقول لوكيانوف إن روسيا، التي تدخلت في الصراع السوري منذ العام 2015، حققت أهم أهدافها الخارجية، وليست عازمة على التخلي عن ما تحقق. ويؤكد أن الأسد يعتمد، بالطبع، على الدعم الروسي له، لكن، على الصعيد السياسي، روسيا أيضاً تعتمد على الأسد، وليس من المسموح، بالنسبة لها، تركه لمصيره، لأن ذلك سيلحق بها ضرراً سياسياً فادحاً.

استنجد الكرملين في مناورته المكشوفة تلك، بكبير أكاديميي معهد الاستشراق الروسي فيتالي نعومكين، وبالسفير الروسي السابق في سوريا ونائب مدير المجلس الروسي للعلاقات الخارجية ألكسندر أكسينيونك. كتب الأول مقالة بالعربية في صحيفة خليجية، قال فيها بأنه تظهر في وسائل الإعلام العالمية، وخاصة في الشبكات الإجتماعية، في الآونة الأخيرة، الكثير من المواد حول تفاقم “التناقضات المزعومة” بين موسكو ودمشق أو حتى عن عزم روسيا على إعادة النظر في سياستها في ما يتعلق بالأزمة السورية. وأكد نعومكين على شعارات الكرملين المعهودة في مساعدة دمشق في الحرب على الإرهاب، ودعم إستقلالها و.. والإلتزام بقرار مجلس الأمن 2254، والعمل على استئناف عمل اللجنة الدستورية، الذي يواجه الآن صعوبات “ناجمة عن وباء الكورونا”! ومن دون أن ينسى ذكر استمرار التنسيق بين روسيا وتركيا وإيران في سوريا، يعبر عن عتبه على المبعوث الأميركي إلى سوريا لقوله “وظيفتي هي خلق مستنقع للروس هنا”، ويتساءل ما إن كان الرجل مبعوثاً إلى سوريا ومحاربة الإرهاب، أم أنه مبعوث “للحرب ضد روسيا؟”.

بدوره، السفير السابق ونائب مدير المجلس الروسي للعلاقات الخارجية ألكسندر أكسينيونك، الذي استشهدت معظم الصحف العالمية بانتقاداته الرصينة للنظام السوري، تحدث مجدداً عن سوريا في سياق مقالة مطولة على موقع المجلس المذكور بعنوان “وباء الكورونا والصراعات في الشرق الأوسط”، انتقد فيها تصوير الإنتقادات الروسية للأسد ونظامه، بأنها فراق بين موسكو ودمشق. ويقول الرجل، بأن موجة اجتاحت الإعلام العربي والغربي خلال شهري نيسان وأيار/أبريل ومايو من مختلف المتاجرات بالعلاقات الروسية السورية، حيث زعمت بأن  المقالات في المطبوعات وشبكات التواصل الروسية، التي تضمنت نقداً إيجابياً لسياسة دمشق المتصلبة حيال مسائل التسوية السياسية والفساد واسع الإنتشار (يقصد مقالته الشهيرة، كما يبدو)، الذي لا يعرقل إعادة الإعمار فحسب، بل ويعرقل معالجة القضايا الإجتماعية الإقتصادية الملحة، وزعمت بأن هذه الإنتقادات تعكس استياء الدوائر الروسية العليا من الرئيس بشار الأسد شخصيا.

ويأسف الرجل لردة الفعل “المغالية في عاطفيتها” لبعض “ممثلي المجتمع” في دمشق ووسائل الإعلام الموالية لها، على الإنتقادات الروسية، ويقول بأنها اتسمت بخطابية أيديولوجية من الأزمنة الغابرة، وبتصورات ساذجة عن السياسة الخارجية. ويقول بأن أصحاب ردة الفعل تلك يقسمون الخبراء الروس إلى “مع”  و”ضد”، إلى “موالين للغرب” و”وطنيين”، يسعى الأولون منهم إلى بيع “العلاقات التحالفية” بين روسيا وسوريا.

لم ينضو كل الإعلام الروسي تحت مناورة الكرملين هذه، بل فضل معظمه الإحتفاظ بصمت مطبق حيالها. إلا أن صحيفة القوميين الروس “sp” خرقت هذا الصمت وكتبت مقالة بعنوان “مؤامرة الكرملين: بوتين لن يقيل الأسد، إذا ما تمكن من تبرير نفسه”، أي أنها وصفت المناورة بالمؤامرة، وقالت بأن سوريا تنتظر تبدلاً في السلطة وتدرس مزاج موسكو. وقالت بأن الأحاديث تدور منذ زمن بعيد عن أن موسكو مستاءة من أفضل أصدقائها في الشرق الأوسط (بعد نتنياهو بالطبع، حسب الصحيفة)، أن لا أحد يستطيع ذكر الأسباب الملموسة لذلك، غير الحديث عن فساد ما. إلا أنه من المستبعد، حسب الصحيفة، أن “تخيف سلطتنا أو تهينها بالفساد”، طالما أن الأسد يسرق في سوريا، ولا ينتزع من فم أحد في روسيا لقمته السائغة.

وتنتهي الصحيفة إلى القول، بأنه لو لم يطح الأسد بنسيبه رامي مخلوف، لكان عمد بوتين وروحاني إلى إقالته،  أو لم يكونا ليسمحا بانتخابه مرة جديدة في العام القادم. أما الآن فمن المؤكد أن الأسد سوف يترشح للإنتخابات الرئاسية مع إحتمال مرتفع بأنه سيواصل رئاسته لسوريا.

المصدر: المدن

اترك تعليقاً
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى