قراءة في كتاب: الرقة والثورة – ١ من ٣    -شهادة شخصية –

أحمد العربي

معبد الحسون كاتب وناشط سياسي سوري مخضرم، كان قد اعتقل في سجن تدمر لأكثر من احد عشر عاما، في الثمانينات، على أثر الصراع بين النظام ومجمل القوى السياسية السورية المعارضة. وكان قد كتب عن تجربة الاعتقال تلك رواية أقرب إلى شهادة شخصية، اسمها قبل حلول الظلام، قرأتها سابقا وكتبت عنها.

كتاب الرقة والثورة – شهادة شخصية – هو عبارة عن شهادة من الميدان عما حصل في الرقّة منذ ما قبل الربيع السوري أواسط آذار ٢٠١١م وحتى أوائل ٢٠١٤م حيث سيطرت داعش على الرقة، وخرجت قوى الثورة ممثلة بالجيش الحر وبقايا الناشطين الثوريين من الرقة.

معبد الحسون ابن مدينة الرقّة، كان لاعتقاله السابق في الثمانينات تأثير عميق فيه، فقد جعله ينتمي جذريا لقضايا الحرية والعدالة والديمقراطية للشعب السوري في مواجهة نظام القمع والاستبداد السوري، استمر ينمي نفسه معرفة ووعيا، ولم يدر ظهره للحياة فقد عمل في مجال العقار وكانت حياته ميسورة عاش أكثر من خمسة عشر سنة من حياته في حلب، ثم عاد الى الرقة واستقر فيها، استمر يراجع الأفرع الامنية طوال سنين منذ خروجه من السجن ١٩٩١م، كما هو مفروض على كل من يعتقل عند النظام، لمزيد من المتابعة والمراقبة والتضييق والإذلال. لكنه انقطع عن المراجعة لفترات طويلة في أثناء تنقله بين الرقة وحلب.

  • محافظة الرقة ومدينتها وبدايات الحراك الثوري السوري.

إن محافظة الرقة من أكبر محافظات سورية، فيها سد الفرات وفيها النفط والأراضي الزراعية الخصبة هذا غير اتساع مساحتها، وتنوعها المجتمعي من بنية فلاحية وحضرية وعشائر، مسلمين سنة وبعض العلويين الذين تواجدوا مع توسع السلطة ببنيتها العسكرية والأمنية، وموظفي سلك الدولة الذي كان شبه محتكر من قبلهم، وذلك عبر عقود من سلطة الاسد الاب وابنه بعده،  كذلك يوجد مسيحيون من مذاهب متنوعة، والبعض يعود الى اقليات عرقية صغيرة. كل ذلك جعل المدينة أقرب الى حالة تعايش، وجعل اغلب اهلها وسطيين فكرا وسلوكا. كل ذلك لم يلغي احساس أهلها بالغبن والإهمال من الدولة الذي أصاب محافظة الرقة ومدينتها على أهميتها الاستراتيجية في الخارطة السورية. كذلك لم تكن المحافظة وخاصة المدينة مختلفة عن بقية سورية من تواجد بقايا سياسيين معارضين سابقين اغلبهم اعتقلوا او تمت ملاحقتهم والتضييق عليهم، كانوا قلّة هامشية ومهمشة، لكنهم بقوا الضمير المجتمعي المُضمر. كل هذه الخلفيات كانت حاضرة في ذهن من تبقّى يحمل الهم العام من الناشطين السياسيين على قلتهم، ترقبوا بدايات الربيع العربي، هل يصل الى سورية، ثم بدايات الحراك السلمي والتظاهر في درعا وتوسعه بعد ذلك ليشمل أغلب سورية. لقد بدأ التظاهر في الرقة في ٢٥ آذار ٢٠١١م.، بعد عشرة أيام على انطلاقها في درعا، وكانت البدايات شبه عشوائية وتعتمد في التحشيد للتظاهر على المعرفة الشخصية، وبدأت تظهر تنسيقيات الثورة وتمتد وتتعارف وتنسق مع بعضها البعض في أمكنة المظاهرات وتحديد توقيتاتها. كان معبد الحسون وابنه حسام وصديقه م د وصديقه أبو عيسى وغيرهم الكثير من قادة الناشطين، وبدأوا يشكلون خلية متابعة للحراك الملتف حولهم لحضورهم المجتمعي، كان لهم أدوار عملية مباشرة، سواء في الإعداد للمظاهرات وتنفيذها، متابعة الناشطين، وحتى متابعة الجانب الطبي وخلق نويات مستشفيات ميدانية من أطباء وممرضين منتمين للثورة، كما شاركوا في مساعدة بعض الجنود المنشقين، حيث كانت ظاهرة الانشقاقات عن النظام في صفوف الجيش تظهر وتتوسع.

لم يسكت النظام عن هذا الحراك حيث بدأ بحملة اعتقالات كبيرة طالت المئات من الناشطين والمتظاهرين، على مدار عام من الثورة، حيث وثقهم معبد بالاسم والصورة للبعض. كما بدأت تظهر الاختراقات الامنية داخل الحراك. حيث كان الناشطين حسني النية وذوي خبرة محدودة، بحيث كانوا يفاجئون أن النظام على علم بأماكن التظاهر وتوقيتاتها، حيث يهاجمهم النظام وقواه الأمنية والشبيحة وقوى الدفاع المدني التي ابتدعها النظام من داخل البنية المجتمعية ذاتها، تقوم بدور تخريبي وقاتل لاهلهم بهدف الحصول على مكتسبات صغيرة.

استمر ذلك الى أن حصلت أهم التظاهرات في ١٥ آذار ٢٠١٢م. حيث استشهد فيها المتظاهر الشاب الصغير علي البابنسي هو من مواليد ١٩٩٦م. كان استشهاده بداية مشاركة كبيرة شعبية في محافظة الرقة و مدينتها، حيث خرج في جنازة التشييع حوالي مائتي ألف متظاهر هتفوا بإسقاط النظام وطالبوا بالحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، كما واجه النظام المشيعين الذين حاولوا التوجه لدوّار المدينة بهدف إسقاط تمثال الأب حافظ الأسد، حيث واجههم الأمن بالسلاح الحي لمنعهم من الوصول إليه، سقط منهم عدد آخر من الشهداء.  كانت هذه التظاهرة بداية مشاركة شعبية واسعة ومنذ ذلك التاريخ بدأت ملحمة الرقة بالظهور ضمن فعاليات الثورة السورية.

  • آليات رد النظام على الحراك الثوري في الرقة.

لم يكن النظام في وارد أن يستسلم للثورة السورية في كل أنحاء سورية، ويبدو أنه كان قد اعد العدة منذ زمن بعيد لهكذا احتمال لأي حراك شعبي معارض من أي نوع كان.

لم يكن غائبا عن الذهن الشعبي الحضور الواقعي للاجهزة الامنية بفروعها الاربعة في الرقة، العسكري والسياسي وأمن الدولة وأهمها المخابرات الجوية، هذه الفروع التي تسيطر على مفاصل الدولة كاملة، من الجيش وادارة المحافظة وحزب البعث وجميع المؤسسات الحكومية، حيث يتغلغل الأمن فيها في كل صغيرة وكبيرة. زيادة على ذلك فقد خلق شبكة واسعة من المخبرين المنتفعين والمتابعين لكل المستجدات المحيطة بهم، ولهم متابعيهم مندوبين دائمين عند أجهزة أمن النظام. كما هناك الكثير من المدنيين المنتفعين المرتبطين بالأمن يظهرون كخلايا نائمة يتم استثمارهم عند الحاجة. ولا يخفى استثمار النظام للتوزيع العلوي المرافق للجيش والأمن وموظفي الدولة في كل سورية ومنها مدينة الرقة. وعندما بدأ ظهور الجيش الحر وفصائل مختلفة اخرى حسب الداعم والموجّه. وكذلك ظهور نويّات تنظيم القاعدة ممثلة في جبهة النصرة وداعش بعد ذلك، حصل ذلك عند بداية انهيار جيش النظام وانشقاق أغلب جنوده الذين هم من الاغلبية السنية السورية،  كذلك العديد من الضباط السنة أيضا، على قلتهم وندرتهم بالجيش السوري كنسبة عددية قياسا بالضباط العلويين، هذا مع وعي حضورهم الهامشي حيث يتواجدون، وانعدام دورهم ومسؤوليتهم داخل الجيش.

 إن اندفاع أهل الرقة لمواجهة النظام و أنضواء أبنائهم في الجيش الحر جعل النظام عاجزا عن مواجهة الجيش الحر الذي  استطاع  أن يحرر مدينة تل ابيض اولا وكان ذلك مقدمة لتحرير الرقة بعد ذلك. حيث تحررت الرقة في ٤ آذار ٢٠١٣م .

يتبع…

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى