العلاقات الروسية-التركية بين هجمات حلفاء الكرملين على دمشق وخلافات آل الأسد هل تغير شيء؟

إبراهيم درويش

كانت سورية وبالتحديد رئيسها بشار الأسد في قلب الأخبار الأسابيع الماضية وهذه المرة لم يكن مصير إدلب، آخر معقل للمقاومة ضد نظامه في شمال-غرب سوريا هو السبب، ولا حتى موضوع استكمال ما أكد على أنه استعادة كل شبر من سوريا وما خسره منذ عام 2011 فهذه المرة كانت الموضوعات التي تقلق بال النظام داخلية-داخلية تمس بالضرورة بنية السلطة الحاكمة وعلاقة الأسد مع القوى التي وقفت معه ومولته في وقت الحرب الأهلية.

 أما الموضوع الثاني فهو العلاقات الروسية-السورية وما استقرأ منه المعلقون وجود صدع أو “خيبة” أمل من رئيس روسيا فلاديمير بوتين بحاكم دمشق “العنيد”. وقالت تقارير ومنها ما نشره موقع “بلومبيرغ” إن الأسد بات يمثل خيبة أمل لبوتين، وقدم الموقع عددا من الأدلة عما يمكن وصفه بصدع في العلاقات، ذلك أن مواقع إخبارية موالية للكرملين شنت هجوما على الرئيس الأسد ووصفته مع زوجته أسماء والنخبة المقربة منهما بالفاسدين. ومفاد الأمر هو أن دبلوماسيا سابقا في دمشق، ألكسندر أكسينيوك نشر مقالا على موقع مجلس الشؤون الدولية الروسي، في 17 نيسان/إبريل واقترح فيه وجود توافق تركي-إيراني وروسي على تنحية الأسد. ونشرت وكالة الأنباء الفدرالية في 13 نيسان/إبريل ثلاثة تقارير منها استطلاع خلص إلى أن نسبة 32 في المئة فقط من السوريين ينوون التصويت للأسد في الانتخابات الرئاسية عام 2021 وتم حذف التقارير سريعا من موقع الوكالة. إلا أن ظهور تقارير ناقدة للنظام السوري والأسد تحديدا كانت كافية لفتح المجال أمام تحليلات وتكهنات حول مصير العلاقة الروسية-السورية.

تسوية

 فبعد تسعة أعوام من الحرب وخمس سنوات من التدخل الروسي في سوريا لإنقاذ الأسد، يطرح الكثيرون تساؤلات حول استراتيجية بوتين في هذا البلد الذي دمرته الحرب ، وحرصه على إنهاء الملف السوري وتحقيق تسوية ترضي المصالح الروسية. فليس سرا أن الكرملين يريد تسوية دبلوماسية بدون أن تهدد ما أنجزته موسكو في سوريا والمنطقة عامة. فروسيا اليوم هي الحكم الأول في الملف السوري، ومعظم القرارات المصيرية التي تتخذ فيه تتخذ من موسكو وليس من دمشق. وأنجز التدخل الروسي عددا من الأهداف، أهمها أنه منع انهيار الأسد، ذلك أن روسيا أعربت منذ البداية عن رفضها سياسة التدخلات الخارجية لتغيير الأنظمة، وطورت حساسية تجاه الثورات الوردية والقرمزية وغير ذلك. وبالضرورة حصلت موسكو على قواعد عسكرية في طرطوس وحميميم على الساحل السوري، كما وسعت من تأثيرها في المنطقة على حساب الولايات المتحدة التي لم يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اهتماما أبعد من محاربة تنظيم “الدولة” والسيطرة على منافع النفط السورية. وكانت تصريحات المبعوث الأمريكي لسوريا جيمس جيفري الأخيرة، لافتة عندما قال إن الولايات المتحدة تهدف لجعل سوريا “مستنقعا” لروسيا. لكن على خلاف التوقعات من إدارة باراك أوباما أن روسيا ستقرص مرة ثانية كما قرصت في أفغانستان، كان التدخل الروسي هذه المرة رخيصا مقارنة مع الهزيمة في أفغانستان. لكن لا يعني وجود معارضة في روسيا لتورط الكرملين في سوريا، خاصة في أوقات تعاني فيه روسيا من آثار حرب أسعار النفط وتداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد وعلى الشعب حيث تزايدت الإصابات منه في الآونة الأخيرة.

نقد

ومن هنا تبدو الحاجة لململة الملف السوري وإعلان النصر في سوريا كما ورد في تقرير “بلومبيرغ” (27/4/2020) لكن الروسي أعلن أكثر من مرة الانتصار في سوريا ليعود ويرسل المزيد من قواته. ولكن الموقع قرأ في تذمر الكرملين إشارة على عدم امتنان الرئيس السوري الذي أنقذ من الانهيار. ونقل الموقع عن أشخاص قال إنهم على إطلاع على المداولات في الكرملين قولهم إن بوتين يريد من الرئيس السوري إظهار نوع من المرونة في المحادثات مع المعارضة للتوصل إلى تسوية توقف حربا أهلية طويلة. وعلق الموقع أن رفض الأسد التنازل للمعارضة السورية عن أي سلطة مقابل الاعتراف الدولي بنظامه وتدفق مليارات الدولارات إلى البلاد للمساهمة في إعادة إعمار البلاد أدى إلى انفجار غضب غير عادي في الصحف والمجلات الروسية التي ترتبط ببوتين. وفي هذا السياق نقل ما قاله ألكسندر شوملين، الذي يدير مركز أوروبا-الشرق الأوسط في موسكو: “يحتاج الكرملين إلى التخلص من صداع سوريا” و “المشكلة هي مع شخص واحد هو الأسد وحاشيته”. واعترف الموقع أن انزعاج بوتين يكشف عن ورطة روسيا وهي أن الطرفين يعرفان ألا بديل عن الزعيم السوري للتوصل إلى تسوية. لكن الأسد رفض الضغوط الروسية من أجل تقديم تنازلات ولو رمزية للمعارضة. وفي هذا الإطار نفى المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الأخبار عن عدم سعادة بوتين من الأسد ورفضه التنازل للمعارضة من أجل الحصول على دعم في الأمم المتحدة. ولم يبتعد مقال الموقع عن جوهر النقد وهو ما يبدو من حالة

إحباط بين رجال الأعمال الروس الذين فشلوا بالحصول على عقود تجارية بسوريا، حسب دبلوماسي يتابع الشؤون السورية. وأضاف إن روسيا تعي الوضع الصعب في البلاد، حيث أن فشل الأسد بتوفير الحاجات الأساسية، وفيروس كورونا، ومشكلة شبكات الفساد قد يدفع بثورة مستقبلية داخل مناطق محددة تسيطر عليها الحكومة.

وحتى الآن لم يحدث تغيير في السياسة الروسية من سوريا، ذلك أن أي قرار سيظل مرتبطا باللاعبين على الأرض غير النظام السوري الذي يبدو في الوقت الحالي آمنا، فهناك إيران وتركيا والولايات المتحدة ولدى كل منها رهانات تريد تحقيقها. ومثل العلاقة مع إيران ظلت علاقة سوريا مع موسكو استراتيجية وتواصلت حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، خاصة أن معظم السلاح السوري هو من روسيا. وعليه يمكن فهم المقالات والاستطلاعات والتصريحات التي عبرت عن عدم ارتياح، على أنها مجرد تذمر لأن روسيا في سوريا لتبقى كما يقول كمال علم، الزميل السابق في المعهد الملكي للدراسات المتحدة بلندن في مقال نشره على موقع الموقع يوم 15/5/2020 مشيرا إلى أن مظاهر الاحباط الروسي التي عبر عنها السفير السابق أكسينيوك وإن كانت مهمة، لكنها لا تلغي حقيقة أن الروس هم في مقعد القيادة في سوريا، مشيرا إلى التعاون الجديد بين روسيا والإمارات لمواجهة التأثير التركي في شمال سوريا. وهذا التعاون ليس منحصرا في سوريا بل ويتكرر في ليبيا التي تقف فيها موسكو وأبو ظبي على نفس الخط ضد تركيا. ومثلما قيل في الموضوع السوري عن التذمر الروسي، أشار تقرير نشره موقع “المونيتور” (13/5/2020) عن حالة إحباط وبحث عن بديل للجنرال حفتر ودعم برلمان طبرق. ويعلق علم أن الانتقادات ضد دمشق مفاجئة مع أن الوكالة الفدرالية للأنباء سارعت لنفي التقارير وزعمت أنها تعرضت للقرصنة. ويقول إن الإحباط الروسي يتجاهل الدور الروسي التاريخي في سوريا والذي هو سابق لبوتين، ويعتبر جزءا من استراتيجية الاتحاد السوفييتي في العالم العربي. ويضيف إلى أن العلاقات الدفاعية المتزايدة بين موسكو وأنقرة لا تعني تخلي بوتين عن دمشق، بل وتقف إلى جانب الأسد كما أثبتت الأحداث العسكرية في شمال سوريا عندما تعرضت القوات التركية للقصف السوري والروسي. ويقول إن المسؤولين السوريين لديهم رؤية إيجابية عن الروس أفضل من موقفهم من إيران. ونقل عن سفيرين بريطانيين سابقين قولهما إن روسيا ستظل متسيدة في الشؤون السورية. وقال سير روجر تومسكي، الذي خدم في دمشق أثناء فترة الثمانينات من القرن الماضي أن السفير الروسي كان يحصل على فرصة للوصول إلى الأسد وبدون شروط. ويعتقد هنري هوغر، الذي عين سفيرا في دمشق بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة أن القواعد العسكرية الروسية والدعم العسكري الروسي لسوريا مهم ودائم.

تحالفات

ويركز علم على آثار القرار الإماراتي استئناف العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، والعلاقة التي تبدو دافئة بين الطرفين. ويعتقد أنها تصب في صالح بوتين الذي يريد التحالف مستخدما عداءها والسعودية لمواجهة تركيا في الشمال وكذا مواجهة التأثير الإيراني. ورحب بوتين بزيادة النشاط الصيني في سوريا. وفي الوقت نفسه أعلنت اليونان عن تعيين أول مبعوث لها في دمشق كدليل على تحالف جديد لمواجهة تركيا في سوريا. وضمن هذا السياق فهم الكاتب أن التحرك السوري ضد الملياردير رامي مخلوف، ابن خال الرئيس هو الرد السوري على مكافحة الفساد. ويقول إن مخلوف كان منفتحا على المصالح التجارية الإيرانية في الوقت الذي تريد فيه روسيا أن يكون لشركاتها الأولوية في العقود. ومن هنا حاولت بعض الصحف الموالية للنظام السوري في لبنان، ربط النقد بيفيغني بريغوجين مالك شركة فاغنر للتعهدات الأمنية والمعروف بطاهي بوتين، التي قالت إنه خسر فرصه التجارية في سوريا ومن هنا شن حملة نقد واتهامات للفساد ضد الأسد وحاشيته.

مخلوف

وبهذا المعنى فالحديث عن الخلاف بين الأسد ومخلوف عبر إطار الفساد، يتجاوز حقيقة أن الخلاف بالضرورة هو مالي، فالدولة السورية تحتاج إلى أموال ولهذا كان رجال الأعمال الذين سمح لهم بشار الأسد بالانتفاع من الحرب هدفه الآن، وكما أشارت “وول ستريت جورنال” (14/5/2020) فمخلوف ليس الوحيد الذي استهدف من النظام بل وهناك آخرون طلب منهم التبرع لدعم العملة السورية التي فقدت الكثير من قيمتها أمام الدولار. وبخلاف رجال الأعمال الذين استجابوا خرج مخلوف بشريطين نهاية الشهر الماضي ناشد فيهما الأسد وأكد أنه مظلوم وليس مدينا للدولة، كما حذر من تداعيات السيطرة على أرصدة مالية له. وحظي موضوع العلاقة بين مخلوف و”السيدة الأولى” أسماء بتحليلات حيث كما في مقال بموقع “ديلي بيست” (11/5/2020) وتحدث فيه كاتبه عن صعود أسماء الأسد الذي تزامن مع تعافيها من سرطان الثدي وكيف حاولت أن تروج لابنها حافظ البالغ من العمر 18 عاما وجعله شخصية مقبولة لموسكو، ومن نفس العائلة التي ينتمي إليها والده، هذا في حالة فكرت روسيا البحث عن بديل للنظام الحالي. وبالضرورة فبعيدا عن حملة مكافحة الفساد التي طالت مخلوف، وعلى طريقة محمد بن سلمان في حادثة ريتز كارلتون عام 2017 هناك من اقترح أن استهداف مخلوف هو حيلة. ورده على الأسد محاولة أيضا لجلب انتباه روسيا له ولقاعدته الشعبية وغير ذلك من التحليلات. وبالمحصلة فما يحدث اليوم في سوريا هي محاولة من الأسد الذي أنقذه الروس تعزيز قوته، وكما يحدث دائما فمن انتهت صلاحيته من الذين خدموا النظام يهمش وتصعد وجوه جديدة مكانه، فاقتصاد الحرب أدى لظهور عائلات تقليدية حلت مع التي تسيدت سوريا، إما لأنها خسرت أو هاجرت. وستظل قوة الأسد محصورة بالقرار الروسي، فهم سادة الجو فوق سوريا ومن يقررون مصيرها على طاولة المفاوضات، على الأقل في الوقت الحالي.

المصدر: القدس العربي

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى