في ذكراهم قصيدة (الصاعدون .. من دمائهم )

عبد الله البردوني

لشاعر اليمن  الكبير عبدالله البردوني التي اهداها لشهداء حركة 15 اكتوبر 1978 الناصرية في اليمن بقيادة القائد الشهيد/ عيسى محمد سيف.

رحمة الله وسلامه وسكينته لارواحهم الطاهرة

——

لأنهم من دمهم أبحروا

كالصبح، من توريدهم أسفروا

تكسروا ذات خريف هنا

والآن من أشلائهم أزهروا

وقبل إعلان الشذى، حدقوا

وعن سداد الرؤية استبصروا

تجمروا في ذكريات الحصى

ومن حنين التربة اخضوضروا

***

هناك رفوا… ها هُنا أعشبوا

هل تضجر الأمواج كي يضجروا؟

من كل شبر أبرقوا، أشرقوا

كيف التقى الميلاد والمحشر؟

كيف هموا لوناً، سنىً؟ كيف من

تحت الشظايا والحصى أمطروا؟

***

ماذا يقص التل للمنحنى

عنهم، ويروي الحقل والبيدر؟

وكيف تحكي الدار أخبارهم

ويستعيد القصة المهجر؟

***

ناموا شظايا أنجم في الثرى

وقبل إسحار الدجى أسحروا

مؤقتاً غابوا ، لكي يبزغوا

كي يشمسوا من بعد ما أقمروا

عادوا إلى أعراقهم أورقوا

منها … ومن أشجارهم أثمروا

***

من حيث يدرون ومن حيث لا

ندري… أطلوا، أذهلوا، أسكروا

لا شيء يدري… أي شيء يرى

وكيف أضحى غيره المنظرُ؟

تعدو إليهم كالصبايا الربى

يطير كالعصفورة المعبرُ

وكل كوخ يمتطي شوقه

وكل صخر فرس أشقرُ

وكل بستان يصيح: اقتطف

يا كلّ طاوٍ … ياعطاش اعصروا

***

من أين جاؤوا؟ كلهم أكدوا

مماتهم…. عن سره أخبروا

وشكلوه بدعة لوّنت

أشكالها الأسواق والسمرُ

***

قيل: انقضى عشرون عاماً على

تمزيقهم … قيل انقضت أشهرُ

وقال وادٍ : أصبحوا عنده

وقال سفحٌ : فوقه عسكروا

وقال نجم : تحت عيني سروا

والفجر في أهدابهم يسهرُ

وقيل : هبوا ضحوة وانثنوا

كما يتيه العاصف الأغبرُ

وقال بعض : شاهدوا دفنهم

وقال بعض البعض : لم يقبروا

قيل اختفوا يوماً.. وقيل انطفوا

وقيل : من حيث انطفوا نوروا

***

وقيل : ذابوا ذرة ذرة

والأرض في ذراتهم تكبرُ

***

في كل ملقى أصبحوا قصة

على رؤاها تلتقي الأعصرُ

ترق، تغلي، تنهمي خضرة

تطول، تنسى بدأها، تَقصرُ

لكن أما ماتوا؟ أمن أعلنوا

هذا بآتي وصلهم بشروا؟

وكيف عادوا من غياب الردى؟

لأنهم غابوا وهم حُضّرُ

وكانت الشمس بلا محور

وكانت الأشعار لا تشعرُ

وكل أمرٍ كان يجري كما

يدبر الماخور والمتجرُ

وكانت الألحان طينية

والوقت عن رجليه يستفسرُ

وكل مرأى كان من لونه

يفر، يلغي طعمه السكرُ

***

كانوا زماناً مستحيلاً أتى

من المحال انفجروا، فجروا

ومن يقين الصاعد المفتدي

ثاروا على عنف الردى، ثوروا

***

أنهوا زماناً تحت موضاته

ينهار، لا ينسى ولا يذكرُ

كانوا صراعاً بالنجيع ارتوى

روى إلى أن أغصن الخنجرُ

1978م

في 15  أكتوبر 1978

شهد اليمن محاولة جسورة قامت بها طلائع الحركة الناصرية لإعادة هذا البلد العربي إلى مساره الطبيعي الطليعي في نهضة أمته وفي مشروعها الحضاري، وهي ذات المسيرة التي انطلقت بها هذه الطلائع بقيادة الشهيد إبراهيم   الحمدي وتمكن القتلة المأجورين من إحباطها باغتيالهم هذا القائد الفذ. في 11 أكتوبر 1977.

لكن قتلة الحمدي الذين قاموا بجريمتهم مدفوعين ومدعومين من قوى ونظم الرجعية العربية تمكنوا من التصدي مرة أخرى لتوق اليمن إلى التحرر والانطلاق، وقاموا بعد التصدي للمحاولة الثورية وإفشالها بإعدام  21 من خيرة رجالات اليمن وأكثرهم علما وعملا وإخلاصا، وكان من هؤلاء الشهداء  12 شهيدا من قيادة التنظيم الطليعي اليمني من المدنيين. وتسعة من العسكريين، وكان في مقدمة من أعدمهم نظام “علي  عبد الله صالح”، قائد التنظيم الطليعي الأخ عيسى محمد سيف. ودخل اليمن إثر هذه الجريمة بنفق مظلم يدفع إليه ويعزز قواه تلك النظم والقوى نفسها  التي اغتالت الحمدي، وهو النفق نفسه الذي أوصل اليمن إلى ما نراه اليوم، تابعة، ومضيعة، وممزقة، تعبث بها قوى ليس فيها من أصالة اليمن وعروبته أي أثر، وليس فيها من خصال اليمني وإخلاصه لوطنه وأمته ودينه أي معلم.

رحم الله أخوتنا شهداء اليمن الأبرار، شهداء العروبة، والنزاهة والتقدم، وأعان الله اليمن، وأهل اليمن على تجاوز محنتهم الراهنة، التي باتت لهولها تنافس بكل جوانبها ومظاهرها محنة سوريا والسوريين.

د. مخلص الصيادي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى