أي مجلس عسكري تحتاجه سورية؟

عمر الشيخ إبراهيم

انشغل السوريون، في الأيام الماضية، باقتراح أحد شخصيات المعارضة على الروس إنشاء مجلس عسكري يقود سورية، بقيادة ضابط بارز منشقّ عن النظام منذ عام 2012، وهو نجل أحد أركان نظام الأسد الأب والابن، وتقول الروايات إنه كان يفتخر بتوقيع أحكام الإعدام على معارضي نظام حافظ الأسد، كما أن “الجنرال” المقترح، مثلما أخذ يسميه مريدوه، كان أحد المقرّبين جداً من باسل الأسد ومن ثم بشار. وهنا تثمّن المقالة موقف أي شخص انحاز إلى الشعب ومطالبه ورفض الإجرام، وعند استحضار سيرة الوالد أو العائلة، فلكونه العامل الرئيسي في حيثية هذا الشخص، وهذا الأمر هنا توصيف للواقع لا أكثر. ولكن لا يمكن غضّ النظرعن الشخصية المقترحة، والتي أصبحت قيادة المجلس العسكري كأنها وكالة حصرية لها (للتنويه، لم يصدر عنه أي تصريح يفيد برغبته بهذا المنصب)، بطريقةٍ مشابهةٍ تماماً لما دأب عليه نظام الأسد في حكم سورية، وكذلك رموز المعارضة، من حيث التمترس بالمنصب، كما يتمترس الجندي في محرسه، فإن من حقنا أن نتساءل: هل تحتاج سورية إلى مجلس عسكري؟ هل سيشكل رأس الدولة هذا المجلس أم سيكلف بمهام محددة؟ هل من صفات محددة للشخصية العسكرية التي ستقوده؟

تحتاج سورية، في ظل تعفن جرحها واتساع الشرخ الاجتماعي بين مكوناتها، وعدد المجموعات المسلحة، إضافة إلى حجم الجرائم المرتكبة، جسما عسكريا قويا ومركزيا تحت إدارة مدنية سياسية، سيوفر طاولة يجتمع حولها أبرز قادة التشكيلات المسلحة المسيطرة على القطاعات والمناطق، بحيث يتم إشراكهم في صناعة القرار (أقله لإشباع غريزة السلطة لديهم) وتحمل المسؤوليات والالتزام بما يصدر عن المجلس المدني الحاكم من أوامر وقرارات. كما توكل له مهام محدّدة، ربما مفيد أن تبدأ بحماية الجسم المدني الحاكم الذي سينتج عن الحل السياسي، ويكون أداته في فرض سلطة القانون والأمن والحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة السورية ورأس المال البشري، وكذلك الحفاظ على السلم الأهلي والحيلولة دون اندلاع حربٍ أهلية على أساس طائفي أو قومي، أو انزلاق السوريين إلى سلوك الثأر والانتقام، أفرادا أو مجموعات، على مستوى طبقي أو قبلي أو مناطقي، يساعد على ذلك كله جمع هذا الجسم العسكري السلاح الفوضوي وضبطه، ودمج المجموعات المسلحة بمؤسسات الدولة، وفق استراتيجية معينة يكون للمجتمع الدولي، وللدول الفاعلة في المشهد السوري دور خاص فيها، من حيث الدعم السياسي والتقني والمادي، وعلى مستوى التدريب والتطهير وإعادة التأهيل، وخصوصا في فترة الحكم الانتقالي، وربما يساعد ذلك في استقرار المراحل اللاحقة له. ولكن قطعاً يجب اتخاذ كل التدابير التي تحول دون تغوّل هذا الجسم على الدولة، بحيث يصبح الحاكم، خصوصا أن هذا السلوك متجذّر لدى العسكر في منطقتنا، وربما ستشجعه على ذلك أنظمةٌ تريد الحفاظ على نظام الحكم العربي التقليدي، أو إعادة إنتاجه بشخوص وأسماء مختلفة.

وبطبيعة الحال، يحتاج هذا الجسم العسكري شخصية متمرّسة تقوده، تكون قد تسلسلت في الحياة العسكرية وفق الأنظمة المرعية، وليس وفق عامل الوراثة أو الواسطة. وتكون شخصية منضبطة ومستقلة، تحظى باحترام وتقدير لدى غالبية الأطراف، بما في ذلك المؤسسة العسكرية التابعة للنظام. وبطبيعة الحال، أن يكون سجلها نظيفا مادياً وجنائياً، فهل يحظى “الجنرال” المقترح بهذه الصفات؟

أحد أوجه التشوه في اللاشعور الجمعي السوري هو استحضار الماضي، والإعجاب بشخوصه، والعمل على إعادة تجربته في الحاضر المختلف اختلافاً كلياً عن سورية الاستقلال والوحدة، والبعث الذي ساهم في ترسيخ هذا التشوّه، عبر أدوات عدة، من بينها الإعلام، بحيث سوّق ثنائية الأخوين القائدين، أحدهما سياسي والآخر عسكري، حافظ ورفعت، ثم بشار وماهر، ثم يحاول بعضهم اليوم ترسيخ ثنائية من هذا القبيل وإسقاطها على المعارضة والثورة، فهل دفع السوريون كل هذه التضحيات من أجل إنتاج عائلة حاكمة أو حكم بقيادة شخصياتٍ ولدت وترعرعت في ظل نظام الأسد الأب والابن، وبنت مكانتها من خلاله؟ هل أصبحت قيادة المجلس العسكري المقترح حكرا على شخصياتٍ كسبت “حيثيتها” بالوراثة؟ ألا يوجد عشرة ضباط في سورية على الأقل يستحقون قيادة جسم عسكري كهذا؟

هناك عشرات من الضباط المشهود لهم بالكفاءة والوطنية، ويستطيعون قيادة جسمٍ كهذا. والأهم من هذا كله لديهم الاستقلالية والقدرة على قول “لأ” داخلياً وخارجياً، في الوقت الذي تقول فيه الغالبية “نعم” لاستمرار مكاسبهم ومواقعهم. ولحالة الرفض هذه أهمية كبرى في ظل النظام السلوكي والقيمي الذي استشرى داخل المنظومة النفسية لمن يتصدّر المشهد السوري اليوم، موالاة ومعارضة، بحيث أصبح سلوك التبعية ظاهرة مشتركة وعلنية لا نستطيع نكرانها، وينصبّ الاهتمام والتركيز والعمل من خلالها في الإبقاء على الامتيازات والمكاسب، ربما يبرّرها بعضهم بالعمل وفق منطق المصلحة والتحالفات الذي يحكم عمل السياسي. ولكن ماذا عن ضوابط عمل العسكري؟

إحدى أهم التحدّيات التي تواجه الشخصية السورية اليوم، إلى جانب الأنانية والكِبر وسلوك الدسائس، هي التبعية، وفقدان القدرة على الرفض، على قول كلمة “لأ”. حالة الرفض الفردي والجماعي عامل اتزان واستقرار ومؤشّر صحي في فكر الأفراد والمجتمعات وسلوكهما، وتزداد أهميتها لدى العاملين في الشأن العام. وفي هذا السياق، كان من اللافت جداً أن نشهد استقالة عضو من اللجنة الدستورية المصغرة ذي خلفية عسكرية! في وقت كنا ننتظر أن تتخذ قرارا كهذا شخصية سياسية معارضة للنظام منذ زمن، أو كنا نعوّل على أن يكون أعضاء “المجتمع المدني” في هذه اللجنة هم السباقون إلى قرارٍ كهذا.

إذن، لماذا أتت حالة الرفض هذه من شخصية عسكرية منشقّة عن النظام، وليس من سواها؟  ألا يعد هذا مؤشرا على وجود شخصيات عسكرية تتصرّف وفق منظومة قيمية وطنية بعيدة عن التبعية؟ أليس هذا ما نحتاجه اليوم في سورية، شخصيات مستقلة غير محسوبة على دولة ما، ومتحرّرة أيديولوجيا وحزبياً من الولاءات الضيقة؟ لماذا لا تطرح أسماء كهذه شخصيات لقيادة الجسم العسكري المقترح؟ من الضروري جداً طرح أسماء شخصيات عسكرية كهذه للرأي العام، لديها المؤهلات التي تمكّنها من المساهمة في قيادة جسم عسكري سوري، أقله من أجل كسر هذا الاحتكار الحصري للمنصب من أسماء بعينها، ورثت حيثيتها، ولم تصنعها، ومقاومة ترسيخها شخصيات وحيدة مرشّحة لتحمل هذه المسؤوليات الوطنية عبر مقترحات شخصية ذات طابع مصلحي، أو فقاعات إعلامية تريد إحاطتهم بهالةٍ من القبول والدعم الدولي غير الموجود، والذي سيتوفر بشكل جدي وكبير في أي حلٍّ سياسي يطرح إلى جانب هيئة الحكم الانتقالي، وتحت إمرته جسم عسكري، بغض النظر عن قائده، يستطيع القيام بالمهام الموكلة إليه، ويزيل قلق المجتمع الدولي من تشظّي الجسم السوري الذي ربما تصل شظاياه إلى أبعد من الإقليم، في حال انفلات خيوط إدارة الصراع من الفاعلين الدوليين وأدواتهم المحلية.

المصدر: العربي الجديد

 

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى