الاضطراب الكبير الأخضر في النظام العالمي || الاعتبارات الجيوسياسية للطاقة الجديدة

جيسون بوردوف  ميغان إل. أوسوليفان

ليس من الصعب فهم السبب الذي يجعل الناس يحلمون بمستقبل تحدّد معالمه الطاقة النظيفة. وإذ تستمر غازات الاحتباس الحراري في التنامي، ويصبح المناخ القاسي ظاهرة أكثر تكراراً وإيذاءً، فإن الجهود الحالية لتجاوز الوقود الأحفوري تبدو غير كافية بشكل يرثى له. ويزيد في الإحباط أن الطبيعة الجيوسياسة للنفط والغاز ما زالت قوية، كحالها على الدوام. وفي حين ترزح أوروبا حالياً تحت وطأة أزمة طاقة بكل معنى الكلمة، مع ارتفاع أسعار الكهرباء إلى مستويات صاعقة، فتجبر الأعمال التجارية في أنحاء القارة على إغلاق أبوابها، وتضطر شركات الطاقة إلى إعلان إفلاسها، يصبح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موقع يستطيع معه أن يستغل صراعات جيرانه كي يحقق أقصى فائدة ممكنة من احتياطات بلاده من الغاز الطبيعي. ودفعت انقطاعات التيار الكهربائي هان زنغ، نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، إلى إصدار تعليمات لشركات الطاقة المملوكة للحكومة  في سبتمبر (أيلول) 2021 بأن تؤمن الإمدادات لفصل الشتاء مهما كان الثمن. ومع ارتفاع أسعار النفط الى ما يزيد على 80 دولاراً للبرميل الواحد، تناشد الولايات المتحدة ودول أخرى متعطشة للطاقة المصدِّرين الرئيسيين بما في ذلك المملكة العربية السعودية، أن يزيدوا إنتاجهم، ما يمنح الرياض مزيداً من النفوذ في علاقة متوترة حديثاً ويوحي أيضاً بوجود حدود لـ”استقلالية” الطاقة التي تتمتع بها واشنطن.

في المقابل، يأمل أنصار الطاقة النظيفة (ويتعهدون في بعض الأحيان) بأن الانتقال إلى استعمالها سيساعد على جعل التوترات بشأن موارد الطاقة شيئاً من الماضي، إضافة إلى أنه سيخفف تداعيات تغيّر المناخ. صحيح أن الطاقة النظيفة ستغيّر الاعتبارات الجيوسياسية تغييراً كاملاً، بيد أن ذلك لن يحصل بالضرورة بالطرق التي يتكهن بها عدد من أنصار تلك الطاقة، إذ سيعيد هذا التحول تشكيل كثير من عناصر السياسة الدولية التي صاغت معالم النظام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية في الأقل، ما سيؤثر تأثيراً مهماً في مصادر القوة الوطنية وعملية العولمة والعلاقات بين القوى العظمى والتقارب الاقتصادي المستمر بين البلدان المتقدمة والنامية. وستغلب الفوضى على عملية الانتقال إلى الطاقة النظيفة، في أحسن الأحوال. ومن المرجح أن تنتج أشكالاً جديدة من المنافسة والصراع، بدلاً من تعزيز المجاملة والتعاون، قبل وقت طويل من تبلور وضع جيوسياسي جديد يكون مُرضياً تماماً.

إن الحديث عن الانتقال السلس إلى الطاقة النظيفة أمر خيالي. ولا توجد طريقة يمكن للعالم أن يتفادى من خلالها حصول اضطرابات كبرى أثناء إعادة بناء كاملة لنظام الطاقة الذي يُعتبر شريان الحياة للاقتصاد العالمي والأساس الذي يقوم عليه النظام الجيوسياسي. علاوة على ذلك، فغالباً ما تخطئ الحكمة التقليدية بشأن الخاسر والفائز. قد تتمتع الدول المسمّاة بـ”بتروستيتس” Petrostates [= دول البترول حرفياً، وهو مصطلح يستخدم للإشارة إلى دول يعتمد اقتصادها بشكل كبير على استخراج النفط والغاز وتصديرهما]، بالولائم لبعض الوقت، لأن الاعتماد على المورِّدين المهيمنين في الوقود الأحفوري كروسيا والسعودية، سيتنامى على الأرجح قبل أن يتراجع. وستحتاج الأجزاء الأكثر فقراً في العالم إلى استعمال كميات هائلة من الطاقة، أكثر بكثير مما مضى، من أجل أن تزدهر حتى في الوقت الذي تواجه أيضاً أسوأ آثار تغيّر المناخ. وفي غضون ذلك، ستصبح الطاقة النظيفة مصدراً جديداً للقوة الوطنية، غير أنها ستطرح بحد ذاتها، مخاطر وشكوكاً جديدة.

لا تمثّل الكلمات السابقة جدالات لمصلحة إبطاء التحول أو الإقلاع عنه. فعلى العكس، ينبغي على الدول في أنحاء العالم تسريع جهودها الرامية إلى مكافحة تغيّر المناخ. وبالأحرى، ترمي تلك الجدالات إلى تشجيع صنّاع السياسة على تأمل ما وراء تحديات تغيّر المناخ بحد ذاتها، وتقدير المجازفات والأخطار التي ستنجم عن الانتقال الخشن إلى الطاقة النظيفة. وأحياناً، ستظهر التداعيات القصيرة المدى وغير المتوقعة، خلال العقود القليلة المقبلة، حين يتّحد الجانب الجيوسياسي للطاقة النظيفة مع الوجه الجيوسياسي القديم للنفط والغاز. وتمتلك تلك التحديثات أهمية أكبر في الوقت الراهن، من التداعيات الجيوسياسية البعيدة المدى لعالم يصل صافي الانبعاثات فيه إلى الصفر. بالتالي، إن الإخفاق في تقدير النتائج غير المتعمدة التي قد تتأتى من مختلف الجهود الرامية إلى الوصول بصافي الانبعاثات إلى الصفر، لن يترك مجرد آثار أمنية واقتصادية فحسب، بل سيقوّض عملية الانتقال إلى الطاقة النظيفة. وإذا انتهى الناس إلى الاعتقاد بأن الخطط الطموحة في التصدي لتغيّر المناخ تهدد موثوقية الطاقة أو القدرة على تحمل تكاليفها أو أمن إمدادتها، فستمضي عملية الانتقال إلى الطاقة النظيفة ببطء. قد يتلاشى الوقود الأحفوري في نهاية المطاف. في المقابل، لن تختفي سياسة الطاقة والاعتبارات الجيوسياسية فيها.

استمرار “دول البترول”

جعلت الحرب العالمية الأولى من النفط سلعة استراتيجية. وفي 1918، أورد رجل الدولة البريطاني اللورد كرزون أن قضية الحلفاء “طفت على موجة نفط نحو النصر” [في الحرب العالمية الأولى، أُطلق مصطلح الحلفاء على بريطانيا وفرنسا ودول أخرى، ثم أميركا، حاربت ضد تركيا وألمانيا التي سُمّيت بـ”دول المحور”]. من ذلك الوقت فصاعداً، اعتمد أمن بريطانيا على النفط الوارد من بلاد فارس أكثر بكثير من تعويله على الفحم الحجري الآتي من نيو كاسل [شمال إنجلترا]، فيما أصبحت الطاقة مصدراً للقوة الوطنية وبات غيابها يمثل ضعفاً استراتيجياً. وفي القرن التالي، عملت الدول التي رُزقت بموارد النفط والغاز، على تطوير مجتمعاتها ومارست سلطة استثنائية في النظام الدولي. في المقابل، عمدت البلدان التي فاقت حاجتها من النفط ما تنتجه منه، إلى تحوير سياساتها الخارجية بهدف ضمان استمرار وصولها إلى النفط.

واستطراداً، سيعيد الابتعاد عن النفط والغاز تشكيل العالم بالمقدار ذاته من الدراماتيكية. وغالباً ما تتجاهل النقاشات حول شكل مستقبل الطاقة النظيفة، بعض التفاصيل المهمة. ويعود أحد أسباب ذلك إلى أنه حتى حينما يحقق العالم هدف الوصول بصافي الانبعاثات إلى الصفر، فمن الصعب أن يعني نهاية الوقود الأحفوري. وتوقّع تقرير نشرته “الوكالة الدولية للطاقة” في 2021 ويُعتبر علامة فارقة، أنه إذا وصل العالم بصافي الانبعاثات إلى الصفر مع حلول 2050، فسيظل يستخدم حوالى نصف كمية الغاز الطبيعي وربع كمية النفط المستعملة حالياً، علماً أنه من الضروري، بحسب ما حذّرت “الهيئة الحكومية الدولية حول تغيّر المناخ” التابعة للأمم المتحدة، تجنّب رفع متوسط درجات حرارة الكوكب بأكثر من 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، كي تتمكّن من منع أسوأ تأثيرات تغيّر المناخ. كذلك خلُص تحليل جديد أجراه فريق من الباحثين في جامعة “برنستون” إلى أنه إذا حققت الولايات المتحدة هدف تصفير صافي الانبعاثات مع حلول 2050، فستبقى تستعمل ما يتراوح بين ربع ونصف كمية الغاز والنفط التي تستهلكها اليوم. سيمثل ذلك هبوطاً كبيراً. لكن، سيستمر منتجو النفط والغاز في التمتع بالنفوذ لعشرات الأعوام، استناداً إلى مخزوناتهم الجيولوجية.

سيستفيد الموردون التقليديون من التقلبات في أسعار الوقود الأحفوري التي ستنتج حتماً من الانتقال الصعب في الطاقة. إن الجمع بين الضغط على المستثمرين لتصفية استثماراتهم في الوقود الأحفوري، والغموض بشأن مستقبل النفط، بات يثير فعلياً المخاوف من إمكان هبوط مستويات الاستثمار في الأعوام المقبلة، ما سيؤدي إلى تضاؤل إمدادات النفط بشكل أسرع من تراجع الطلب، أو إلى تناقصها حتى مع استمرار الطلب بالارتفاع، على غرار ما تفعل حاضراً. وستقود هذه النتيجة إلى نقص دوري في إمدادات النفط، بالتالي إلى ارتفاع أسعاره وتقلّبها. سيعزز وضع كهذا قوة الـ”بتروستيتس” عن طريق زيادة إيراداتها، ويوفّر أيضاً نفوذاً إضافياً لمنظمة  “أوبك” التي يسيطر أعضاؤها، بما في ذلك السعودية، على معظم احتياطي الطاقة عالمياً، ويمكنهم أن يرفعوا إنتاج النفط العالمي أو يخفضوه، في وقت قصير.

إضافة إلى ذلك، سيفضي الانتقال إلى الطاقة النظيفة في نهاية المطاف إلى تعزيز تأثير بعض مُصدّري النفط والغاز، من خلال حصر الإنتاج العالمي في أيدٍ أقل عدداً. وفي نهاية الأمر، سينخفض الطلب على النفط بشكل كبير، لكنه سيبقى ضخماً لعشرات السنين. ومع تراجع الطلب (وكذلك، وفق ما يُفترض، تدنّي السعر)، لا يُستبعد أن يخرج من السوق عدد من منتجي النفط في المناطق التي ترتفع فيها تكلفة استخراجه، على غرار أولئك الذين يعملون في كندا ومنطقة القطب الشمالي الروسية. ويمكن للبلدان الأخرى  المنتجة للنفط التي تسعى إلى الريادة حينما يتصل الأمر بتغيّر المناخ، كالنرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، أن تقيّد في المستقبل إنتاجها المحلي على سبيل الاستجابة للضغط العام المتنامي، والتعجيل في التحول بعيداً من الوقود الأحفوري. ونتيجة لذلك، قد تزداد الحصص السوقية للبلدان المنتجة للنفط كدول الخليج العربي، لأنها تملك نفطاً رخيصاً جداً [في تكلفة الاستخراج والإنتاج]، ومنخفض الكربون. ويضاف إلى ذلك أن هذه البلدان أقل اعتماداً على المؤسسات المالية التي تبتعد الآن عن النفط، وستواجه  ضغوطاً ضئيلة في الحد من الإنتاج. ومن شأن الحصول على معظم النفط الذي يستهلكه العالم تقريباً، أو كله، أن يمدّ تلك البلدان بنفوذ جيوسياسي من الوزن الثقيل، في الأقل حتى ينخفض استخدام النفط بشكل أكثر وضوحاً. في المقابل، قد تصمد الصناعات النفطية في بلدان أخرى تمتلك موارد قابلة للاستخدام بسرعة، على غرار الأرجنتين والولايات المتحدة اللتين تفخران بأن لديهما جيوباً كبيرة من النفط الصخري. بالتالي، يمكن لتلك البلدان أن تجتذب المستثمرين ممن يسعون إلى فترات سداد أسرع، وقد يتجنبون دورة استثمارات نفطية أطول، نظراً إلى الغموض الذي يلف مستقبل النفط على المدى الطويل.

واستطراداً، ستظهر في أسواق الغاز الطبيعي نسخة أكثر كثافة من هذه القوة التي تحفز على التغيير. ومع شروع العالم في استخدام كميات أقل من الغاز الطبيعي، سترتفع حصص السوق لعدد صغير من اللاعبين ممن يمكنهم أن ينتجوه بتكلفة أرخص ونظافة أكبر، خصوصاً إذا قررت الدول التي تتخذ إجراءات مناخية قوية، الحدّ من إنتاجها. وبالنسبة إلى أوروبا، سيعني ذلك مزيداً من الاعتماد على الغاز الروسي، خصوصاً مع انطلاق خط أنابيب “نورد ستريم 2” الذي يربط روسيا بألمانيا. وكذلك تصلح الدعوات الصادرة حالياً عن مشرعين أوروبيين لروسيا كي ترفع إنتاجها من الغاز بهدف تجنب أزمة طاقة في هذا الشتاء، للتذكير بأن أهمية موسكو بالنسبة إلى أمن الطاقة في أوروبا ستتعاظم، قبل أن تتراجع.

القوة تجلب القوة

كي نفهم الطبيعة الجيوسياسية في عالم يبتعد عن الوقود الأحفوري، من الأهمية بمكان فهم ما هي العناصر الموجودة لدى القوى العظمى في الطاقة النظيفة، التي تؤدي فعلياً إلى تأثير جيوسياسي. ففي ذلك الإطار، يختلف الواقع مع الحكمة التقليدية، إذ ستبدو عملية الانتقال مختلفة تماماً عن الحالة النهائية. وعلى المدى الطويل، سيحدد الابتكار ورأس المال الرخيص من سيفوز في ثورة الطاقة النظيفة، وستهيمن البلدان التي تتمتع بهما، وذلك عبر أربع طرق، في الأقل.

يتمثل أحد مصادر الهيمنة في القدرة على وضع معايير للطاقة النظيفة، وستكون أكثر دقة من القوة الجوسياسية التي جاءت مع موارد النفط، لكنها دائمة مثلها. وعلى الصعيد الدولي، ستحافظ دولة أو شركة تضع معايير عالمية لمواصفات المعدات أو قواعد الانخراط، على ميزة تنافسية [تتفوق بها] على الآخرين. مثلاً، برزت أستراليا وتشيلي واليابان والسعودية كأول دول تبنّت التجارة العابرة للحدود في الهيدروجين والأمونيا الخفيضي الكربون، بالتالي قد تكون قادرة على وضع معايير البنية التحتية وقواعد الترخيص لمصادر هذين النوعين من الوقود، ما يمنح التقنيات والمعدات المفضلة لديها ميزة [بالمقارنة مع غيرها]. وبالنسبة إلى التقنيات التي تتضمن كميات هائلة من البيانات كالأدوات الرقمية التي تعمل على تحسين الشبكات الكهربائية أو إدارة طلب المستهلك، فإن من يحدد المعايير لا يكون قادراً على مجرد تصدير أنظمة محلية متوافقة مع بعضها البعض، بل قد يكون بوسعه أيضاً استخراج البيانات منها.

سيكون وضع المعايير أمراً مهماً بشكل خاص حين يتعلق الأمر بالطاقة النووية. ووفقاً لـ”الوكالة الدولية للطاقة”، سيتعين على توليد الطاقة النووية العالمية أن يتضاعف بين الآن وعام 2050 كي يكون من الممكن تصفير صافي الانبعاثات.

واعتباراً من 2018، فإن ما يزيد على 50 في المئة من المفاعلات النووية التي خُطّط لإنشائها، أو يجري حالياً إنشاؤها خارج حدود روسيا، تُبنى من قبل شركات روسية، كذلك تتولى بناء حوالى 20 في المئة منها شركات صينية، فيما أنشأت شركات أميركية ما يقل عن 2 في المئة من هذه المفاعلات. وهذا من شأنه أن يزيد من قدرة موسكو وبكين على التأثير في العادات المقبولة المتعلقة بعدم انتشار الأسلحة النووية، وفرض معايير تخص التشغيل والأمان تكون مصممة كي توفر لشركاتهما التقدم على الدوام في قطاع يحتاج الى النمو مع تطور عملية الانتقال في الطاقة.

سيأتي المصدر الثاني للهيمنة في عالم الطاقة النظيفة من التحكّم في سلسة التوريد لمعادن كالكوبالت والنحاس والليثيوم والنيكل والخامات النادرة التي تُعتبر ضرورية بشكل حاسم لأنواع شتى من تكنولوجيات الطاقة النظيفة، بما في ذلك توربينات الرياح والمركبات الكهربائية. ويبدو هنا التشابه مع قوة النفط صحيحاً، إلى حد ما. وطبقاً لـ”الوكالة الدولية للطاقة”، فإنه إذا بدأ العالم بالانتقال على عجل إلى مزيج طاقة أكثر استدامة، فإن الطلب على مثل هذه المواد سيتجاوز بكثير كل ما هو متوافر منها بسهولة هذه الأيام. وتقدّر الوكالة أن عالماً يمضي على المسار الصحيح من أجل تصفير صافي الانبعاثات في 2050 سيحتاج مع حلول 2040، إلى ستة أضعاف ما يحتاج إليه حالياً [من تلك المواد]. وفي غضون ذلك، سيرتفع  معدل التجارة العالمية في المعادن المهمة ارتفاعاً سريعاً، من حوالى 10 في المئة إلى قرابة 50 في المئة من التجارة المتعلقة بالطاقة مع حلول 2050. لذا، فإن العدد الصغير من البلدان التي تقدم القسط الأكبر للغاية من إمدادات المعادن المهمة سيتمتع بتأثير جديد خلال فترة الانتقال. ويستأثر اليوم بلد مفرد بأكثر من نصف إمدادات الكوبالت (جمهورية الكونغو الديمقراطية)، ونصف إمدادات الليثيوم (أستراليا)، ونصف إمدادات المواد النادرة (الصين). وعلى النقيض من ذلك، فإن كلاً من أكبر ثلاث دول منتجة  للنفط في العالم، أي روسيا والسعودية والولايات المتحدة، تستأثر بمجرد 10 في المئة من إنتاج النفط العالمي. وفي حين أن البلدان الأصغر والأشد فقراً، كجمهورية الكونغو الديموقراطية، قد تكون مترددة في استخدام قوتها المعدنية في ممارسة الضغط على الدول الأكثر قوة، إلا أن الصين أظهرت فعلياً استعدادها للقيام بذلك. ويمكن أن يكون الحظر الذي فرضته الصين على تصدير المعادن المهمة بشكل حاسم إلى اليابان عام 2010، في خضم التوترات المتنامية في بحر الصين الشرقي، مؤشراً إلى خطوات أخرى ستُتخذ في المستقبل.

إن سيطرة الصين على مدخلات عدد من تقنيات الطاقة النظيفة، لا تقتصر على براعتها في عمليات الاستخراج من المناجم، بل تملك دوراً مهيمناً أكثر في مجال معالجة وتنقية المعادن المهمة بصورة حاسمة. ستمنح هذه الحقائق الصين قوة اقتصادية وجيوسياسية حقيقية ومحسوسة، خلال العقد المقبل، في الأقل. ومع ذلك، سيضمحل هذا التأثير على المدى الطويل، إذ دفعت حالات الارتفاع الحاد لأسعار النفط في سبعينيات القرن العشرين لاعبين جدداً إلى البحث عن مصادر جديدة للنفط. وإن مجرد احتمال وجود تلاعب سياسي في المعادن النادرة، ينتج الظاهرة ذاتها. وإضافة إلى ذلك، من الممكن إعادة تدوير تلك المعادن، وستظهر بدائل لها أيضاً.

وسيبرز العنصر الثالث للهيمنة في مجال الطاقة النظيفة، من القدرة على تصنيع مكونات لتقنيات جديدة بتكلفة منخفضة. ومع ذلك، لن يوفر ذلك الأمر المزايا ذاتها التي يتمتع بها النفط أو الغاز. ومثلاً، تستأثر الصين بتصنيع ثلثي ما في العالم من مادة “بولي سيليكون” و90 في المئة من “شرائح” أشباه النواقل التي تُستعمل في صناعة خلايا الطاقة الشمسية. ويمكن أن تسبب الصين اختناقات كبيرة بإزالة هذه العناصر بشكل مفاجئ من سلاسل التوريد العالمية. في المقابل، إن المدخلات التي تستعمل في المنتجات التي تُنتِج الطاقة النظيفة أو تخزنها، ليست كالطاقة ذاتها. وإذا فرضت الصين قيوداً على صادرات الألواح الشمسية أو البطاريات، فلن تنطفئ الأضواء. ولن تكون بكين قادرة على إيقاف الاقتصادات بين عشية وضحاها أو تعريض رفاهية المواطنين وسلامتهم للخطر، على غرار ما فعلته موسكو حينما قلّصت صادرات الغاز الطبيعي إلى أوروبا خلال فصول الشتاء الباردة بين عامي 2006 و2009.

من المؤكد أن تصرّف الصين على ذلك النحو [تقليص إمداد المكونات اللازمة في صناعة أدوات الطاقة النظيفة] من شأنه أن يسبب حالات تعطّل وتفكك وتضخم، شبيهة بالآثار التي أحدثها تأخر صادرات شرائح الكمبيوتر طوال عام 2021. وقد يُفضي مثل هذا الاضطراب إلى توقف عملية الانتقال إلى الطاقة النظيفة، إذا شجّع المستهلكين على العودة إلى المركبات التي تعمل على البنزين، أو إلغاء خطط تركيب ألواح الطاقة الشمسية. لكن، حتى لو تبنّت الصين هذا التكتيك، ستسجيب الأسواق وستعمد البلدان والشركات الأخرى مع مرور الوقت، إلى طرح منتجات بديلة أو إمدادات خاصة بها، بل ستفعل ذلك بطريقة يصعب الإتيان بها مع مورد طبيعي غير متاح إلا في مواقع معينة، على غرار الحال مع النفط.

ثمة طريقة أخيرة يمكن أن تتيح لبلد ما أن يصبح قوة عظمى في مجال الطاقة النظيفة، تتمثّل في إنتاج أنواع الوقود المنخفضة الكربون وتصديرها. وستكون هذه الأنواع، خصوصاً الهيدروجين والأمونيا، حاسمة في عملية الانتقال إلى عالم يبلغ فيه صافي الانبعاثات صفراً، نظراً إلى دورها [تلك الأنواع من الوقود] المحتمل في إزالة الكربون من القطاعات التي يصعب نقلها إلى الاعتماد على الكهرباء، كإنتاج الفولاذ، إضافة إلى الوقود الذي تتزوّد به الشاحنات والسفن والمركبات الثقيلة الأخرى، وكذلك موازنة الشبكات الكهربائية التي تتزوّد من مصادر في الطاقة المتجددة قابلة لأن تعاني حالات تعطيل متقطعة. ويتنبأ السيناريو الذي وضعته “الوكالة الدولية للطاقة” عن “تصفير صافي الانبعاثات بحلول 2050” بأن التجارة بالهيدروجين والأمونيا سترتفع من اللاشيء تقريباً في الوقت الحالي، إلى ما يزيد على ثلث كل التعاملات ذات العلاقة بالطاقة. ومع الوقت، من المنتظر أن تتكون إمدادات الهيدروجين في الغالب من الهيدروجين الأخضر الذي يجري إنتاجه في أماكن يُعمل فيها بطاقة متجددة وفيرة وقليلة التكلفة، كتشيلي ودول الخليج العربية التي لديها كميات هائلة من الطاقة الشمسية الرخيصة. وبهذه الطريقة، قد تتمكّن بعض “دول البترول” التي يهددها هذا الابتعاد عن الوقود الأحفوري، من تحويل نفسها إلى “إلكتروستيتس” electrostates [دول الكهرباء].

وفي النهاية، إذا تطورت سوق للهيدروجين والأمونيا يجري إمدادها بشكل جيد ومتنوع، فسيكون ممكناً تعويض نقص في موقع ما بواسطة إمدادت واردة من مكان آخر، على غرار الحال مع النفط اليوم. وسيحدّ ذلك من التأثير الجيوسياسي للموردين المهيمنين. في المقابل، سيقود تطور إنتاج الوقود المنخفض الكربون وتجارته إلى توترات ومخاطر جيوسياسية على المدى القريب والمتوسط. وعلى غرار ما حدث في السوق العالمية الوليدة للغاز الطبيعي المسال قبل عقود، سيهيمن عدد صغير من المنتجين في البداية على إمدادات الوقود المنخفض الكربون. ونتيجة لهذا، إذا راهنت دولة كاليابان على الهيدروجين والأمونيا واعتمدت بشكل كبير على دولة واحدة أو دولتين لتزويدها بذلك الوقود، فقد تواجه مخاطر كبيرة تتعلق بأمن الطاقة.

ومع مرور الوقت، سيتطور الموردون المهيمنون على أنواع الوقود المنخفض الكربون. وقبل أن يصبح الهيدروجين الأخضر (أو الأمونيا التي يسهل نقلها، وكذلك يمكن تحويلها مرة أخرى إلى هيدروجين) هو الوقود المهيمن، فإن من المرجح أن يسود هيدروجين “أزرق”، بحسب تقرير “الوكالة الدولية للطاقة”. ويُصنع الهيدروجين الأزرق من الغاز الطبيعي باستخدام تقنية احتجاز الكربون لتقليل الانبعاثات. وقد تبرز البلدان التي تملك غازاً رخيصاً وقدرة تخزين جيدة لغاز ثاني أكسيد الكربون، كقطر والولايات المتحدة، باعتبارها أهم الدول المصدرة للهيدروجين الأزرق والأمونيا. أما بالنسبة للدول التي تفتقر إلى الغاز الطبيعي لكنها تتمتع بالقدرة على تخزين ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض، فإن أرخص طريقة تناسبها في الحصول على الهيدروجين الذي يصعب نقله لمسافات طويلة، ستتمثل غالباً في استيراد الغاز ثم تحويله إلى هيدروجين بالقرب من المكان الذي سيجري استعماله فيه، الأمر الذي سينطوي على المخاطر وحالات الاتكال على الغير ذاتها التي يسببها الغاز الطبيعي في هذه الأيام.

وفي هذه الحالة، ستكون الدول التي لا تملك الغاز ولا قدرات التخزين، على غرار كوريا الجنوبية، هي الأسوأ بين الجميع، بالتالي سيتعين عليها استيراد الهيدروجين الأزرق والهيدروجين الأخضر والأمونيا وستظل هذه البلدان معرّضة للخطر، حتى تطوير سوق أكبر وأكثر تنوعاً للهيدروجين والأمونيا.

أكثر خضرة لكنها أقل عالمية

سيتطلب الاقتصاد العالمي الذي يصل صافي الانبعاثات فيه إلى الصفر، سلاسل توريد كبيرة لمركّبات الطاقة النظيفة والمنتجات المصنعة، والتجارة في أنواع الوقود المنخفضة الكربون، والمعادن المهمة بشكل حاسم، والتجارة المستمرة (وإن بشكل أصغر بكثير مما هي عليه اليوم) في النفط  والغاز. هكذا، قد يبدو العالم المحايد كربونياً للوهلة الأولى أنه على الأرجح أكثر عولمة من كوكبنا الحالي الذي يعتمد الوقود الأحفوري. في المقابل، إن الوصول إلى عالم تصفير صافي الانبعاثات، سيوّلد ثلاث قوى تعارض العولمة.

أولاً، سيكون العالم الخالي من الكربون أكثر اعتماداً على الكهرباء، وبذا سيشهد تجارة عالمية أقل في مجال الطاقة. وقد توقعت “الوكالة الدولية للطاقة” أن إجمالي التجارة المرتبطة بالطاقة سيكون مجرد 38 في المئة في عالم تصفير الانبعاثات في 2050، من حجم تجارتها الكلي إن استمر العالم في مساره الحالي. إن أرخص وأسهل طريقة لإزالة الكربون من قطاعات اقتصادية عدة كالسيارات التي تعمل على المنتجات النفطية أو الحرارة المولّدة بواسطة حرق الغاز الطبيعي، تتمثل غالباً في كهربة تلك القطاعات وضمان أن الكهرباء [التي تشغّلها بدلاً من النفط أو الغاز] يجري توليدها من مصادر جرى تصفير صافي انبعاثاتها. ولهذا السبب، سيكون إجمالي الكهرباء المستخدمة في الولايات المتحدة، في اقتصاد نُزع الكربون منه بصورة كاملة، أكبر منه غالباً بما يتراوح من مرتين إلى أربع مرات بالمقارنة مع اليوم، وفقاً لباحثي جامعة “برنستون”. وقياساً إلى النفط والغاز، من المرجح أكثر بكثير أن تُنتج الكهرباء بطرق خالية من الكربون محلياً أو إقليمياً. ولقد جرى تداول أقل من 3 في المئة من الكهرباء العالمية عبر الحدود في 2018، بالمقارنة مع ثلثي إمدادات النفط العالمية في 2014. ويعود هذا إلى أن نقل الكهرباء لمسافات طويلة أصعب وأكبر تكلفة، على الرغم من تطور تكنولوجيا نقل التيار المباشر العالي الفولتية. كذلك يخلق الاعتماد على الكهرباء المستوردة مخاوف تتعلق بأمن الطاقة لدولة ما، أكثر مما يسببه الاعتماد على النفط المستورد، مثلاً، إذ يصعب تخزين الكهرباء وحفظها في حال تعطّل الإمدادات أو الاستيراد من مصادر أخرى.

وفي تطور آخر، ستواجه العولمة ضغطاً إضافياً نابعاً من حقيقة أن الطاقة النظيفة تسهم فعلياً في [تعزيز] الاتجاه نحو الحمائية، إذ ترفع البلدان في جميع أنحاء العالم حواجز في وجه مدخلات الطاقة النظيفة الرخيصة الآتية من الخارج، تفادياً للاعتماد على البلدان الأخرى، وتسعى إلى بناء صناعات تخلق تلك الآليات داخل حدود الدولة نفسها. ومن الأمثلة البارزة على ذلك الرسوم والتعريفات الجمركية التي تفرضها الهند على ألواح الطاقة الشمسية الصينية من أجل تنمية صناعة محلية للطاقة الشمسية خاصة بها. وعلى هذا المنوال، يفكر الكونغرس الأميركي في منح ائتمان ضريبي يعطي الأولوية للشركات التي تصنع السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة، وفيها تمثيل نقابي. وتعثرت جهود دولية رامية إلى إزالة العوائق من أمام تجارة السلع البيئية كتوربينات الرياح والألواح الشمسية.

وأخيراً، قد تحاول البلدان التي تتخذ خطوات فاعلة بهدف إزالة الكربون، أن تجبر الآخرين على أن يحذوا حذوها من خلال فن الحكم الاقتصادي، وهذا ربما يفضي بدوره إلى تفتيت العالم. هكذا، يعتزم صنّاع السياسة في الاتحاد الأوروبي وضع “آليات لتعديل الحدود” تتصل بانبعاثات غازات الاحتباس الحراري مع حلول 2023. وبموجب هذه السياسة، ستكون السلع المستوردة من بلدان تختلف معاييرها المناخية عن تلك السارية في الاتحاد الأوروبي، مطالبة بدفع ضرائب تشبه التعرِفات الجمركية [عند عبورها الحدود الأوروبية] بهدف إحداث توازن بين أسعار مختلف البضائع، استناداً إلى محتواها من الكربون. وبهذه الطريقة، لن يكون الفولاذ “الأخضر” المصنوع في أوروبا، مثلاً، مغبوناً في السوق الأوروبية بالقياس إلى الفولاذ المستورد “المتسخ” [بمعنى أنه مصنوع بطرق ترافقها انبعاثات كربونية ملوّثة]. ومع ذلك، مع مرور الوقت، قد تتحوّل التعرِفات التي تسعى إلى تحقيق تكافؤ فرص، رسوماً جمركية هدفها الضغط على البلدان التي تُعتبر بطيئة في إزالة الكربون كي تتّبع سياسات مناخية أقوى. وعلى الرغم من أن فكرة استخدام العقوبات بغرض إزالة الكربون بشكل أسرع قد تبدو خطوة مبالغاً فيها الآن، إلا أنه في عالم يُنظر فيه بشكل متعاظم إلى مصادر الانبعاثات الكربونية كبؤر لتهديد السلم والأمن الدوليين، ربما تصبح العقوبات أداة شائعة لإجبار المتقاعسين على التحرك.

رابحون وخاسرون

سيتطلب الانتقال إلى اقتصاد عالمي يصل فيه صافي الانبعاثات إلى الصفر، مستوى غير مسبوق من التعاون العالمي، لكنه سيؤدي أيضاً إلى صراع  ينشب على امتداد مسيرة الانتقال إلى حالة تصفير الانبعاثات، يتمخّض في نهاية المطاف عن ظهور رابحين وخاسرين. إن بعض القوى الكبرى كالصين والولايات المتحدة، في وضع جيد للاستفادة من ذلك الانتقال. إلا أن دولاً أخرى كروسيا، سينتهي بها الأمر غالباً في وضع أسوأ من حالها حاضراً. وبالطبع، ستغيّر هذه المسارات المتباعدة العلاقات بين القوى العظمى.

لقد أصبحت العلاقة بين بكين وواشنطن مشحونة حالياً أكثر مما كانت عليه منذ عقود. وحتى الآن، يجري التعاون بين القوتين بشأن تغيّر المناخ ضمن حده الأدنى، على الرغم من اتفاق اللحظة الأخيرة الذي توصلا إليه في اجتماعات “كوب 26” (مؤتمر الأطراف الـ26) في غلاسكو خلال الخريف الماضي، للعمل معاً بشأن تلك القضية. وإذا كانت تطورات حديثة، مثل عدم حضور الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى غلاسكو شخصياً ومراجعة الصين الباهتة لأهدافها المناخية وتخفيف بكين سياسة الفحم الحجري في مواجهة حالات النقص الأخيرة في الغاز، تعبّر عن اتجاه ما، [فإن تلك التطورات تؤشر إلى] إمكانية التصادم المتزايدة بين الصين والولايات المتحدة بشأن تغيّر المناخ، الأمر الذي قد يوهن الإرادة السياسية في دول أخرى بشأن اتخاذ إجراءات مناخية قوية.

يبدو من المرجح أن يصبح الانتقال إلى الطاقة النظيفة ميداناً آخر لتنافس البلدين بعداونية على التكنولوجيا والموهبة والإمدادات والأسواق والمعايير. وقد تؤدي هذه المنافسة إلى تسريع وتيرة نشر الطاقة النظيفة، لكنها ستؤجج أيضاً التوترات بين هاتين القوتين العظميين. وستؤكد الصين على نحو متعاظم قوتها، مستفيدة من موقعها المهيمن في تصنيع الطاقة النظيفة، وسيطرتها على المعادن ذات الأهمية الحاسمة. وبينما تمضي عملية الانتقال إلى الأمام، ربما يتضاءل نفوذ الصين مع ظهور تقنيات جديدة في أمكنة أخرى وتبدّل سلاسل التوريد واستخدام مزيد من المواد الموجودة بوفرة لإنتاج طاقة نظيفة.

ومن الممكن أن يسبب الانتقال في مجال الطاقة تبدلاً في علاقة أخرى بين القوى العظمى، هي تلك التي تربط بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. ففي الوقت الذي تتطلب العلاقات عبر الأطلسي إصلاحاً وتجديداً، يمكن لسياسة المناخ أن تعمل كصلة وصل قوية بين الطرفين.

وفي نهاية المطاف، بوسع واشنطن وشركائها في أوروبا استخدام قوتهما الاقتصادية والدبلوماسية المشتركة لتحفيز إزالة الكربون حول العالم. وقد يشكّلون “نادياً للمناخ” من بلدان التزمت تصفير صافي الانبعاثات، فيكون باستطاعتهم أن يفرضوا تعرفات جمركية على الواردات من خارج دول ذلك النادي، وفق ما دعا على هذه الصفحات [في مجلة “فورين أفيرز”] الاقتصادي وليام نوردهاوس الحائز على جائزة نوبل في 2020. ويمكن للدول الاعضاء أن تضع آليات مشتركة في إزالة الكربون من الصناعات الأكثر استهلاكاً للطاقة كصناعات الفولاذ والإسمنت والألمنيوم، بل حتى إعادة تحديد أهداف “حلف ناتو” للتركيز على الاستجابة للكوارث البيئية والأمنية ذات العلاقة بالمناخ.

في المقابل، قد لا يكون الطريق على المدى القصير إلى عالم تصفير صافي الانبعاثات سهلاً بالنسبة إلى العلاقات الأميركية– الأوروبية، إذ تحتاج سياسات واشنطن المناخية المعقدة إلى مقاربات سياسية مضنية كمحاولة استخدام التسوية الخاصة بالموازنة في الكونغرس في التغلب على المعارضة الجمهورية للمعايير الصارمة في الانبعاثات، وضرائب الكربون والاكتفاء بالاعتماد على الجزرة (كالإعانات)، بدلاً من العصي بهدف تغيير سلوك الشركات والمستهلكين. وسيُصعّب ذلك عملية تنسيق السياسات مع الأوروبيين عبر المحيط الأطلسي، وينطوي أيضاً على المجازفة بمفاقمة التوترات التجارية في الوقت الذي تلتزم أوروبا اتخاذ إجراءات كتعرفات الكربون الحدودية.

وأخيراً، سيؤدي الانتقال في مجال الطاقة حتماً إلى تبدّل في علاقات روسيا مع القوى الكبرى الأخرى، إذ تعتمد روسيا على صادرات النفط والغاز اعتماداً كبيراً. وعلى المدى الطويل، سيشكّل الانتقال إلى الطاقة النظيفة مخاطر جسيمة على مواردها المالية ونفوذها. لكن، قد يتقوّى موقف روسيا تجاه الولايات المتحدة وأوروبا أثناء فترة الانتقال الفوضوية، قبل أن يضعف. ومع تزايد اعتماد الدول الأوروبية على الغاز الروسي في الأعوام المقبلة، فيما يرتفع مستوى التقلب في أسواق النفط، فستعوّل الولايات المتحدة وأوروبا على روسيا في إبقاء الأسعار تحت السيطرة من خلال شراكتها مع السعودية باعتبارهما قائدَي تحالف “أوبك+”، المؤلف من أعضاء “أوبك” وعشر دول أخرى رئيسة مصدرة للنفط.

في هذه الأثناء، سيصبح نهج موسكو الرافض إلى حد كبير مسائل تغيّر المناخ، مصدراً للتوتر المتنامي في علاقاتها مع واشنطن وبروكسل، على الرغم من أن خطاب بوتين بات أخيراً صديقاً للمناخ أكثر مما مضى. وربما تجد روسيا صعوبة في مقاومة [الرغبة بـ] استهداف البنية التحتية للطاقة بهجمات إلكترونية في عالم أُزيل منه الكربون بالكامل، فيما تتزايد كهربته ويشتد الربط بين أجزائه رقمياً عن طريق “إنترنت الأشياء” Internet of Things [إشارة إلى مرحلة تزوّد فيها أشياء الحياة اليومية كلها، كالمنزل والأثاث والسيارة وأدوات المطبخ وغيرها، برقاقات إلكترونية تربطها مباشرة مع الإنترنت. وحينذاك، ستكون هجماتها شبيهة بتلك التي أوقفت بواسطتها الشبكة الكهربائية الأوكرانية في 2015 و2016. إضافة إلى ذلك، في الوقت الذي يقلل مستهلكو الطاقة التقليديون في الغرب استخدامهم للوقود الأحفوري، ستتجه روسيا باطّراد إلى السوق الصينية لتفريغ إمداداتها هناك، ما سيعزز المواءمة الجيوسياسية بين موسكو وبكين.

من التقارب إلى التباعد

تجاوزت معدلات النمو في العالم النامي على امتداد الأعوام الثلاثين الماضية مثيلاتها في العالم المتقدم، ما شجع على حصول تقارب اقتصادي تدريجي بين الدول الغنية والفقيرة. ويبشّر الانتقال إلى الطاقة النظيفة بتعزيز هذا التوجه على المدى الطويل. ومع أن عالم تصفير صافي الانبعاثات لن يخلو من الصعوبات، إلا أنه سيعني أيضاً بالنسبة إلى الدول النامية قدراً أقل بكثير من الألم، بالمقارنة مع ما تواجهه في عالم يبقى فيه تغيّر المناخ من دون رقابة. علاوة على ذلك، يتمتع عدد من الدول النامية بموارد طاقة نظيفة وفيرة وقليلة التكلفة كالطاقة الشمسية التي ستكون تلك الدول قادرة على استعمالها محلياً أو تصديرها على شكل كهرباء أو وقود. وكذلك يفخر عدد لا بأس به من تلك الدول بما لديه من تكوينات جيولوجية ممتازة لتخزين ثاني أكسيد الكربون الذي يجب تخليص الغلاف الجوي منه. (ووفق بعض التقديرات، فإن خُمس المقدار الذي سينخفض فيه ثاني أكسيد الكربون بهدف الوصول إلى تصفير صافي الانبعاثات سيأتي من نزع الكربون).

مع ذلك، فإن الطريق الشاق إلى إزالة الكربون ينطوي أيضاً على مجازفات خطيرة بالنسبة إلى البلدان النامية. وظهر الشرخ بين الدول الغنية والفقيرة بوضوح بالغ في “مؤتمر المناخ” في غلاسكو. فقد كانت الدول المنخفضة الدخل جازمة في دعواتها للدول الصناعية إلى دفع ثمن الأضرار التي تسببت بها تاريخياً [منذ بداية عصر الثورة الصناعية] انبعاثاتها من غازات الاحتباس الحراري، إذ نجم تغيّر المناخ عن انبعاثات الكربون المتراكمة مع مرور الزمن. ولقد جاء ربع إجمالي الانبعاثات منذ بداية العصر الصناعي وحتى الآن، من الولايات المتحدة، وأتى المقدار ذاته تقريباً من أوروبا. في المقابل، لم تُعطِ قارة أفريقيا بأكملها سوى 2 في المئة فحسب من الانبعاثات. وإذ تشعر الدول الغنية بالحاجة الملحة المتنامية لخفض انبعاثات الكربون، فيما تبقى الدول النامية مركّزة على الحاجة لتحقيق النمو لمواطنيها، فإن المجموعتين مرشحتان للاشتباك على الدوام.

في مسار مماثل، ثمة دليل أيضاً على التوتر بشأن مصير 100 مليار دولار (حوالى 75.44 مليار جنيه استرليني) من المساعدات التي تعهدت دول غنية في “قمة المناخ” في كوبنهاغن 2009 بتقديمها إلى دول فقيرة مع حلول 2020. لكن، لم تفِ الدول المعنية بالتزامها، حتى إن ذلك الرقم الكبير يُعتبر خطأ في تقريب الأرقام بالمقارنة مع مبلغ يتراوح بين 1 و2 تريليون دولار تلزم سنوياً للاستثمار في الطاقة النظيفة ضمن اقتصادات الأسواق النامية والناشئة، بهدف تصفير صافي الانبعاثات الكربونية مع حلول 2050. ومع تعاظم الحاجة الملحة لإزالة الكربون وارتفاع تكاليف تغيّر المناخ، سيكون فشل البلدان الغنية في مساعدة الدول الفقيرة، مصدر توتر جيوسياسي متنامٍ، لا سيما أن الدول النامية تتحمل بشكل غير متناسب تبعات ضرر لم تتسبب فيه أصلاً.

ونظراً إلى طول المدة التي انتظر خلالها العالم كي يبدأ العمل بشأن تغيّر المناخ، فإن الدول الفقيرة ستحتاج إلى اتّباع مسارات تنمية مختلفة عن تلك التي اتبعتها الدول الغنية، وكذلك سيتعيّن على الدول النامية أن تعتمد بشكل أقل بكثير على الوقود الأحفوري. وعلى الرغم من ذلك، يفتقر حوالى 800 مليون شخص إلى أي خدمات في الطاقة، ناهيك عما يلزم من الطاقة لدفع النمو الاقتصادي والتصنيع إلى مستويات مهمة.

وعلى الرغم من أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ومصادر الطاقة المتجددة الأخرى يمكن أن تمثل طريقة ممتازة في تلبية بعض حاجات الدول النامية، فإنها غير كافية في الوقت الحالي لتشغيل [عجلة] التصنيع و[إطلاق] مسارات أخرى في النمو، إضافة إلى وجود حدود لمدى السرعة التي يمكن بها توسيع نطاقهما. ستواجه بعض الدول النامية أيضاً عقبات نادراً ما تعترض الدول الغنية. ومثلاً، قد لا يكون من الممكن شحن سيارة كهربائية في دول تعاني انقطاع التيار الكهربائي كل يوم، أو حيث تكون الشبكات الكهربائية مدعومة بواسطة مولدات الديزل.

إذا سعت البلدان الغنية بشكل متعاظم إلى منع استعمال الوقود الأحفوري، فيما ترى البلدان النامية عدداً قليلاً من البدائل الممكنة عملياً وبأسعار معقولة بالنسبة إليها، فلا بد للفجوة بين الدول الغنية والفقيرة من الاتساع. هكذا، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في أبريل (نيسان) 2021 أن الولايات المتحدة لم تعُد تموّل مشاريع الغاز الطبيعي في الخارج إلا حين تخصّ أفقر الدول كسيراليون، وذلك بسبب المخاوف المتعلقة بتغيّر المناخ، علماً أن 60 في المئة من الكهرباء الأميركية لا تزال تأتي من الوقود الأحفوري. وبعد وقت قصير من ذلك، جادل ييمي أوسينباجو، وهو نائب الرئيس النيجيري في مجلة “فورن أفيرز”، بأن مطالبة بلاده بتحقيق التنمية من دون استخدام الغاز الطبيعي، غير منصفة.

في منحىً مماثل، سيتصاعد التوتر بين الدول النامية والمتقدمة ليس حصراً بشأن استخدام الوقود الأحفوري بل أيضاً حول إنتاجه. هناك عدد من دول العالم الفقيرة كغوايانا وموزامبيق وتانزانيا، التي تملك موارد هيدروكربونية كبيرة وترغب بالاستفادة منها. في المقابل، ثمة دول غنية ترى نفسها في موقع قيادي في مجال المناخ وستضغط بصورة متزايدة على هذه وغيرها من الدول النامية، أو على الشركات التي تريد أن تكون شريكة لها، وذلك من أجل الكف عن الحفر، حتى في الوقت الذي تواصل بعض تلك الدول الغنية في الأقل، استخراج نفطها وفحمها وغازها. وستتعرّض المؤسسات المالية لضغوط مستمرة من الناشطين من أجل عدم دعم مشاريع الاستخراج في العالم النامي. وفي عالم يضيق فيه نطاق استخدام الوقود الأحفوري أكثر فأكثر، سيكون من المفهوم لماذا تتساءل البلدان الفقيرة عن سبب عدم السماح لها بالحصول على قطعة كبيرة من الكعكة الآخذة في التضاؤل.

كيفية خفض المخاطر

يتطلب الانتقال إلى الطاقة النظيفة تحولاً كاملاً في الاقتصاد العالمي، وكذلك سيحتاج إلى حوالى 100 تريليون دولار (حوالى 75.47 تريليون جنيه استرليني) من الإنفاق الرأسمالي الإضافي خلال العقود الثلاثة المقبلة. ثمة سبب ضئيل يبرر التكهن بأنه من الممكن استكمال مثل هذا الإصلاح الجذري بطريقة منسقة، وإدارته على نحو حسن وبطريقة سلسة. وكذلك سيكون الانتقال المنظم صعباً بما فيه الكفاية حتى في حال وجود مُخطِّط رئيس يعمل على تصميم نظام الطاقة العالمي المترابط بشكل وثيق، وغني عن القول إنه لا وجود لمُخطِّط من ذلك النوع.

حينما يحقق العالم نظام طاقة محايد كربونياً، بكامله أو حتى جزئياً في الغالب، سيجري تخفيف عدد من مخاطر أمن الطاقة الحالية إلى حد كبير (حتى مع ظهور بعض المخاطر الجديدة)، إذ سيتضاءل تأثير “دول البترول” ونفوذ روسيا في أوروبا، وستكون أسعار الكهرباء المتجددة أقل تقلباً، كذلك ستنحسر الصراعات على الموارد الطبيعية. في المقابل، إذا حصل تعارض أثناء السير في الطريق الموصل إلى تلك الحالة النهائية، بين القدرة على تحمل تكاليف الطاقة، أو مدى جدارة الطاقة بالثقة، أو أمن إمداداتها، أو غير ذلك من ضرورات الأمن القومي، من جهة، وبين الاستجابات الطموحة لتغيّر المناخ، من جهة أخرى، فسيكون هناك خطر كبير من عدم وضع المخاوف البيئية في مقدمة الأولويات. هكذا، تتطلب القيادة المناخية الدولية ما هو أكثر بكثير من مجرد التفاوض بشأن اتفاقات المناخ، وتقديم وعود بإزالة الكربون، وتخفيف تداعيات الآثار الشديدة للتغيّر المناخي في الأمن القومي. إنها تعني أيضاً التقليل بطرق متنوعة من المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية التي يحملها الانتقال إلى الطاقة النظيفة حتى حينما ينجح.

أولاً، يحتاج صانعو السياسة إلى تنويع عدّتهم والإكثار منها من أجل رفع مستوى أمن الطاقة ومدى جدارتها بالثقة، واتخاذ الاستعداد للتقلبات الحتمية. أما بالنسبة إلى المبتدئين، فسيكون من علامات الافتقار إلى الحكمة التخلي عن مصدر طاقة جرى تصفير صافي انبعاثاته ويمكن أن يعمل باستمرار، أي الطاقة النووية. وسيكون من الحماقة التخلص من أدوات أمن الطاقة القائمة حالياً على غرار الاحتياطي البترولي الاستراتيجي للولايات المتحدة. وبشكل مبكر، قرّر الكونغرس عرض بعض الوقود الاحتياطي للبيع، على سبيل الاستجابة لوفرة النفط الأميركي على المدى القريب وتوقع عالم ما بعد النفط. في الواقع، مع تسارع الانتقال في الطاقة، سيتوجب على صانعي السياسة التعهد بإجراء تحليلات للتكلفة والمنفعة، بغرض تقييم مدى إمكانية تبرير المخزونات الاستراتيجية الإضافية في تأمين إمدادات الغاز الطبيعي والمعادن المهمة بشكل حاسم والهيدروجين والأمونيا.

في سياق متصل، يتوجّب على صنّاع السياسة أيضاً التحلي على الدوام بأقصى درجات المرونة في ما يتعلق بمصادر الطاقة حتى أثناء التخلص التدريجي من الطاقة “البنّية” [الطاقة التي تنتج بطرق لا تنتج كثيراً من الانبعاثات لكنها غير خالية منها]. لقد ثبُت عدم صحة الحجج القائلة إن الولايات المتحدة شهدت “ذروة استخدام البنزين” في 2007، والعالم مرّ بتجربة “ذروة استخدام الفحم” في 2014.

ونظراً إلى عدم اليقين بشأن الحاجات المستقبلية، يجب على صانعي السياسة أن يكونوا مستعدين للإبقاء على بعض مخلفات أصول الوقود الأحفوري الموجودة في الاحتياطي، وذلك كإجراء احترازي بمعنى أنها قد تلزم خلال فترات وجيزة أثناء عملية الانتقال في الطاقة، حينما يحدث انفصال بين العرض والطلب. يجب أن يعتمد منظمو المرافق هياكل تسعير من شأنها أن تعوّض الشركات التي توفر الموثوقية. ومثلاً، من أجل الاستعداد لمواجهة حالات الذروة في الطلب، يجب على المنظمين أن يصمموا الأسواق التي تدفع إلى مرافق الطاقة بهدف الحفاظ على السعة والإمدادات، حتى لو لم تُستخدم تلك المرافق إلا نادراً، لأن ذلك يحفّز المرافق على توفير خطط في مكافأة العملاء على تقليل استهلاكهم للكهرباء خلال فترات الذروة. وعلى نطاق أوسع، ينبغي على صناع السياسة أن يسنّوا إجراءات ترمي إلى تحسين الكفاءة من أجل تقليص الطلب، بالتالي تضييق الاختلالات المحتملة في العرض والطلب.

واستكمالاً، هناك طريقة أخرى تستطيع الحكومات من خلالها أن تعزز أمن الطاقة، تتمثّل في تقليل مخاطر سلسلة الإمداد، لكن ليس بطريقة من شأنها أن تشجع الحمائية. ويجب على المسؤولين ألّا يركضوا وراء وهم الاستقلال، بل عليهم أن يحاولوا بدلاً من ذلك أن يبنوا نظاماً متنوعاً ومترابطاً يتمتع بالمرونة. لا يعود تحسن أمن الطاقة في أوروبا إلى خفض واردات الغاز الروسي، ففي الواقع ارتفعت تلك الواردات على الدوام، لكنه يرجع إلى الإصلاحات التنظيمية والبنية التحتية التي جعلت السوق الأوروبية أكثر تكاملاً وتنافسية. وخلافاً لذلك، تجاوزت أجزاء ولاية تكساس تملك شبكات موصولة بشبكات ولايات مجاورة، أزمة الطاقة التي واجهتها الولاية في 2021، بشكل أفضل من أجزائها الأخرى، علماً أن الخدمة توافرت للولاية عن طريق شبكة كهربائية ونظام نقل معزولَين.

كذلك يتوجّب على صانعي السياسة أيضاً معالجة بعض الطرق التي سيفاقم بها “الانتقال الخشن” في مجال الطاقة، حالات عدم المساواة العميقة الموجودة فعلاً في المجتمع، ومن المحتمل أن يتمخّض عن ذلك رد فعل سياسي عنيف ضد الطاقة النظيفة. وستعاني المجتمعات التي تعتمد على عائدات الوقود الأحفوري والوظائف التي يوفرها، في حال غياب التنمية الاقتصادية وتدريب القوى العاملة اللذين تدعمهما الحكومة. في غضون ذلك، يجب على صناع السياسة أن يلجأوا إلى الإعانات أو التعديلات المؤقتة في معدلات الضريبة، بهدف مساعدة المستهلكين من أصحاب الدخل المحدود على التعامل مع تقلب الأسعار، على غرار ما فعل عدد من الدول الأوروبية في الأشهر الأخيرة.

وبقدر ما تحتاج الحكومات إلى تعزيز الابتكار الجديد وتسريع الانتقال إلى الطاقة النظيفة للحدّ من تغيّر المناخ، يجب عليها أيضاً أن تتخذ خطوات واعية بهدف تخفيف وطأة المخاطر الجيوسياسية التي سيخلقها هذا التغيير، إذ يمكن للتكنولوجيات الجديدة أن تحلّ المشكلات التكنولوجية واللوجستية، لكنها لا تستطيع القضاء على المنافسة أو على فروق القوة، أو إزالة الحافز الذي تشعر به البلدان كافة لحماية مصالحها وتعظيم نفوذها. وإن لم تدرك الحكومات هذا، سيواجه العالم بعض الانقطاعات أو الفجوات الصارخة في الأعوام المقبلة، بما في ذلك التهديدات الاقتصادية والأمنية الجديدة التي ستعيد تشكيل السياسة العالمية. في المقابل، ربما يكون الخطر الأكبر للفشل في تحديد هذه المزالق والتخطيط لها، متمثلاً في أنه إذا تعارضت مخاوف الأمن القومي مع طموحات تغيّر المناخ، ربما لا يحدث على الإطلاق، انتقال ناجح إلى الطاقة النظيفة. ولا يستطيع العالم تحمّل مزيد من المطبات على الطريق الوعرة فعلاً خلال سيره نحو تصفير صافي الانبعاثات الكربونية.

* جيسون بوردوف، العميد المؤسس المشارك لـ”كلية كولومبيا للمناخ” والمدير المؤسس لـ”مركز سياسة الطاقة العالمية” في “كلية الشؤون الدولية والعامة”، جامعة كولومبيا. شغل خلال إدارة أوباما منصب المساعد الخاص للرئيس، والمدير الأول للطاقة وتغيّر المناخ بين موظفي مجلس الأمن القومي.

** ميغان إل. أوسوليفان، بروفيسورة “كرسي جين كيرباتريك لممارسة الشؤون الدولية” في كلية هارفارد كينيدي، ومؤلفة كتاب “الربح المفاجئ، كيف تقلب وفرة الطاقة الجديدة السياسات الدولية وتعزز نفوذ أميركا”. وعملت خلال إدارة جورج دبليو بوش مساعدة خاصة للرئيس ونائب مستشار الأمن القومي للعراق وأفغانستان.

فورين أفيرز يناير(كانون الثاني)/ فبراير (شباط) 2022

المصدر: اندبندنت عربية

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى