(الغزو الروسي لسورية) لمحمد خليفة: جهد صحفي وبحثي يقرأ العداء التاريخي الروسي للشعوب المسلمة!

محمد منصور

بعد أكثر من عام على رحيله في منفاه السويدي، في الثاني والعشرين من نيسان/ إبريل 2021 متأثرا بإصابته بفيروس كورونا، قام شقيق الكاتب والمعارض السوري البارز (محمد خليفة)، السيد عبد الرحيم خليفة، بإصدار كتاب شقيقه الراحل (الغزو الروسي لسوريا) في طبعة ورقية أنيقة، بتقديم لكل من: الصحفي اللبناني حسن صبرا رئيس تحرير مجلة (الشراع) التي واظب الكاتب الراحل على الكتابة فيها نحو أربعين عاماً، والكاتب اللبناني محمد حمود، مدير تحرير موقع (المدار نت) الذي نشر أجزاء من هذا الكتاب بعد رحيل مؤلفه.

الغزو بالغزو يذكّر

ويوضح شقيق المؤلف في تقديمه للكتاب بأنه: ” لم يتمكن الراحل من أن يطبع كتابه ويوزعه وهو على قيد الحياة، لأسباب عديدة تتعلق بالتكاليف ومشاكل الطباعة والتسويق، وعدم رواج سوق الكتاب؛ بل وحتى تراجع الاهتمام باقتناء الكتاب الورقية، والميل للقراءة الإلكترونية… وبالتالي لم يسعفه أو يمهله القدر ليراه مطبوعاً كما هو الآن بين يدي القارئ. رغم أهميته وحيازته على السبق في مضمونه، خصوصاً إذا ما علمنا أنه قد كتب ونشرت مقالاته في الفترة بين أيلول/ سبتمبر 2015 وتشرين الأول/ أكتوبر 2016. وجدت لزاماً عليّ وفاءً لشقيقي وأستاذي الراحل أن أقوم بطباعته وتوزيعه. وما زاد في أهمية الكتاب بالنسبة لي، وحفّزني على الإسراع بإخراجه إلى النور، عدا عن الضرورات الأخلاقية والسياسية، هو الغزو الروسي لأوكرانيا، والمقارنات بين ما حصل في سورية بالأمس، وما يحصل في أوكرانيا اليوم على يد روسيا، والمجرم بوتين تحديداً”.

لم يكن قائداً.. بل ضميراً 

أما الصحفي اللبناني حسن صبرا، فقد أشاد برؤية محمد خليفة السباقة، وبكتاباته عن الثورة السورية بمجمل فصولها، موضحاً صدق الكاتب الراحل ونزاهته وزهده في لعب أي دور قيادي خلال الثورة، وسعيه بأن يكون ضميراً لها، فكتب يقول:

” لم يبرز محمد خليفة واحداً من قادة الثورة السورية، لكن أبا خالد كان الضمير الذي يؤثر الكتابة والتعبير من دون أي ادعاء أو ظهور، وكم سمعته في مكاتب (الشراع) ليلاً ونهاراً، يحاور عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أتقن إخضاعها لبرامجه السياسية، ويجادل ويقنع، ويجمع مواقيت العالم المترامي الذي قصده السوريون هرباً من جحيم بلدهم المحتل، محرضاً مبتكراً مؤسساً لمرتكزات عملية لاستمرار الثورة، والتذكير بما يعانيه السوريون منذ نصف قرن من الزمان”.

دون أن ينسى في الختام الإشادة بمبادرة عبد الرحيم خليفة قائلاً: شكراً للصديق عبد الرحيم خليفة على هذه المبادرة (….) “نعم الأخوة.. نعم الوفاء”.

عوامل دينية وتاريخية 

ربما سنظلم كتاب الأستاذ محمد خليفة (الغزو الروسي لسوريا) لو اعتبرناه سجلاً للوقائع والأحداث، أو قراءة مرحلية في الأهداف والاستراتيجيات وحسب، بل هو وثيقة تاريخية تعود للجذور لتظهر حجم العداء الروسي الموغل في القدم للشعوب الإسلامية، وربما هذا يفسر بوضوح حيثيات تصريح وزير خارجية بوتين (سيرغي لافروف) لن نسمح للسنة أن يحكموا سورية، الذي أطلقه في آذار/ ماس عام 2012 .

ومن هنا تبرز أهمية الخلفية التاريخية للعداء الديني الروسي تجاه الشعوب المسلمة، الذي يورده الأستاذ خليفة في الكتاب، حيث يشير في المقال الأول المعنون (عوامل دينية وتاريخية للغزو الروسي لسورية) فيقول:

التاريخ الروسي منذ القرن الثالث عشر يتمحور حول الصراع مع شعوب مسلمة بلا توقف, وخاصة شعوب القوقاز التي سكنت المنطقة وأقامت سبع دول فيها قبل أن يصلها الروس السلافيون قادمين من البلقان ويقيموا دولة عاصمتها (كييف) دفعت الجزية لدولة التتار في شبه جزيرة القرم . ثم تعرضت لغزو المغول فتحطمت، ثم عادت للنهوض على يد (ايفان الرهيب) اعتبارا من عام 1230 على حساب التتار والقوقازيين.

وفي عام 1552 تمكن الروس من التوسع والقضاء على التتار والمغول وبدأوا يتوجهون نحو شمال القوقاز حيث كانت دول إسلامية متحضرة مثل كازاحستان وأذربيجان وأوزبكستان مرتبطة بالأمبراطورية العثمانية التي كانت في ذروة قوتها، فبدأت بالتوسع في المنطقة وضمت إمارات إسلامية أو منحتها الحماية فنشبت حروب بينها وبين الروس استمرت مئتي عام في القرنين 18 – 19 زاد من حدتها فتح العثمانيين للعاصمة الأرثوذوكسية الأولى، أي القسطنطينية التي أصبحت إستانبول، الأمر الذي جعل الروس ينقلون مركز القيادة الروحية للأرثوذوكس إلى بلادهم، فاكتسبت حروبهم طابعاً دينياً أكثر من ذي قبل.

أما بالنسبة لإمارات القوقاز التي رزحت تحت الاحتلال الروسي فشهدت ثورات متلاحقة طلباً للاستقلال، تميّزت كافة بأنها (إسلامية) تتم تحت عنوان (الجهاد المقدس) قادها أئمة الحركات الصوفية وخاصة النقشبندية أو المريدية، كالإمام منصور والإمام شامل، والإمام غازي. ومع تعاظم قوة الروس وتراجع قوة العثمانيين في القرن التاسع عشر ضعفت مقاومة مسلمي القوقاز وتوسعت حدود روسيا جنوبا وشرقا حتى بلغت أوجها في نهاية القرن.

الإفراط بالقتل والتهجير الجماعي 

يوضح الكاتب محمد خليفة في قراءته للعوامل الدينية والتاريخية أن سياسات الامبراطورية الروسية تجاه هذه الشعوب بسمات محددة أهمها:

أولاً – الإفراط في القتل بلا تمييز بين المقاتلين والمدنيين واعتماد مبدأ (الإبادة الجماعية) أو (الأرض المحروقة).

ثانياً – تهجير السكان المسلمين جماعياً وتفريغ مدنهم منهم ونقلهم إلى الجبال أو مناطق نائية أو توزيعهم على مدن روسية كثيفة، كموسكو وبطرسبرج, واحلال شعوب روسية – أرثوذوكسية بدلاً منهم بهدف إحلال واقع ديمغرافي جديد.

ثالثاً – تقسيم بلدان القوقاز لإضعاف عناصر اللحمة العرقية والثقافية بين شعوبها.

كما يستشهد بما كتبه مؤرخ روسي وصف جرائم قومه في كتاب يدعى ( قتلة الأمم) فيقول:

“أسهب في الحديث عن سياسة (الأرض المحروقة) كنهج ثابت ضد المسلمين. والجدير بالملاحظة أن الثورة البلشفية الشيوعية لم تغير أساليب التعامل القيصرية مع الشعوب المسلمة بل طورتها فمارست التطهير الديني بعد التطهير العرقي بحجة نشر الثقافة العلمية – التقدمية، ودمرت المساجد والمقابر والمدارس والآثار الإسلامية بحجة القضاء على الرجعية. ويوضح أنه في الفترة بين 1847 و1850 تناقص عدد الشيشان إلى النصف . وحتى عام 1860 إلى الربع”.

لماذا اكتفى بالعام الأول للغزو فقط؟!

يضم الكتاب الذي يقع في أكثر من (330) صفحة من القطع الكبير (37) مقالأ كتبها في العام الأول من الغزو العسكري الروسي لروسيا، وانتهت بسقوط حلب في شتاء عام 2016، وبهذا يمكن القول إن عنوان الكتاب كان ينقصه إضافة هامة حتى يغدو أكثر دقة وهي: (الغزو الروسي لسوريا في عامه الأول).

ورغم أن الكاتب عاش ليشهد خمس سنوات من عمر هذا الغزو، إذ رحل في ربيع عام 2021، أي قبل أن يتم هذا الغزو عامه السادس في أيلول من العام نفسه، إلا السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم يواظب على متابعة ملف هذا الغزو الوحشي ووقائعه كي يغدو هذا الكتاب وثيقة مرجعية للسنوات الخمس الأولى؟!

وربما كان جزءاً من هذا الجواب متضمناً في المقال الأخير المعنون: (توقعات العام الثاني: استمرار الحرب بضراوة أكبر) فمعظم التوقعات، أو السيناريوهات التي قرأها الكاتب، تأسيساً على مراقبة الأداء الروسي الوحشي في العام الأول للغزو، كانت صحيحة ودقيقة، بما في ذلك قوله:

1- بأن بوتين لن يوقف حربه حتى يخضع سورية كلها للسيطرة الثنائية الروسية- الإيرانية، وهو هدف قد يستغرق سنين عدة.

2- متابعة روسيا استراتجيتها العسكرية مع ميل لزيادة العنف، لكسر إرادة المعارضة بجناحيها العسكري والسياسي…

3- المحافظتان اللتان تسيطر عليها داعش (آنذاك طبعا) وهما (دير الزور والرقة) لا تحظيان بهذا الاهتمام من الروس وحلفائهم كما لو أنها في أيد أمينة.

4- دمشق أصبحت أكثر أمناً بالنسبة لبقاء النظام، ومعركة حلب ستكون عنوان التطورات القادمة في العام الثانمي للغزو الروسي..

كل هذا يدفعنا إلى القول بأن الكاتب توقف عند تجربة الغزو في عامه الأول، لأنه رأى فيها تأسيساً واضحاً لمرحلة جديدة من الصراع في سورية، يمكن قراءة كل سنوات الغزو واستراتيجاته اللاحقة من خلالها، وإن كان هذا لا يمنع أن يضيف سجلاً للوقائع والأحداث خلال السنوات الخمس الأولى التي عاصرها كي يغدو الكتاب أكمل وأجمل.

لغة الأستاذ محمد خليفة في كتابه، لغة واضحة وسلسة، بعيدة كل البعد عن الإنشاء الفارغ، قادرة على الغوص في الحالة السياسية والعسكرية، واستقراء دوافعها واستراتجياتها، وبوصلته نقية ومنحازة لقيم الحرية والكرامة التي تقرأ كل مشهد الغزو باعتباره حرباً بربرية وحشية ضد شعب ثار طلباً لحريته وصوناً لكرامته المهدورة في ظل نظام دولي متواطئ، مهما حاول بعضهم أن يصور المعركة من زوايا ضالة ومضلة.

المصدر:  أورينت نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى