خبراء “بروكينغز” يتحدثون  عن تداعيات “كورونا المستجدّ” على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

مجموعة من الخبراء

تمّ التعرف إلى مرض فيروس كورونا المستجدّ، أو ما يُعرف أيضاً بـ”كوفيد-19″، للمرّة الأولى في كانون الثاني (يناير) 2020، بعد أن تسبّب بوقوع مرضى في مدينة ووهان الصينية. ومنذ تلك الآونة، تفشّى بسرعة في أرجاء العالم، مسبّباً حالة من الهلع وعدم اليقين. وحتى لحظة كتابة هذه التقديرات، تمّ تأكيد إصابة ما يقارب نصف مليون حالة ووفاة 20 ألف شخص في العالم. وتستمرّ هذه الأرقام بالارتفاع بوتيرة مقلقة.

وقد تأثّرت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مسبقاً وبشدّة، مع بروز إيران كبؤرة عالميّة أوّليّة لتفشي فيروس كورونا المستجدّ. ومع استمرار تفشّي الجائحة في أرجاء المنطقة، تأخذ الحكومات خطوات متزايدة الشدة للسيطرة على تقدّمها، بما في ذلك حظر التجمّعات العامة، وفرض حظر التجوّل ومنع الرحلات الجوية وتطبيق إجراءات صارمة للمراقبة. ومع تطوّر أزمة فيروس كورونا المستجدّ بوتيرة شديدة السرعة، ينظر خبراء مركز بروكينغز الدوحة في احتمالات المستقبل، ويتشاطرون أفكارهم حول أهمّ تداعيات الجائحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي الاستشرافات التالية، يحدّد الخبراء التحديات الإقليمية الكبرى، ويتطرقون إلى بحث التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية. ومع أنّ الكثير من وجهات الجائحة ما تزال مجهولة، تقدّم هذه التصورات رؤى مهمّة حول الأثر الذي أحدثه فيروس كورونا المستجدّ في المنطقة حتى اللحظة، فضلاً عن تداعيات ما سيحمله المستقبل.

علي فتح الله نجاد

فيروس كورونا المستجدّ يُبرز “أنماطاً جديدة من التبعية” في إيران

مع بروز إيران كبؤرة لتفشي فيروس كورونا المستجدّ في منطقة الشرق الأوسطّ، لا يمكن فصل تفشّي الفيروس وانتشاره عن العوامل السياسية والجيوسياسية.

فكما كان الحال مع الصين، أخفت السلطات في إيران تفشّي الفيروس المستجدّ لأسابيع عدّة، ولم تُعلن طهران عن الإصابات والوفيّات الأولى إلا في النصف الثاني من شباط (فبراير). ولم يرغب النظام في الإفصاح عن التفشّي لأنّه أراد حشد الشعب لذكرى الثورة الإسلامية والانتخابات النيابية التي جرت في وقت سابق من ذلك الشهر.

ويبدو أنّ “الرابط الصيني” يقع في صميم التفشّي في إيران. فعندما تمّ الإبلاغ عن حالات الإصابة الأولى بالفيروس في الصين وأعلنت منظّمة الصحّة العالمية “حالة طوارئ صحّية عامة” في أواخر كانون الثاني (يناير)، أعلنت إيران، شأنها شأن الدول الأخرى، حظراً على الرحلات من الصين وإليها. بيد أنّه في الأسابيع الثلاثة الأولى بعد الحظر، تابعت شركة طيران ماهان؛ إحدى شركات الطيران الإيرانية الكبرى، تشغيل رحلاتها كالمعتاد، بعد أن وردت تقارير أنّ رئيسها التنفيذي التقى السفير الصيني في طهران.

يشكّل الرابط الصيني هذا خيرَ مثال على ما أسميتُه “أنماطاً جديدة من التبعية”، والتي ستواجهها إيران أمام القوى العظمى الشرقية مثل الصين وروسيا في خضمّ محاولاتها للتصدّي للضغوط الغربية. وهكذا، سواء كان ذلك طوعياً أم إشارة إلى الانصياع التوقّعي، حافظت إيران على صلات السفر إلى الصين ومنها. وبعبارات أخرى، أعطت السلطات الإيرانية الأولوية للمصالح السياسية على حساب إطلاع الرأي العام كما يلزم بشأن تفشّي الفيروس واتّخاذ الاحتياطات المناسبة.

لقد عقّد خداع الحكومة وسوء تعاملها مع الأزمة جهودَ السلطات لاحتواء الفيروس، لأنّ الشعب غالباً ما لا يثق بالإجراءات التي يعتمدها النظام وبالمعلومات التي يعلنها. وفي الأثناء، يبدو أنّ الأثر الاقتصادي على اقتصاد متعثّر أصلاً سيكون مدمّراً. فقد تأثّر كل من الاستهلاك المحلّي والتجارة الإقليمية، وهما عنصران أساسيان لدعم اقتصاد يعاني العقوبات، بشكل كبير.

عمر حسن عبد الرحمن

فيروس كورونا المستجدّ يمكن أن يعزز الاتجاهات المناهضة للديمقراطية في إسرائيل وفلسطين في إسرائيل وفلسطين، كما هو الحال في باقي العالم، تتسارع الأحداث وتتغيّر الظروف بسرعة. وعلى الرغم من العداء بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، فإنهما وسعتا التعاون الأمني بينهما ليشمل إدارة أزمة فيروس كورونا المستجدّ، مع استمرار ديناميات القوى المعهودة بين جهة احتلالية وجهة مُحتلَّة. ومع أنّ السلطة الفلسطينية تعمل ظاهرياً مع إسرائيل، طبّقت الأخيرة حجراً على المدن والقرى الفلسطينية حسب ما تراه مناسباً.

ستكون التداعيات المالية قاسية على الأرجح، ولا سيّما على الاقتصاد الفلسطيني المتضعضع أكثر بكثير. ولا شكّ في أنّ الجائحة ستمتحن نظام الرعاية الصحّية الفلسطيني الرديء أصلاً. وإذا انتشر الفيروس في قطاع غزّة، فإنه يمكن أن يكون كارثياً للغاية. وفي إسرائيل أيضاً، كان نظام الرعاية الصحّية من أكثر القطاعات المُهمَلة في البلاد، وقد يكون تفشّي الفيروس أعلى من قدرته على التحمل.

تظل التداعيات السياسية على كلا المجتمعَين متغيّرة وغامضة. وفي خضمّ المياه السياسية المتلاطمة قبل الجائحة، قد تجد القيادتان، الإسرائيليّة والفلسطينيّة، على حدّ سواء ما هو إيجابي لهما في الأزمة.

فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يواجه اتهامات جنائيّة ونظاماً سياسياً عالقاً، ومفوّضوه حالة الطوارئ، وأشرفوا على تعليق اجتماعات الكنيست والجهاز القضائي وأخّروا بداية محاكمته واستأثروا بتقنية المراقبة في البلاد لاستعمالها من دون إشراف برلماني. والآن، يبدو نتنياهو عازماً على الضغط على المعارضة السياسية لتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسته.

أما في ما يخصّ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس، الذي أعلن حالة الطوارئ أيضاً، فقد منحته الأزمة فرصة لاستعراض قيادته في وقت باتت فيه شرعيّته وشرعية السلطة الفلسطينية موضعَ شكّ كبير. كما منحته أيضاً تأجيلاً للمسائل الملحّة مثل “صفقة القرن” التي طرحها ترامب والحاجة إلى عقد الانتخابات التي لطالما وعد بها من دون أن يفي بوعده. ومع ذلك، ومع ثقة شعبية في أدنى مستوياتها، كان على مسؤولي السلطة الفلسطينية أيضاً طمأنة المجتمع إلى أن الإجراءات الصارمة المستخدمة لمواجهة الجائحة لا دوافع سياسية لها، ولا سيّما بعد أن اعتقلوا منتقداً معروفاً بعد صدور إجراءات الطوارئ مباشرة.

ويمكن أن تعزّز فترة مطوّلة من الأزمة الاتجاهات المناهضةَ للديمقراطية الجارية على قدم وساق مسبقاً في إسرائيل وفلسطين كلتيهما.

ياسمينة أبو الزهور

ستكون لفيروس كورونا المستجدّ تداعياتٌ واسعة النطاق في المغرب العربي

في الوقت الذي تتخذ فيه ليبيا خطوات لتفادي تفشّي فيروس كورونا المستجدّ، يعتمد قادة آخرون في منطقة المغرب العربي إجراءات صارمة لكبح تقدّم الجائحة. وتشمل هذه الإجراءات حظر التجمّعات العامة وفرض العزل الإلزامي وإلغاء الصفوف الدراسية وإغلاق المساجد وتسريح الأيدي العاملة بشكل جزئي وتعليق السفر الجوي والبحري والبرّي.

ستكون لبعض هذه الإجراءات تداعياتٌ اقتصادية قاسية في منطقة المغرب العربي. فمع استمرار القيود على السفر، سيعاني المغرب وتونس، اللذان يعتمد اقتصادهما على السياحة. ومع هبوط أسعار النفط ستعاني الجزائر وليبيا اللتان تصدّران الهدروكربونات أيضاً. وستؤثّر الاضطرابات التي ستطال التجارة مع الصين سلباً في المغرب والجزائر وتونس، فيما ستضرّ الأسواق الأوروبية المتراجعة بالمغرب؛ الشريك التجاري الأكبر لأوروبا في منطقة البحر المتوسط.

على الصعيد السياسي، على الرغم من أنّ الجائحة قد تؤمّن فترة استراحة من الاحتجاجات الدائمة في الجزائر، فإنّ سلوك النظام في هذا الوقت، مع أنظمة رعاية صحّية ليست في أفضل أحوالها وتفاوت اجتماعي متفاقم، سوف يفضي في النهاية إلى بروز المعارضة في أرجاء المغرب العربي. وفي المغرب حيث أُشيد بالإجمال بالاستجابة الحكومية للوباء، تسبّب قرارُ إغلاق المساجد باحتجاجات في طنجة وفاس قمعتها القوى الأمنية بقسوة. وسيواجه ردّ الفعل هذا انتقاداً من ناشطي حقوق الإنسان ومجموعاتها الذين اتّهموا النظام بالقمع القضائي مؤخراً.

وفي الجزائر، أجّل أعضاء الحراك المسالم المعارض للنظام الاحتجاجات للمرّة الأولى منذ شباط (فبراير) 2019. وسوف يُكسب قرار تأجيل الاحتجاجات من أجل الصالح العام الحراكَ احتراماً وثقة لدى الشعب. وستشكّل الأزمة الجارية امتحاناً للرئيس عبد المجيد تبون الذي شهدت عملية انتخابه للرئاسة مقاطعةً واسعة والذي ستكون استجابته للجائحة تحت المجهر.

تتمتّع تونس بنظام رعاية صحية أفضل من المغرب والجزائر، وهي تتعامل مع تقدّم أبطأ للفيروس. وعلاوة على مبلغ 400 مليون دولار أميركي تلقّتها البلاد من صندوق النقد الدولي، تعهّدت الحكومة بمبلغ 850 مليون دولار أميركي للمساعدة على احتواء أثر الفيروس. بيد أنّ التوقّعات الاقتصادية للبلاد غير واعدة ويرجح أن تواجه ركوداً، ولا سيّما مع أثر الجائحة على قطاعها السياحي.

أما ليبيا، فعلى الرغم من أنّها لم تسجّل سوى حالة واحدة مؤكّدة حتّى لحظة كتابة هذه السطور، فإن وضعها يدعو للقلق، بالنظر إلى الصراع المحتدم فيها. وفي حال تفشّت الجائحة، ستكون النتائج كارثية بسبب مواردها المحدودة وانعدام سيطرة الحكومة المعترَف بها دولياً على البلاد.

المصدر: (معهد بروكينغز) /الغد الأردنية

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى