دروس التاريخ وعبره

د. يوسف الحسن

ينشغل كثيرون فى أزمنة الفوضى والقلق، وبخاصة خبراء رسم خرائط الشرق الأوسط الكبير والفضفاض والرخو، أمام التدوير والتشكيل. يتخيلون خرائط جديدة، تبعا للتطورات الجيوسياسية، مثلما كان يفعل رسامو الخرائط فى القرون الوسطى، أثناء تغيّر أمكنة السيطرة والنفوذ، وقد تكرر الأمر إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى، ومن أسف فإن أكثر الناس فى هذا الشرق المكلوم لم يدركوا العبر والدروس.
فى مطلع القرن الحادى عشر الميلادى، اشتعلت الحروب الصليبية (نسميها حرب الفرنجة)، فى سلسلة حملات عسكرية استمرت نحو قرنين من الزمان.
عوامل كثيرة ومعقدة سبقت ومهدت ورافقت هذه الحروب المخيفة والشاقة والخطيرة، وذات الأكلاف الباهظة، والتى غذتها عصبيات دينية ونزعات هيمنة، وأطماع تجارية وغنائم وافرة، وشارك فيها ملوك وأمراء ونبلاء وفرسان وتجار ورجال دين. وجذبت هيستيريا الحرب فقراء ونساء ومغامرين مشحونين عقائديا ونهما أو شوقا لشرق غامض سحرى.
ويمكن القول إن هذه الغزاوات كانت أول حرب عالمية فى التاريخ، اشتركت فيها قوى رئيسية فى أوروبا، وتراوحت أعداد المشاركين فى كل غزوة ما بين مائة ألف ونصف مليون شخص حسب بعض المصادر التاريخية، وكانت نتائجها دمارا هائلا للمنطقة دام حوالى مائتى عام.
وكذلك كان هناك دمار آخر فى القرن التالى لغزو الفرنجة، هو الغزو المغولى الهمجى والشرس.
وفى كلتا الحالتين، جرّب العالم العربى كل الوسائل الممكنة للتعامل مع هذه الغزوات، تراوحت ما بين التحالف معها أو مهادنتها، أو التعايش معها، وبين مواجهتها وهزيمتها.
كان هناك ألف مبرر للتوقف عن مواجهة هذه الغزوات، من فقر ونقص فى السلاح وتشتت وضعف فى الإرادة والتنظيم، لكن كان هناك دائما مبرر واحد للصمود والمواجهة، وهو الأمن القومى المشترك.
جرّبت كل دولة فى هذا الشرق منفردة طلب السلم والأمان مع هذه الغزوات. وعلى سبيل المثال، بعد أن حقق الصليبيون انتصارهم الأكبر بالاستيلاء على أنطاكية، بادروا بتقديم عرض مدهش ومغرٍ إلى مصر، وهو «أن تستولى مصر على القدس».
استجابت مصر لهذا العرض ودخلت بيت المقدس عام 1097، أى بعد شهر واحد من استيلاء الصليبيين على أنطاكية، وعقد الخليفة الفاطمى فى القاهرة حلفا دفاعيا مع الصليبيين فى الشام، وأرسل أول سفير له هناك.
وكان فى ذهن الخليفة الفاطمى «أن هذا التحالف سيضعف أهل السنة فى الشام، ويُقوّى الشيعة فى مصر، ونحصل على القدس». صفقة سياسية قصيرة النظر.
لكن بعد عامين من هذا التحالف، وبعد أن تم تحييد مصر، انقضَّت جيوش الفرنجة على المصريين فى القدس، وذبحتهم عن آخرهم، وحرقت مركز قيادتهم فى مدينة عسقلان.
وأمام هذا الخوف، تصور الخليفة الفاطمى أنه لو رشى الفرنجة فسوف يكفّون شرهم عنه، فدفع لهم إتاوة بالذهب.
ورغم ذلك، فقد كان يمكن طرد الفرنجة من فلسطين، فى تلك اللحظات أو لسنوات بعدها، بعمل هجومى مشترك من مصر الفاطمية وبغداد العباسية، لكن كلا منهما كان يريد أن ينجو بجلده من الخطر الصليبى.
تحالف الفرنجة مع دمشق مرة ضد حلب لمدة ثلاث سنوات، ثم انقضوا عليها، ثم تحالفوا مع الموصل ضد حلب، ومع القاهرة ضد دمشق.. وهكذا.
تنبه الخليفة الفاطمى، لكن بعد أربعة وستين عاما من النوم، فأغاثت القاهرة دمشق بعد ضياع عقود، وآلام وأوجاع، وسراب تحالفات مغشوشة.
وحينما جاء صلاح الدين الأيوبى، وخلال ثلاث سنوات فقط، من حكمه، نجح فى توحيد القاهرة ودمشق وحلب والموصل، ضد الخطر المشترك فى فلسطين، وتمكن خلال عقد ونصف العقد، وبفضل هذه الرؤية الاستراتيجية فى العمل العربى المشترك، من تحقيق انتصار معركة «حطين»، والتى كانت المقدمة الحتمية لزوال خطر الغزوات الصليبية نهائيا.
***
وفى غزوة المغول القادمة من وسط آسيا، تكرر المشهد المأساوى، ولكن فى بغداد هذه المرة، وفى زمن الخليفة العباسى المستعصم بالله والذى كان قد استولى عليه أصحابه من الجهال، فلم يدرك معنى وأبعاد الأمن العربى المشترك. وظل يبحث عن سراب تحالف مع غازٍ همجى، ويستمع إلى نصائح وزيره (ابن العلقمى)، بمزيد من الاستسلام إلى هولاكو، فدفع الإتاوات، وخفّض عدد أفراد الجيش كدليل على حسن نواياه، وترك المغول يحاصرون بغداد. وأراد الخليفة أن ينجو بنفسه وأعوانه، فذهب مع المئات من أسرته وحاشيته، من القضاة والفقهاء والوزراء، إلى معسكر هولاكو، بناء على نصيحة وزيره المذكور، فذبحهم هولاكو جميعا.
وقيل إن الغازى المغولى وضع الخليفة فى كيس من جلد البقر، وخنقه، بعد أن رفسه الجند حتى مات، وتم تدمير بغداد، وتخريب تراثها ومكتبتها (دار الحكمة) وقتل نحو مليون من سكانها فى أبشع مذبحة عرفها تاريخ الحروب.
ولأول مرة، يختفى منصب الخلافة، بعد ستة قرون من وفاة الرسول، صلوات الله عليه وسلامه، واستمرت سيطرة المغول على العراق لمدة مائة عام.
دمشق وحلب وصيدا وغيرها، كانت تتصور أن الخطر المغولى بعيد عنها، حتى استدار إليها المغول، واجتاح مدنا عربية أخرى، وقبلها مدنا إسلامية فى آسيا، واجتاح هذه المدن، بدهاء ووحشية، بغمضة عين بعد أن ذبح فى حلب وحدها نحو خمسين ألف شخص.
ثم جاء دور مصر، ومن حسن الحظ، فإن روح النضال من أجل الكرامة والأوطان التى زرعها صلاح الدين الأيوبى، كانت لا تزال ساخنة وحيَّة، فخرجت مصر إلى فلسطين، وانضم إليها جند من الشام، لتواجه الخطر هناك، فحققت انتصار «عين جالوت» فى العام 1206، وقد حقق هذا الانتصار الأمن لمصر، على مدى القرنين ونصف القرن التالية، وضمن لها ريادة ثقافية وسياسية فى العالم العربى استمرت بلا منازع لستة قرون بعدها، وكانت هذه المعركة بداية النهاية للإمبراطورية المغولية.
***
وحدة الموقف العربى، والعمق الاستراتيجى العربى، المدخل الوحيد للأمن القومى العربى فى مواجهة التغولات الإقليمية، ونزعات الهيمنة والابتزاز والتطرف والهُويات الفرعية.
رسامو خرائط الشرق الأوسط الجديد لم يقرأوا التاريخ، ولو قرأوه بتمعن لأدركوا دروسه وعبره.
يا رسامى الخرائط: لا تفسدوا فى الأرض، إن الشرق الأوسط لديه من الشقاء ما لا يحتمل المزيد.

المصدر: الشروق

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى