ثلاثة سياقات لفهم السياسة التركية الجديدة بشأن سورية.. ما احتمالية التطبيع؟

عبدالله الموسى

كشف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عن مرحلة جديدة في التعاطي السياسي مع النظام السوري، لتنفجر المظاهرات الرافضة للمصالحة مع النظام، وتظهر التوضيحات لامتصاص غضب الشارع، ومن ثم يحسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المسألة ويقول: “لا مشكلة لدينا في هزيمة الأسد من عدمها ويجب اتخاذ خطوات متقدمة مع سوريا”.

أثارت السياسية الخارجية التركية بشأن سوريا تساؤلات لدى السوريين في الشمال السوري وفي تركيا وفي مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”؛ تساؤلات عن إمكانية حدوث تطبيع للعلاقات بين أنقرة والنظام، ومصير السوريين في الشمال السوري، ومصير المعارضة العسكرية والسياسية، ومصير السوريين في تركيا.

ولفهم دوافع ومسببات والنتائج المحتملة للسياسة التركية الجديدة في سوريا، لا بد من معالجتها على ثلاثة مستويات غير منفصلة أساساً:

دولي

بعد الغزو الروسي لأوكرانيا والتحشيد الغربي لإغراق موسكو في هذه الحرب، كان موقف أنقرة متمايزاً عن حلفائها في الناتو وجيرانها الأوروبيين، لكن كان موقفاً متوازناً عندما أعلنت رفضها الغزو وقدمت طائرات مسيرة للجيش الأوكراني ضمن صفقات تسليح سبقت الغزو الأخير، وقدمت أنقرة نفسها كوسيط لإنهاء الحرب التي ضربت ارتداداتها العالم بأسره.

موسكو بحاجة أنقرة كونها الباب الوحيد لفك عزلتها بعد غزو أوكرانيا، وتركيا تتوافر فيها مزايا مشجعة كونها عضو في حلف الناتو، وتربطها علاقات بكييف، ولديها سجل من المواجهة مع الغرب، وقدمت ليونة في البحر الأسود ليكون مساحة للاتفاقات بوساطة تركية بدلاً عن كونه مساحة للتناحر بين أنقرة وموسكو، وتشهد تركيا نمواً للتيار الأوراسي على حساب التيار الأطلسي، وتعيش حالة لا استقطاب بين المحورين الشرقي والغربي مع الحفاظ على توازن متاح للاستثمار لاحقاً في حال تغيرت الظروف.

يضاف إلى ذلك رغبة موسكو بإبقاء أنقرة قريبة منها لسد الطريق أمام أي محاولات غربية محتملة للتصعيد في سوريا ضمن سياق حرب الوكالة القائم حالياً في أوكرانيا.

أما مكاسب تركيا مع روسيا فتبدأ من الاقتصادية في مجالات التجارة والطاقة والاستثمار والمصارف، وتشمل المكاسب السياسية من خلال وساطة تنهي الحرب الأوكرانية، وابتزاز واشنطن في ملفات التسليح في برنامجي الـ F-35 وتحديث مقاتلات الـ F-16، وملف دعم وحدات حماية الشعب.

ويدفع أنقرة أكثر نحو هذا الجنوح الشرقي مكاسبها سابقا في سوريا وأذربيجان بالتعاون مع موسكو، مقابل خسارتها للمكاسب السابقة مع الغرب، وتحديدا عندما تعرضت للعقوبات وطردت من برنامج الـ F-35.

عملية الابتزاز التي تديرها أنقرة تستند إلى فكرة أن المكاسب ممكنة، ودليل ذلك ما حصل في مفاوضات انضمام فنلندا والسويد للحلف الأطلسي بشروط تركية صارمة وشاملة. ولا تقتصر المكاسب التركية على الدولية فحسب، بل هنالك مكاسب محلية محتملة قد تتمثل بدعم الغرب لـ “خطة العودة الطوعية” للسوريين، ودعم الشمال السوري لخلق نهضة على كل المستويات، وكذلك تحقيق جزء من مطالب أنقرة في إنهاء دعم “قسد”.

محلي

لم تتدخل حكومة حزب العدالة والتنمية بالشكل الكافي خلال العام المنصرم لضبط الخطاب التحريضي ضد الوجود السوري في تركيا، ولم تواجه بشكل فج خطاب المعارضة بفتح قنوات تواصل مع النظام السوري، ما سمح لكلا الخطابين على المستوى الشعبي والنخبوي السياسي للنمو على حساب شعور الاستقرار لدى 4 ملايين سوري دخلوا عامهم الـ 8 في البلاد على أقل تقدير.

وما لمسه المحللون بأن حزب العدالة والتنمية يسحب الأوراق من أيدي المعارضة، قالته المعارضة باسم ميرال أكشنار بصراحة قبل أيام، وهذا ما يفسر عدم تدخل الحكومة لضبط هذين الخطابين.

إمكانية فتح قنوات تواصل مع نظام الأسد.

ويستند حزب العدالة والتنمية إلى استبيانات الناخبين وسبر الآراء الجماعية وكذلك يستند إلى قراءة واضحة لواقع السوريين في تركيا والشمال السوري، فمعظمهم يعيشون في تركيا بأجور زهيدة لن تعد بعد الآن كافية للعيش في حالة التضخّم، ونمو شعور الخوف من العنصرية المستفحلة، وبالتالي العودة إلى سوريا في حال كانت عودة آمنة.

يعلم حزب العدالة والتنمية أن فوائد الـ 4 ملايين سوري في تركيا على مختلف القطاعات مفيد وغير مضر، ويعلم أن إعادة مليون ونصف المليون لن ينهي الخطابات والسلوكيات العنصرية ضدهم، لكنه يعلم أن الشعبوية في البلاد لها حصة كبيرة لدى الناخبين المستائين من المعارضة المفككة وغير المجربة في التعامل مع كل هذا التعقيد.

إقليمي

ظهر الخطاب السياسي التركي اللين مع الأسد بعد قمتي طهران وسوتشي التي طلب فيها بوتين من أردوغان الاتصال ببشار الأسد، ورفض الأخير في حين وافق على إعادة تفعيل الخطوط الاستخبارية بين تركيا والنظام، رغم أنها لم تأت بنتيجة، كما قال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو.

وبذلك يمكن القول إن الخطاب السياسي الجديد هو محاولة للتكيف مع المطالب الروسية مرتفعة السقف. وبوتين لم يقدم هذا الطرح لأردوغان الآن إلا لأنه يطمح بتقارب أعلى درجة مع تركيا ويرى لدى أنقرة استراتيجية حقيقية بمعاقبة الغرب، وبالتالي التقرب أكثر لموسكو.

أردوغان جرب الخيار الغربي وخذله بالكامل وجرب الخيار الروسي فحصل على القليل، وربما لا يمانع حالياً تجربة المقترح الروسي واستخدام النظام في ضرب قسد بعد أن فشل في الحصول على موافقة أحادية الجانب سواء من موسكو أو واشنطن لشن عملية عسكرية شرقي الفرات، وفي حال استطاع النظام تحقيق المطلب التركي العسكري، يمكن أن يتطور النقاش لمستوى أعلى لمناقشة تعديل اتفاقية أضنة.

وربما ستحاول تركيا تحريك مسارات الحل السياسي في سوريا، وتأمل بتجاوب من الأسد بضغط روسي، وبالتالي إحراز نجاح مفقود في الحل السياسي منذ 2015، لكن في هذه المرحلة ستصطدم أنقرة بخطوط واشنطن والغرب في تفاصيل الحل السياسي، وفي حال حصل العكس وتجاوب التيار الغربي فهذا ترخيص دولي للعملية السياسية التركية وبالتالي إنهاء العقوبات وإلغاء الفيتو عن إعادة الإعمار التي ستكون تركيا بوابتها، وترتد عليها بمكاسب مالية وتشغيلية كبيرة.

أما في حال رفض النظام منذ البداية التجاوب والتنازل في المفاوضات فستعود أنقرة إلى موسكو لتخبرها أنها قبلت بتجريب المقترح الروسي لكنه فشل فشلاً ذريعاً، وبالتالي تتقدم أنقرة لموسكو بمقترحات قابلة للتطبيق أو تهدد بخلخلة التعاون بين البلدين على عدد من الأصعدة في حال لم تنل ما تريده.

وكذلك في حال لم يتجاوب النظام، يكسب حزب العدالة والتنمية انتخابياً لأنه تجاوب مع مطالب المعارضة وقسم كبير من الشعب بالتواصل مع الأسد، ويعزز وجهة نظره القديمة بأنه لا يمكن الاستفادة من التقارب مع النظام، وتفنيد الخطاب الرافض للوجود السوري بأن أي ترحيل إلى مناطق سيطرة النظام هو جريمة لأنها لن تكون عودة آمنة.

معوقات التطبيع وصرخة الشارع

تقارب تركيا والنظام السوري يهدده طموح أنقرة الإقليمي وصعوبة خسارة المكاسب التوسعية في الشمال السوري، ويهدده تصلّب حالة النظام ورفضه التغيير في البنية والاستراتيجيات لأن ذلك يهدد كيانه ككل، ويهدده أيضاً الوجود الأميركي العسكري في سوريا والتدخل الأميركي السياسي في الملف السوري في الرقم الثاني، وعلى المستوى المحلي يهدده تجاوب المعارضة العسكرية والشعبية الذين عبروا عن رفضهم القاطع للحراك التركي الجديد حتى وإن كان ما زال في خانة التصريحات.

أنقرة تدخل هذا المعترك وهي مرتاحة لأنها قد تكسب، وعلى أقل تقدير لن تكون خاسرة على المستويات الثلاثة المذكورة أعلاه، لكن مظاهرات جمعة “لن نصالح” أثارت انتباه أنقرة إلى خسارة لم تكن في الحسبان، تهدد المربع الأول الذي تتحرك منه تركيا في سوريا، ألا وهو شرعية وجودها في سوريا بناء على مطلب الشعب السوري وتقاطع المصالح مع الثوار، والتصعيد الكبير في مظاهرات الشمال السوري ومواقف الكيانات السياسية والعسكرية والمدنية دخلت حسابات أنقرة وصدر بيان توضيحي من وزارة الخارجية التركية في سابقة هي الأولى من نوعها في هذا السياق.

تظن الدول أن الشعوب في الحرب تستسلم وتقبل الحلول على حساب تطلعاتها، ولكن مظاهرات الشمال السوري أكدت عكس ذلك، لأن السوريين هناك لم يتظاهروا بسبب الانتهاكات والفشل الأمني والملغمات والخدمات السيئة والمعيشة المتدهورة والخيام المتآكلة، ولم يتظاهروا من أجل الرواتب ولا من أجل اتفاقات وقف إطلاق النار، لكنهم تظاهروا عندما مسّهم الحدث في لبّ قضيتهم.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى