في الذكرى الرابعة والعشرين لرحيل الدكتور عصمت سيف الدولة … فيلسوف جدل الإنسان

بشير حنيدي

جدل الإنسان … من سورين كيركجور.. إلى جان بول سارتر.. إلى عصمت سيف الدولة: فكرة (جدل الإنسان) من حيث المضمون، لم تكن فكرة ( عصمتية / إذا صح التعبير  ) .. فقد تناولها العديد من الفلاسفة قبل عصمت سيف الدولة بكثير، في سياق الاهتمام الفلسفي بـ (الإنسان) الذي بدأ يتبلور واضحاً مع نشوء الفلسفة الوجودية بدءاً من سورين كيركجور ، الذي عاصر هيجل ( 1770 – 1831 ) ومرحلة سيادة الفلسفة المثالية .

يمكن القول : إن ما طرحه الدكتور عصمت سيف الدولة كان آخر حلقة من حلقات التطور بفكرة جدل الإنسان ، منذ أن بدأ الفلاسفة بتفكيك جدلية سورين كيركجور الوجودية التي تمحورت حول الإنسان ، وجدلية هيجل المثالية التي أهملت الإنسان .

جدلية هيجل تقوم فلسفياً على فكرة وحدة الوجود .. الروحي والمادي ، وتفترض وجود فكرة مثالية ليس لها وجود مادي بعالم الوجود –  تستقطب موضوعياً اتجاه عملية التطور الاجتماعي والمادي في عالم الإنسان خلال حركة التاريخ – أطلق عليها هيجل ( الفكرة المطلقة / الروح ) ، فتكون عملية التطور في عالم الإنسان تعبيراً عن ( سيرورة تاريخية / حتمية تلقائية ) ، يحكمها ما يسمى بالقانون الطبيعي ، هو الذي يقودها بشكل حتمي وتلقائي إلى الأمام دائماً باتجاه نموذج مثالي محدد مسبقاً ، يجسد الفكرة المطلقة التي تمثل موضوعياً الطموح المثالي الأقصى بحياة الإنسان .

استبعد هيجل الإنسان نهائياً من فكرة ( الجدل ) ، ولم يعترف باي دور جدلي للإنسان نهائياً .. حصر العملية الجدلية بفضاء الفكر فقط .. الفكر الكلي / الشامل / الروح المطلق .. أقر أن كل ما ينتج في عالم الإنسان من فكر ، وكل ما ينعكس عن الفكر من تطور  على أرض الواقع في عالم الإنسان ، ما هو إلا انعكاس عن الفكر الكلي خارج فضاء الوجود الإنساني .. لهذا .. عملياً لا ضرورة عنده لفهم الإنسان / فرداً كان أم  مجتمعاً … إذ لا دور للإنسان في هذا السياق ، إلا الانسياق باتجاه ما يجسد الفكرة المطلقة .

رداً على مثالية هيجل في أوج انتشارها بحضوره شخصياً ، برز تياران فلسفيان متمايزان ، التيار الأول هو ( الوجودية ) بقيادة  ( سورين كيركجور / 1813 – 1855 ) ، والتيار الثاني هو ( الجدلية المادية ) بقيادة ( كارل ماركس / 1818 – 1883 )  .

فلسفة كيركجور  فلسفة ذاتية ، اهتمت بدراسة ( الإنسان / الفرد ) من الداخل معزولاً عن المجتمع .. تحدث صراحة عن ( جدل الإنسان ) .. لكن .. كل ما توصل إليه أن ( جدل الإنسان ) ما هو إلا هو جدل داخلي ذاتي ضمن ساحة الأحاسيس والمشاعر والعواطف المتناقضة داخل الإنسان .. لذلك أطلق البعض على جدلية كيركجور ( جدل العواطف ) .. وجدل العواطف هذا ليس له أي أثر وأي تأثير ضمن الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الإنسان / الفرد ، أو كما قال عنها سارتر : ( حولت الجانب الداخلي في الإنسان إلى مرجل يغلي .. لكن بخاره لا يحرك شيئاً قط ) .

فلسفة ماركس فلسفة موضوعية ، اهتمت بدراسة ( الإنسان / المجتمع ) .. ركزت على منظومة الحياة الاجتماعية والاقتصادية .. أهملت الإنسان الفرد نهائياً .. تجاهلت الجدل الداخلي عند الإنسان ، وإن كانت لم تذكر صراحة مصطلح ( جدل الإنسان ) فقد تحدثت ضمناً عن ( جدل الإنسان / المجتمع ) .. أي أنها أقرت عملية الجدل داخل المجتمع ، وعبرت عنه بنظرية الصراع الطبقي .. فحولت عملية الجدل إلى حالة صراع .. صراع طبقي وتطاحن بين النظم الاجتماعية الاقتصادية بكل مراحل التاريخ .

وكما هي مثالية هيجل تماماً .. فإن كلاً من كيركجور وماركس .. أنكر أي دور فاعل للإنسان بقيادة حركة التغيير والتطور بعالم الإنسان  ، إقراراً مسبقاً بآلية موضوعية  حتمية تقود حركة المجتمع .. تحكمها جملة قوانين موضوعية تعمل بشكل حتمي وتلقائي بمعزل عن إرادة الإنسان ، لهذا .. مثل هيجل تماماً ..  لم يبحث أي منهما بمسألة دور الإنسان .. إلا أنهما تقدما خطوة مهمة أهملها هيجل تماماً .. معرفة وفهم الإنسان ( معرفة وفهم فقط ) .. الإنسان الفرد عند كيركجور ، والإنسان المجتمع عند ماركس .

دور الإنسان عند ( جان بول سارتر / 1905 – 1980 )  :

فلسفة سارتر جاءت امتداداً لتيار كيركجور الوجودي ، ونال لقب عملاق الفلسفة الوجودية .. تابع نهج من سبقه لمعرفة وفهم الإنسان .. لكنه رفض منطق النظرة الأحادية ، الذاتية عند كيركجور  و الموضوعية عند ماركس ..  فالذاتية هنا كما يقول ( ليست كل شيء ، لكنها أيضاً ليست لا شيء ) .. بمعنى لمعرفة وفهم الإنسان ، لا بد من معرفته من الداخل والخارج معاً ، ذاتاً وموضوعاً ، بهذا تقدم خطوة أخرى عمن سبقه باتجاه فهم الإنسان ..  وذلك ما سعى إليه من خلال ما أسماه ( الفهم الشامل للإنسان ) …

الفهم الشامل الذي يعنيه هو  إدراك الفضاء الكامل الذي يعيش فيه الإنسان ،  وأطلق عليه ( الحقل العملي ) الذي يتحدد فيه سلوك ودوافع الإنسان الفرد في الوسط الاجتماعي .. وما يحدد سلوك ودوافع الإنسان الفرد هي الأحداث والوقائع ضمن الوسط المادي الاجتماعي الذي يتواجد فيه الفرد .. ولا يمكن للباحث فهم سلوك الفرد ودوافعه فهماً شاملاً ، إلا إذا وُضِع الباحث نفسه بذات الفضاء ، وإذا عاش ذات الأحداث والوقائع ..

الفهم الشامل هو فهم الحركة الجدلية التي تحكم وتفسر فعل الإنسان وسلوكه من البداية إلى النهاية .. مروراً بالأسباب والشروط والعوامل التي أنتجت الفعل والسلوك والموقف .. وأي محاولة للفهم الشامل لا بد أن تكون تقدمية وتراجعية بذات الوقت ، تقدمية باتجاه النتيجة .. وتراجعية باتجاه الظرف الدافع وراء السلوك .

رفض سارتر ما قاله ( كيركجور )  أن الإنسان من الداخل سرٌ مغلق لا يمكن معرفته وفهمه ، وذهب إلى أن كل ما يمكن أن يقال أن الإنسان لا يزال مجهولاً ، وأنه لم تتوافر بعد الوسائل والأدوات المعرفية اللازمة لمعرفته : ( من المؤكد أننا لا نزعم كما فعل كيركجور أن الإنسان الواقعي لا يمكن معرفته ، نحن نقول أنه لم يُعرف فحسب ، أو أنه مجهول ، وإذا كان يفلت مؤقتاً من المعرفة ، فما ذلك إلا لأن التصورات الوحيدة التي تستخدم لفهمه كانت مستعارة من مثالية اليمين أو مثالية اليسار ) .

لكي نفهم الإنسان علينا أن نتجه نحو  ” الإنسان التاريخي ” ، أن نبحث في التجربة العينية الحية كما يعيشها الإنسان في التاريخ ، لكن الإنسان التاريخي هذا إنسان ينمو ويتطور دون أن يتحدد مسبقاً مسار نموه وتطوره أو طريق تطوره ، لهذا لا يمكن الوصول إلى فهم الإنسان فهماً كاملاً مطلقاً …

أراد سارتر إرساء قواعد جديدة لفهم الإنسان ، عن طريق بناء ( أنثروبولوجيا فلسفية ) جديدة ، مستفيداً مما أنجزته الفلسفة الماركسية التي يعتبرها فلسفة العصر الشاملة التي لا يمكن تجاوزها ، مستعيناً بالوجودية لسد الثغرات التي وقعت بها الماركسية ، وأهم الثغرات كما يرى هي ( استبعاد الإنسان وتجاهله ) ، وفي هذا يقول : ( لسنا نريد أن نرفض الماركسية باسم طريق ثالث ، أو مذهب إنساني مثالي ، بل أن نستعيد الإنسان داخل الماركسية ) .

إذن .. كشف سارتر عن مكان شاغر بفضاء الفلسفة الماركسية ، وهو مكان الإنسان الذي استبعدته الماركسية كعنصر فاعل ومحرك ، وحولته إلى موضوع للدراسة من أجل الفهم ( الفهم فقط ) ، بمعنى أنها أسقطت من حسابها البعد الوجودي للإنسان ، واقتصرت على وصف الحقيقة الإنسانية بصورة مجردة ، فتحولت إلى ( أنثروبولوجيا لا إنسانية ) .

الإنسان في الأنثروبولوجيا الفلسفية التي أرادها سارتر ، ليس مجرد موضوع للدراسة فحسب ، إنما أيضاً هو الباحث الذي يقوم بهذه الدراسة .. وليس موضوعاً للتاريخ فحسب ، إنما كصانع للتاريخ أيضاً .

بهذا الاتجاه انتقل سارتر من منطق تفسير الظواهر البشرية تفسيراً ذاتياً كما في ( الوجود والعدم ) ، إلى منطق الموضوعية ، وأراد أن يستوعب كافة العوامل المؤثرة في الوجود الإنساني ، المادية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها ..

مع أن الإنسان هو محور فلسفة سارتر الوجودية ، التي أعطت الإنسان / الفرد قدراً هائلاً من الاستقلالية والحرية إلى درجة الإطلاق ، والحرية هي المحرك لآلية جدل الإنسان / فرداً ومجتمعاً ، إلا أن سارتر :

  • لم يُعطِ أي اهتمام بفكرة الجدل إلا بالمفهوم الاجتماعي الماركسي / الصراع الطبقي .. بهذا أذاب كيان الفرد كلياً في الكل الاجتماعي وأفقده استقلاليته التي يؤكد عليها .. ولم يرَ حالة الجدل عند الإنسان الفرد إلا كما رآها كيركجور ( جدل الأحاسيس والعواطف ) ، واعتبره جدلاً عقيماً لا يترك أي أثر في الوسط الخارجي للفرد .. وفي هذا المنطق انتقاص واضح لقيمة ومكانة الإنسان الفرد في المجتمع .. وانتقاص لمبدأ الاستقلالية ، وهو محور أساسي من محاور فلسفته الوجودية ..
  • اتجه بذات الاتجاه الماركسي نحو تحديد ( دور الإنسان / المجتمع ) .. تحديداً تاريخياً ضمن السياق الحتمي لحركة التاريخ وتلقائية قوانين التطور الاجتماعي .. إقراراً بماقاله ماركس عن دور الإنسان المتمثل بدور الطليعة الشيوعية : (( مجرد التعبير عن حركة تجري تحت أنظارهم )) .. وتأكيداً لما قاله  ” أفاناسييف ” بكتابه الفلسفة الماركسية : (( الإنسان لا يستطيع أن يلغي قوانين التطور الاجتماعي ، أو أن يخلق قوانين غيرها ، ولكنه قادر على فهم تلك القوانين والضرورة التاريخية ، ومن خلال علمه بالضرورة يأخذ مكانه بحركة التاريخ )) .. يأخذ مكانه بحركة التاريخ .. يأخذ مكانه فقط ، في سياق منطق الضرورة وحتمية التاريخ ، وفي هذا المنطق انتقاص واضح لقيمة الحرية التي منحها سارتر للإنسان ، وهي المحور الآخر من محاور فلسفته الوجودية ..

بهذا المنطق منذ هيجل وكيركجور إلى ماركس وسارتر ،  تحوّل الإنسان / الفرد والمجتمع إلى قوة سلبية خاملة ، خاضعة بالمطلق للمصير التلقائي الذي تفرضه السيرورة التلقائية لحركة التطور في عالم الإنسان ( حتمية التاريخ ) ، ذلك أن التطور كما قال كارل ماركس : (( ليس افكاراً مبتكرة من قبل الإنسان ، ولكنه نتائج حتمية للقوانين الحديدية التي تحكم حركة التطور في المجتمع )) .

هذا هو باختصار موقف سارتر من دور الإنسان ، ومن فكرة ( جدل الإنسان ) ، وتلك هي حدود وأبعاد الفكرة عند سارتر …

كل ما توصل إليه هو إمكانية معرفة وفهم عالم الإنسان / الفرد والمجتمع ، ( معرفة وفهم / فقط لا غير ) ، بمنظار الذات والموضوع معاً ، في سياق المسار التاريخي لتطور الإنسان من الماضي إلى المستقبل ، كل ذلك فقط من أجل بناء ( أنثروبولوجا فلسفية ) ، كأداة معرفية لمعرفة موقع الإنسان بحركة التطور ومسار حركة التاريخ .

جدل الإنسان عند الدكتور عصمت سيف الدولة :

تمكن عصمت سيف الدولة من كسر كل الحدود الفلسفية عند سارتر حول الإنسان .. تمكن بجدارة من تجاوزها فكرياً إلى أبعد مدى ، وإن لم يكن قد تمكن من معرفة وفهم الإنسان فهماً شاملاً كما أراد سارتر ، فقد تمكن من معرفة ما يحتاجه عن الإنسان / الفرد والمجتمع ، وهذا يكفي ..  ليس من أجل ( بناء أنثروبولوجيا فلسفية ) كما أراد سارتر ، إنما لبناء ( منهج علمي ) ، كأداة معرفية لفهم وقراءة حركة التاريخ ( الماضي ) ، واستخدامه لتوجيه حركة التاريخ بالاتجاه الذي يريده الإنسان ( المستقبل ) ، وبهذا الاتجاه توصل إلى ( منهج جدل الإنسان ).. منهج تجاوز الفلسفة الماركسية التي اعتبرها سارتر فلسفة العصر الشاملة التي لا يمكن تجاوزها …

تمكن عصمت سيف الدولة من سد أهم الثغرات التي وقعت بها الفلسفة الماركسية والتي اشار إليها سارتر .. ملأ الفراغ الذي تركه الإنسان ضمن جدلية ماركس .. وضع الإنسان بموقعه الطبيعي ضمن حركة التاريخ ، ليس كعنصر فاعل وباحث ومحرك فقط ، إنما ( كقائد لحركة التغيير والتطوير في عالم الإنسان ) .

  قمة الإبداع الجدلي وجدلية الإبداع الفكري عند الدكتور عصمت ، أنه تمكن من وضع جدلية هيجل المثالية التي اقتصرت على الفكر المجرد فقط مع جدلية ماركس المادية التي اقتصرت على المادة المجردة فقط ، ضمن إطار جدلي واحد ، ليصل إلى كيان جدلي واحد أوحد يجمع بين النقيضين ، وهو ” الإنسان ” .. الكائن الوحيد الذي اجتمع في كيانه الفكر والمادة معاً ، وهو الكائن الوحيد الذي ينفرد بالجدل قانوناً نوعياً لتطوره .

ما أراده الدكتور عصمت هو ( الكشف عن جدلية التفكير التي تنشط بساحة الوعي والتفكير لدى الإنسان الفرد في مواجهة مشكلات الواقع الاجتماعي ، تفاعلاً مع الظروف والشروط المادية التي يعيشها في الوسط الاجتماعي ، ومن ثم الكشف عن آلية التفاعل الجدلي على مستوى المجتمع ” الجدل الاجتماعي ” ، و هو الصيغة الاجتماعية لجدل الإنسان / الفرد ) ، وذلك لبناء ( منهج علمي ) كأداة معرفية ودليل فكري لتغيير وتطوير الواقع الاجتماعي ، في إطار حتمية القوانين الموضوعية التي تحكم عالم الإنسان  .. بهذا تجاوز حالة الترف الفلسفي عند سارتر وغيره من الفلاسفة ، وأولى خطواته باتجاه المنهج  كانت حل  ” مشكلة المنهج ”  كما أسماها والتي استعصت على الآخرين ..

لم يأت بحل المشكلة من وحي الخيال الفلسفي الفكري ، إنما استنباطاً من طبيعة العلاقة الموضوعية بين الإنسان والوسط المادي والاجتماعي الذي يعيش فيه ، ذلك أن ( عصمت / المفكر الباحث ) كان كما أراد سارتر ( قد وُضِع نفسُه بذات الفضاء .. وعاش ذات الأحداث والوقائع في عالم الإنسان ) .

تتمثل مشكلة المنهج كما رآها الدكتور عصمت بأوهام التناقض ما بين ( الحرية والضرورة ) كما يقال بأدبيات الفكر الفلسفي ، أي ما بين حرية الإنسان وحتمية قوانين التطور والحركة في الواقع الاجتماعي ، تلك الأوهام التي أصابت  ” إرادة الإنسان ” بآفة الجبرية عند معظم الفلاسفة بما فيهم أبرز فلاسفة الجدل / هيجل وماركس ..  ونظر كل منهما إلى الإنسان كقوة سلبية مسلوبة الإرادة أمام حتمية هذه القوانين …

ذلك أن هيجل قد حل ما يبدو من تناقض بإخضاع الإنسان والمجتمع لقوة ثالثة فوقهما ، وهي ( الفكر ) .. هي التي تتطور جدلياً ، وعالم الإنسان / الفرد والمجتمع إنما يعكس تطورها ، بهذا أهدر أية قيمة لاكتشاف قوانين التطور الجدلي ، لأن الإنسان أمامها لا يمتلك القدرة على استخدامها لتحقيق ما يريد ، بل يخضع لها بالمطلق لتذهب به مُكرهاً إلى حيث يتجه تطور ( الفكر ) .

كذلك فعل ماركس .. اخضع الإنسان والمجتمع لقوة ثالثة أيضاً ، لكن تحتهما ، وهي ( أدوات الإنتاج ) .. هي التي تتطور جدلياً ، وعالم الإنسان / الفرد والمجتمع إنما يعكس تطورها ، وبهذا أهدر أيضاً أية قيمة لاكتشاف قوانين التطور الجدلي ، لأن الإنسان أمامها لا يمتلك القدرة على استخدامها لتحقيق ما يريد ، بل يخضع لها مُكرهاً لتذهب به إلى حيث يتجه تطور ( المادة / أدوات الإنتاج ) .

 وهكذا كان الإنسان عند كل من هيجل وماركس أقرب إلى حالة الفيلسوف سورين كيركجور .. المشلول .. المشوّه جسدياً .. المُقعد على كرسي الإعاقة ، لا يستطيع إلا مراقبة ما يجري حوله في الخارج  ، لينعكس ما يجري في الخارج إلى داخله جدلاً ساخناً بساحة  ” الأحاسيس والعواطف ” ضمن مرجل يغلي بداخله .. لكنّ بُخاره لا يحرك شيئاً على أرض الواقع .

الدكتور سيف الدولة أعاد للإنسان حريته وإرادته ، مؤكداً نفي التناقض ما بين ” الحرية والضرورة ” ، وأن الضرورة شرط لحرية الإنسان وليست قيداً على حريته كما يعتقد الآخرون .. ومن هنا كانت البداية وصولاً إلى  ” منهج جدل الإنسان ” ..

وإن كانت فكرة ” جدل الإنسان ” ضمن إطار المنهج فكرة فلسفية .. وما تقرّره الفلسفة يخضع لمعايير خاصة في الاختبار – وهي معايير المنطق الفلسفي – فإن الدكتور عصمت أعطى الفكرة بعداً علمياً قابلاً للاختبار بمعايير الاختبار العلمي ( الملاحظة والتجربة ) ، حيث وضع الفكرة حيث يجب أن تكون ، في إطار العلم وليس في إطار الفلسفة .. في إطار القوانين الكلية العامة التي تضبط حركة الاشياء والظواهر ، باعتبار الإنسان نفسه يخضع لهذه القوانين ، مؤكداً أنه : ( في نطاق القوانين الكلية العامة يتحول كل شيء طبقاً لقانونه النوعي .. وينفرد الإنسان وحده بالجدل قانوناً نوعياً لتطويره ).. وذلك لم يأتِ عنده إبداعاً فلسفياً من وحي الخيال ، إنما جاءت اكتشافاً علمياً من فضاء الواقع بعالم الإنسان ..

ما توصل إليه الدكتور عصمت، لم يأت تأسيساً إبداعياً من فراغ.. إنما جاء نتاج عقل جدلي، استكمالاً وبناءً وإضافة وتصحيحاً لما أنجزه السابقون من فلاسفة الجدل، وهذا ما اعترف به صراحة: (( إن منهج جدل الإنسان هو المنهج الجدلي المعروف بعد أن صححته التجربة البشرية ، يتضمن :  أصلاً مسبوقاً .. وإضافة جديدة.. وتصحيح لقانون الجدل.. وحل لمشكلة المنهج.. وينتهي إلى صيغة جديدة للمنهج الجدلي))..

اترك تعليقاً
4+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى