ريان والإعلام

د- عبد الناصر سكرية

أثارت حكاية الطفل المغربي ريان الكثير من الشؤون والشجون ولفتت الأنظار إلى بعض الأمور المهمة التي تطبع حياة الانسان المعاصر وتشكلها..وقد كانت وفاته صدمة وسببًا لكثير من الأحزان التي عبرت عن مشاعر إنسانية تضامنية جميلة.

فمنذ الاعلان عن سقوط ريان في البئر والإهتمام الإعلامي كان عالي المستوى متواصلا وحميميًا، الامر الذي ادى الى تجييش ابناء البلاد العربية جميعا للإهتمام ومتابعة عملية الإنقاذ التي كانت تجري وسط اهتمام مغربي واضح ..

كان للتغطية الإعلامية المثيرة والمتواصلة الأثر الأكبر والأول في تحويل الحادثة الفردية الى قضية انسانية عامة وتحديدا على المستوى العربي..فخلقت تعاطفا انسانيا لافتا جدا..وقبل ذلك تحولت المسألة إلى قضية رأي عام عربي بإمتياز..

وسواء كان الإهتمام لأسباب إنسانية بحتة أو لأسباب وطنية أو قومية عربية ؛ فمما لا شك فيه انه شغل الرأي العام العربي طيلة خمسة أيام متواصلة..كان الحزن والأسى ختامها نظرا لوفاة ريان فيما كان الجميع يتأمل إنقاذه سالما كشعور انساني نبيل أولا ثم للإحساس بشيء من الفرح او الإنتصار على الطبيعة بعد أن صار الإنتصار على الأعداء والفساد والفرقة والتشتت بعيد المنال..

مات ريان تاركا فينا حسرات فتحول الى ما يشبه الرمز الموحد الجامع..وتحولت مأساته الى مناسبة للتحليل والتأويل والإستنتاج والإحتجاج أيضا..

١ – التضامن العربي ودلالاته..

ان مشاعر التضامن واللهفة والمتابعة المستمرة لدى قطاع واسع من أبناء البلاد العربية للمسألة دل بوضوح على عمق الإحساس  بالانتماء العربي وأصالته كتعبير عن وحدة المصير التي تجعل الخوف على المستقبل واحدا موحدا..ولقد كانت عفوية المشاعر تلك تأكيدا على صدق الإحساس بالهوية الواحدة الجامعة للمصير الواحد..وهذا ما يتفوق كثيرا على مشاعر التضامن الانساني لاسباب انسانية فقط..وفي حالة ريان لم يكن الجانب الانساني إلا جزءا من المشهد التضامني فيما الجزء الأكبر كان لكونه عربيا .يؤكد هذا ان المنشغلين بمصير ريان كانوا عربا جميعا وان الإهتمام العالمي ذي البعد الانساني كان محدودا جدا…

تأتي هذه الظاهرة رداً عفوياً على المشككين بالهوية القومية والمتنكرين لها وأؤلئك الذين لا يكفون عن مهاجمة العروبة والتنصل منها وكأنها رجس من عمل الشيطان فيجتنبوه ؛ إذ بينت لهم ذلك المضمون الإيجابي لها والذي لا يمكن أن يترجم إلا بالود والمحبة والإخاء على عكس ما يتهمونها به زورا وبهتانا..

على أية حال لم تكن الهوية القومية بحاجة الى إثبات لكنها نفضت بعض الغبار العالق على ثيابها الخارجية من أثر أدعياء مضللين ومن أثر تكالب أعدائها الكثيرين عليها وتحميلها فظائع أعمالهم هم بحقها وليس العكس..

غاية القول أن الهوية القومية حقيقة ثابتة ثبات وجود أمة واحدة بتاريخها الواحد وقيمها ولغتها ومصيرها الواحد أيضا ..رغما عن إفتقاد بعض أبنائها لوعيهم بوجودها..

٢ – دور الإعلام :

يتضح فيما حصل الدور الخطير لوسائل الإعلام وقدرتها على التجييش وتوجيه الرأي العام بإتجاه قضية ما دون غيرها من القضايا..

يستوى الحديث هنا عن الراي العام العربي أو الأجنبي على السواء..

فقد برعت وسائل الإعلام بأشكالها المختلفة في تجييش الراي العام العربي حول مصير ريان ومتابعته ساعة بساعة..لم تكن لتحصل تلك المتابعة التفصيلية لولا التغطية الاعلامية التشويقية للحدث بكل ما فيها من براعة وإثارة أيضا..

هذا بدوره يفتح أبواب التفاعل بين الإعلام والجمهور..فكان مثار سخريات الكثيرين وإستيائهم ان إهتماما إعلاميا كبيرا بمصير طفل فرد ؛ أما مصائر عشرات آلاف الأطفال في سورية والعراق وفلسطين واليمن والصومال ولبنان فلا تلقى أدنى إهتمام..مرد هذا

الى أسباب أهمها أن هؤلاء الأطفال ضحايا حروب سياسية ..فيما ريان حادث فردي..وفي السياسة الدولية لا مكان للعواطف..المواقف السياسية تتخذ على ضوء المصالح..هكذا يمكن أن نفهم الاهتمام هنا واللامبالاة هناك..

أ – إن جميع وسائل الإعلام بما فيها ما يسمى وسائل التواصل الإجتماعي ؛ تملكها مؤسسات رأسمالية كبيرة تنتمي الى قوى النظام العالمي المهيمن ..وهي قوى مسيسة بالكامل وتستخدم الإعلام كوسيلة ناجعة للترويج لسياساتها وتغطية غاياتها ومقاصدها الخسيسة بشعارات جذابة..كما لتوجيه الرأي العام أو إشغاله بما يحقق لها مصالحها…فليس في مصلحتها تشكيل رأي عام عربي متضامن مع أطفال تلك البلدان العربية التي تشهد انتفاضات وحروبا وإعتداءات أجنبية.. بل العكس هو ما تريده وتعمل عليه..ولعل في إشغال الناس بمصير طفل فرد دون أية خلفيات سياسية أو وطنية ؛ ما يقصد به إلهاء الناس عن الإهتمام بمصائر أطفال الحروب والعدوان المستمر على الأمة..

أما وسائل الإعلام المحلية فتملكها مؤسسات راسمالية أيضا – خاصة أو رسمية – لكنها ملتحقة شكلا ومضمونا بالمؤسسات الرأسمالية الأم وتعبر عنها وتلتزم سياساتها وغاياتها..لذا فهي تمارس الدور ذاته في تهميش كل ما هو وطني أو يساهم في بلورة مشروع وطني حر أو تشكيل رأي عام عربي ضاغط فاعل مؤثر..

ب – ان العقل الذي يحرك وسائل الإعلام إنما هو عقل ليبرالي ينبثق عن النموذج الرأسمالي في الفهم والتحليل والاهتمام..وهو عقل فردي لا يعترف بالجماعة ولا بالمجتمعات الإنسانية ككائنات مستقلة عن الانسان الفرد ومختلفة عنه نوعيا..لذلك فهي تهتم وتبرز كل ما هو نشاط فردي أو حدث يخص الفرد..من هنا مثلا إهتمامها التام بكل أنواع المغامرات والأنشطة الفردية التي دوافعها محض ذاتية بهدف الإستعراض وعرض العضلات والتباهي بقوة الفرد..من سباقات السيارات والدراجات الى تسلق الجبال مرورا بكل أنواع المغامرات الأخرى..

من هنا أيضا حديثها عن حقوق الانسان الفرد مجردا من هويته وانتمائه..أما حقوق مجتمعات وطنية وقومية فليست في وارد الحسبان والإهتمام..

ج – المنحى التجاري للإعلام :عدا عن كونه مسيسا يخدم غايات ومصالح القوى التي تملكه وتموله ، تبرز النزعة التسويقية ذات الاغرض التجارية في تغطية حتى الحدث الفردي ذاته…فراحت وسائل الإعلام تتنافس لإجتذاب الجمهور والمشاهدين مما جعلها تلجأ إلى التهويل وفبركة أحداث وأخبار غير صحيحة لكنها مثيرة.. ما يعني تركيزه على إثارة الغرائز والمشاعر الإنفعالية التي تأخذ المشاهد بعيدا عن التفكير  فيقع منفعلا بما يسوقه الإعلام وفي ذات الوقت غير قادر على إتخاذ الموقف العملاني المفيد .. وهو ما يجعل مصداقية الإعلام موضع شك وتساؤل…

د – الموسمية وهي ما يفرضه الاعلام على إهتمامات الناس بحيث لا يترك لهم المجال لتفاعل حقيقي عقلاني وموضوعي مع الحدث..اذ يربطه بزمن محدد ينقضي بسرعة لا تترك وقتا للتفكير بخلفيات الأحداث ومعانيها ومتطلبات التفاعل الإيجابي معها..

كل هذا يكرس الاعلام وسيلة لإبتزاز المشاعر والغرائز بعيدا عن التفكير والتحليل والتصرف..يجعل المشاهد مجرد متلق لا يملك القدرة على الفعل..

وهكذا يستخدم الإعلام من أجل الترويج لاهتمامات فردية وتسطيح الوعي وتغييب التفكير وصناعة الرأي العام على قاعدة تعليب الانسان ضمن إطار ما يخدم مصالحه ويبعده عن اية اهتمامات من شأنها تهديد مصالح القوى التي تملكه وتموله وتهيمن عليه..

** ليس هذا الحديث عن دور الاعلام ووظيفته بجديد..لكنها حادثة سقوط طفل في بئر أكدته ولفتت الأنظار إليه مجدداً مما يملي على كل الحركات الشعبية والتوجهات النضالية ضرورة إمتلاك إعلامها الخاص الحر المستقل عن هيمنة قوى النفوذ المنبثقة عن النظام العالمي الراسمالي الفاسد ؛ سواء المحلية او الدولية ..لا يعفيها من هذه المسؤولية ان الأعلام أصبح صناعة تقنية ومهنية إحترافية شديدة التعقيد عالية التكاليف المالية…وهو مما لا شك فيه  أكبر من إمكانيات أية حركة شعبية نضالية…وهذا بدوره يستوجب تعاونها وتكامل طاقاتها لسد بعض النقص الفادح في ميدان الإعلام والتسويق وصناعة الوعي وتشكيل الراي العام وتوجيهه بما يخدم القضايا الوطنية والقومية والانسانية.

رحم الله ريان البريء ورحم كل طفل يموت في حروب القوى الفاجرة المجرمة؛ قوى البغي والشر والعدوان؛ وتعدياتها  المستمرة على الناس في كل مكان.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى