مخلفات الذخائر العنقودية تهديد مفتوح لحياة الأجيال القادمة في سورية

قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الصادر اليوم إن مخلفات الذخائر العنقودية تهديد مفتوح لحياة الأجيال القادمة في سوريا، وعرضت خرائط لمناطق انتشار مخلفات الذخائر العنقودية في العديد من المحافظات السورية، وأضافت أن 1435 مواطن سوري بينهم 518 طفلاً قد قتلوا بالذخائر العنقودية ومخلفاتها التي استخدمها النظام السوري وروسيا في سوريا.

قال التقرير -الذي جاء في 43 صفحة- إنَّ الأراضي السورية تعرضت على مدى قرابة 11 عاماً لقصف متكرر وكثيف بالذخائر العنقودية من قبل النظام السوري أولاً، ومن قبل القوات الروسية بعد تدخلها العسكري ثانياً، وإنَّ مئات الهجمات وجهت نحو أهدافٍ مدنية بما فيها أراضٍ زراعية أو مناطق مأهولة بالسكان، وخلَّفت ضحايا قتلى ومصابين في صفوف المواطنين السوريين. وفي هذا السياق أورد التقرير عدة أنماط ميزت استخدام قوات الحلف السوري الروسي لهذه الذخائر العشوائية، وأوضح أن خطورتها تكمن في الآثار المترتبة عليها، التي تتجاوز حقبة الحروب والنزاعات، فإضافةً إلى الضحايا الذين يقتلون بفعل انفجار الذخائر العنقودية وقت الهجوم، فإنَّ هناك قرابة 10 – 40 % من هذه الذخائر لا تنفجر، وأكد التقرير على أن المئات من الذخائر العنقودية في سوريا قد تحولت إلى ما يُشبه الألغام الأرضية، التي تؤدي إلى قتل أو تشويه المدنيين وتحقيق إصابات بليغة في صفوفهم.

يقول فضل عبد الغني المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان:

إنَّ كل هجمة بالذخائر العنقودية تعني أنَّ هناك العشرات وربما المئات من المخلفات، ومن ضمنها نسبة قد تصل إلى قرابة 40% لم تنفجر بعد، مما يجعلها بمثابة ألغام قاتلة لسكان المناطق، ومما دفعنا إلى إصدار هذا التقرير الشامل هو توثيقنا وقوع ضحايا ومصابين من هذه المخلفات كل فترة من الزمن، فكان لا بدَّ من بناء خرائط توضح مناطق انتشار هذه المخلفات كي يتم تحذير السكان عند التنقل فيها أو زراعتها، ولتقوم القوى المسيطرة بوضع علامات خطر في محيطها، والعمل الجدي على إزالتها“.

وفقاً للتقرير فإن أوَّل استخدام موثَّق للذخائر العنقودية في سوريا كان في تموز/ 2012، وإن النظام السوري والقوات الروسية هما فقط الجهتان اللتان استخدمتا الذخائر العنقودية في سوريا، وأشار التقرير إلى صعوبات كبيرة وتحديات خاصة في تحديد المسؤولية عن حوادث القتل أو الإصابة بمخلفات الذخائر العنقودية، التي لا تنفجر وقت الهجوم، وتتحول إلى ما يشبه الألغام الأرضية، واستعرض أبرزها، وأسندَ التقرير المسؤولية في مثل هكذا حوادث قتل أو إصابة إثر انفجار مخلفات الذخائر العنقودية إلى الحلف السوري الروسي.

استند التقرير بشكلٍ أساسي على قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان لضحايا القتل خارج نطاق القانون، وقاعدة بيانات الهجمات بالذخائر العنقودية، واتبع منهجاً مركباً قائم أساساً على المنهج الإحصائي، وقدم تحليلاً للبيانات، بالاعتماد على التحليل الإحصائي. كما اعتمد المنهج الكرونولوجي في دراسة سياق استخدام الذخائر العنقودية في سوريا. والمنهج الوصفي التحليلي لتقديم خرائط تظهر رقعة المساحات التي شهدت انتشار ذخائر عنقودية.

عرض التقرير بعض جوانب استخدام الذخائر العنقودية في سوريا منذ عام 2012، ورصد تصعيداً غير مسبوق في استخدامها بعد إعلان القوات الروسية عن تدخلها العسكري في سوريا في 30/ أيلول/ 2015، وفي هذا السياق سجل التقرير ما لا يقل عن 496 هجوماً بذخائر عنقودية منذ تموز/ 2012 حتى كانون الثاني/ 2023، 251 منها على يد قوات النظام السوري و237 على يد القوات الروسية، و8 هجمات روسية/ سورية. وذكر التقرير أنه على الرَّغم من صعوبة تحديد حصيلة الجرحى الذين أُصيبوا نتيجة انفجار الذخائر العنقودية إلا أنَّ الشبكة السورية لحقوق الإنسان تُقدِّرها بـقرابة 4410 مدنيين تعرَّضوا للإصابة، عدد كبير منهم تعرَّض لبتر في الأطراف ويحتاجون أطرافاً صناعية وسلسلة من عمليات إعادة التَّأهيل والدَّعم.

استعرض التقرير نماذج عن أبرز أنماط الذخائر التي تم استخدامها في سوريا وتمكَّن من تحديدها، وقدَّر التقرير أنَّ ما لا يقل عن 20 نوعاً من الذخائر العنقودية قد تم استخدامها في سوريا من قبل قوات الحلف السوري الروسي. وفي هذا الإطار تناول التقرير عام 2016 كدراسة حالة، على اعتبار أنه شهد قرابة 38 % من حصيلة الهجمات بالذخائر العنقودية، وقدَّم ما توصل إليه من نتائج كنموذج تحليلي.

قدَّم التقرير خرائط لبعض المحافظات السورية، تُظهر بشكلٍ تقريبي مساحات يرجح أنها ملوثة بمخلفات الذخائر العنقودية كي يتم تجنبها من قبل السكان المحليين. وأكد أنَّها تعبر عن الحد الأدنى من الانتشار، مشيراً إلى تحديات عديدة واجهت فريق العمل في أثناء إعدادها، جميعها تؤثر بشكل أو بآخر على المساحات التي تمكن من تحديدها. وتعكس الخرائط المساحات التي شهدت كثافة أكبر في حصيلة الهجمات، وحصيلة الضحايا الذين قتلوا نتيجة لها.

سجل التقرير مقتل 1053 مدنياً بينهم 394 طفلاً و219 سيدة إثر هجمات بذخائر عنقودية في سوريا، منذ أول استخدام موثق لهذا السلاح في تموز/ 2012 حتى كانون الثاني/ 2023. من بين الضحايا 6 من الكوادر الطبية، و1 من الكوادر الإعلامية، و3 من كوادر الدفاع المدني. ووفقاً للتقرير فقد تسببت هجمات النظام السوري في مقتل 835 مدنياً بينهم 337 طفلاً و191 سيدة، و5 من الكوادر الطبية، و2 من كوادر الدفاع المدني. فيما قتل 218 مدنياً بينهم 57 طفلاً و28 سيدة، و1 من الكوادر الطبية، و1 من الكوادر الإعلامية، و1 من كوادر الدفاع المدني إثر هجمات نفذتها القوات الروسية. وعرض التقرير المؤشر التراكمي لحصيلة الضحايا، ورسوماً بيانية لتوزع الضحايا بحسب السنوات وبحسب المحافظات السورية، وأظهر تحليل البيانات أنَّ عام 2016 قد شهد مقتل قرابة 42 % من حصيلة الضحايا، كما أنَّ قرابة 63 % من حصيلة الضحايا في عام 2016 كانت على يد قوات النظام السوري.

كما سجل التقرير حتى كانون الثاني 2023 مقتل ما لا يقل عن 382 مدنياً بينهم 124 طفلاً و31 سيدة إثر انفجار ذخائر فرعية تعود إلى هجمات سابقة بذخائر عنقودية شنتها قوات الحلف السوري الروسي.

أكدَّ التقرير أن استخدام قوات النظام السوري والقوات الروسية لذخائر عنقودية يُعتبر انتهاكاً لكلٍّ من مبدأي التمييز والتناسب في القانون الدولي الإنساني، ويُعتبر بمثابة جريمة حرب. كما أن قوات الحلف السوري الروسي خرقت بشكل لا يقبل التَّشكيك قراري مجلس الأمن 2139 و2254 القاضيَين بوقف الهجمات العشوائية، وخرقت عدداً واسعاً من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، وانتهكت عبر جريمة القتل العمد المادتين السابعة والثامنة من قانون روما الأساسي؛ ما يُشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وأضاف أن النظام الروسي تورَّط في دعم النظام السوري الذي ارتكب جرائم ضدَّ الإنسانية وجرائم حرب بحق الشعب السوري، عبر الدفاع عنه سياسياً، وفي مختلف المحافل الدولية، وعبر تزويده بالسلاح والخبرات العسكرية، وتجلى ذلك بشكل صارخ في التدخل العسكري المباشر إلى جانبه، وإنَّ دعم نظام متورط في جرائم ضدَّ الإنسانية يُشكِّل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي ويجعل النظام الروسي عرضةً للمحاسبة.

أوصى التقرير مجلس الأمن بإصدار قرار خاص بحظر استخدام الذخائر العنقودية في سوريا على غرار حظر استخدام الأسلحة الكيميائية ويتضمَّن نقاطاً لكيفية نزع مخلفات تلك الأسلحة الخطيرة. وأضاف أنه يجب ألا تمنع عضوية روسيا الدائمة في مجلس الأمن مساءَلتَها من قبل المجلس نفسه، وإلا فإنَّ هذا يُفقده مصداقيته المتبقية.

كما طالب المفوضية السامية لحقوق الإنسان بإدانة الاستخدام الواسع والمفرط للذخائر العنقودية ضدَّ المدنيين في منطقة إدلب، وتوجيه رسالة إلى مجلس الأمن الدولي في هذا الخصوص.

 

المصدر: الشبكة السورية لحقوق الانسان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى