قرية الشام للأيتام.. حياة كريمة تحفظ مستقبل الأطفال من الضياع

حسين الخطيب

بدأت قرية الشام لعائلات الأيتام، بالقرب من بلدة تركمان بارح بريف حلب الشمالي باستقبال عائلات الأيتام، من الوافدين إلى ريف حلب من مختلف المحافظات السورية، والذين فقدوا آباءهم، خلال الحرب، ولا يملكون مأوى آمناً ومناسباً لهم، بسبب التهجير والنزوح، وعلى الرغم من أن القرية في طور البناء، يسعى المجلس المحلي لبلدة تركمان بارح بالتعاون مع جمعية شام، إلى توفير السكن الآمن في هذه المراحل الصعبة من فصل الشتاء.

ويعتبر تأمين السكن من أبرز الخطوات التي تنشط بها منظمات المجتمع المدني في شمال غربي سوريا سعياً منها إلى خصوصية الأسرة، وأهمها عائلات الأيتام، الذين فقدوا آباءهم وعائلاتهم بأكملها خلال سنوات حرب نظام الأسد ضد شعبه، لا سيما أنهم شردوا في مخيمات عشوائية، وأماكن لا توفر حياة كريمة لهم، وتفتقر أيضاً لبيئة آمنة تحافظ على مستقبل أطفالهم.

تعليم وحرف مهنية

بدأ بناء القرية خلال الربع الأخير من عام 2020، بمساحة خمسين دونماً، بمعايير هندسية ممتازة، بالقرب من قرية تركمان بارح بريف حلب الشمالي، وأحيطت بسور خارجي حفاظاً على أمن ساكنيها، من عائلات الأيتام الذين لا يتوفر لديهم مسكن آمن.

زار موقع تلفزيون سوريا قرية الشام، والتقى أيضاً المشرف على مشروع البناء محمد الراوي عضو جمعية الشام، والذي قال: “تسعى جمعية الشام لرعاية الأيتام بالتعاون مع المجالس المحلية، إلى توفير سكن آمن للعائلات التي فقدت معيلها خلال الحرب، عبر التبرعات الخيرية المقدمة للجمعية، والتي تحاول توسيع أنشطتها في كامل ريف حلب الشمالي”.

وأضاف: “تتألف القرية من 300 وحدة سكنية، مبنية من الطوب، وتبلغ مساحة الوحدة 28 متراً مربعاً تحتوي على غرفة معيشة ومطبخ وحمام أيضاً، مع توفير الماء والكهرباء، بينما يتكون سقف هذه الغرف من الحديد وعازل حراري، ويتم تنفيذ مشروع لاستبدالها بسقف إسمنتي وسيتم نقل العائلات إليها تدريجياً”.

كما توفر القرية مختلف الخدمات العامة التي تحتاجها الأسر، وحول هذا الموضوع أوضح الراوي: “يتم بناء مدرسة مكونة من 20 صفاً تعليمياً، وروضة للأطفال، ومسجد بمعايير هندسية ممتازة يتسع للمقيمين في القرية والمخيمات المجاورة، بالإضافة إلى حديقة وثلاث ساحات للعب والملاهي المخصصة للأطفال أيضاً”.

وأشار إلى أنه “يتم تنفيذ أبنية مخصصة لتعليم الحرف المهنية في أوقات فراغ الأطفال من الدراسة، منها نجارة الخشب والحدادة وغيرها من المهن الحرفية التي ستوفر للطفل حرفة إلى جانب دراسته يعيل منها أسرته لاحقاً، وتساعده على الانخراط في سوق العمل، بينما سيتم افتتاح مشاريع استثمارية مهنية للنساء لعلها توفر دخل لأسرتها”.

وتستطيع عائلة الأيتام الإقامة في القرية لمدة مفتوحة حتى العودة إلى ديارهم، ولن تنتهي مهمة القرية بل ستحول إلى أكاديمية شرعية مع سكن للطلبة بحسب الراوي.

كيف يتم انتقاء المستفيدين من المشروع؟

أعلنت جمعية الشام للأيتام بالتعاون مع المجلس المحلي لبلدة تركمان بارح، عن بدء تسجيل عائلات الأيتام عبر ملء استمارة بيانات مخصصة لهم عبر الإنترنت، ووضعت عدة شروط لاستقبال العائلات في القرية ضمن أولويات عديدة أبرزها عدم توفر السكن وعدم وجود معيل لدى الأسرة التي فقدت معيلها خلال السنوات الماضية، وهجرت إلى الشمال السوري.

يقول رئيس المجلس المحلي لبلدة تركمان بارح محمد بركات لموقع “تلفزيون سوريا”: من أبرز الشروط هو عدم توفر سكن للعائلة، وأن تكون الأم هي المعيلة لأسرتها، وألا يتجاوز عمر الأبناء 13 عاماً مع الالتزام بقوانين القرية ونشاطاتها التعليمية التي تستهدف الأطفال والنساء والتحاق الأبناء بالمدرسة”.

وأضاف “يحق للأسرة الصغيرة الحصول على وحدة سكنية أما الأسرة التي يفوق عدد الأطفال فيها الثلاثة يمكنها الاستفادة من وحدتين سكنيتين، في إطار توفير السكن الآمن والمريح للأسرة”.

وأكد بركات خلال حديثه لموقع “تلفزيون سوريا”: أنه تم استقبال 100 عائلة بشكل مبدئي على أن يتم استقبال أعداد أخرى لاحقاً مع الانتهاء من الوحدات المخصصة لهم، حيث تحتوي القرية على 300 وحدة سكنية”.

استقرار.. وفرصة لمتابعة التعليم

حميدة البج، والتي تقيم مع ابنتها في قرية الشام غزالة عليوي، والتي تتابع تعليمها الجامعي بعدما فقدت زوجها في قصف النظام لبلدتهم حيان بريف حلب الشمالي، خلال العام الماضي بالتزامن مع حملة النظام وميليشياته على المنطقة.

تقول السيدة حميدة لموقع “تلفزيون سوريا”: إن ظروف الأمن والاستقرار معيشياً في قرية الشام ساهمت في متابعة ابنتها غزالة تعليمها الجامعي بعد فقدانها زوجها، وهي تدرس في كلية الشريعة بمدينة اعزاز، وتصف الحياة هناك أن قرية الشام توفر الحياة الكريمة لأسرة ابنتها المتكونة من طفلين، لا يتجاوز عمر أكبرهما ثلاثة سنوات”.

وحول طريقة وصول ابنتها إلى قرية الشام للأيتام تضيف السيدة حميدة: “هُجرنا من بلدة حيان نحو بلدة راجو بريف عفرين، حيث أقمنا هناك ثمانية أشهر تقريباً في مخيم غير متأهل للسكن، وبعدما حصلنا على رابط التسجيل المخصص لعوائل الأيتام، قامت ابنتي بتسجيل عائلتها، وعلى الفور تم قبولها وانتقلنا إلى القرية”.

وأوضحت السيدة أن اثنين من أبنائها أيضاً استشهدوا خلال المعارك والقصف في بلدة حيان، لكن أبناءهم تجاوزوا الخامسة عشرة ولا يوافقون الشروط والمعايير الموجودة في القرية لذلك انتقلوا للإقامة في محيط عفرين بغرف سكنية مماثلة، ويحصلون على كفالة يتيم شهرياً للأطفال الصغار يتدبرون أمور معيشتهم.

مكان آمن.. وحياة كريمة

والتقى موقع تلفزيون سوريا السيدة فاطمة علي العيسى وهي من بلدة الحاضر بريف حلب الجنوبي، فقدت زوجها خلال قصف جوي استهدف بلدتهم، ولدى السيدة خمسة أطفال لا يتجاوز عمر أكبرهم ثماني سنوات. تقول السيدة لموقع “تلفزيون سوريا”: “تعرضت لحملات نزوح متكررة بعد فقدان زوجي، بدءاً من انتقالنا من بلدتي بريف حلب الجنوبي ثم إلى البلدات المحيطة، حتى وصولنا ريف حلب الشمالي مع أطفالي الخمسة، بسبب عدم استقرار المنطقة، لا سيما القصف المتكرر وهجمات النظام على أماكن اقامتنا”.

وتضيف السيدة: “كنت أقيم في مخيم عشوائي قرب مدينة اعزاز وأتدبر معيشتي من عملي في الخياطة لفترات متقطعة، بالإضافة إلى كفالة أحد أبنائي من قبل إحدى المنظمات، لكن ذلك المخيم لم يكن يوفر لأسرتي مكانا آمنا لا سيما أنني أعيش برفقة أبنائي فقط”.

وأوضحت السيدة عن إقامتها الجديدة: “إننا نقيم في قرية الأيتام منذ أربعة أشهر، نحصل على منح مادية من قبل الجمعية القائمة على القرية بالإضافة إلى الكفالة التي يحصل عليها أحد أبنائي، حيث تؤمن حياة جيدة، لأطفالي، لاسيما الأمن والاستقرار والتعليم للحفاظ على مستقبلهم”.

وتبدو السيدة قد حققت هدفها في توفير مكان آمن بظروف معيشية جيدة لأطفالها الأيتام الذين فقدوا والدهم خلال القصف، لا سيما أنها حافظت عليهم من ضياع مستقبلهم وانحدار أخلاقهم بسبب عدم توفر التعليم في المخيمات العشوائية.

طموح طفل.. فقد والديه

يطمح الطفل محمد خالد الحميدي 10 سنوات، من بلدة كفرومة بريف إدلب أن يصبح طبيباً في المستقبل بعدما عاد إلى مقاعد الدراسة مجدداً في مدرسة قرية الشام فهو لم يستطيع أن يدرس الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية لأسباب متعددة أبرزها النزوح والقصف المتواصل على بلدته التي سيطرت عليها قوات النظام العام المنصرم.

خلال سؤالنا محمد عن والديه، قال لموقع “تلفزيون سوريا”: أبي استشهد بقصف على معرة النعمان، وأمي احترقت بالصوبا التي حرقت البيت”.

محمد الذي لم يبلغ العاشرة من عمره يعيش فقدان الوالدين، بظروف سيئة ومؤلمة مختلفة عن باقي الأطفال، فالقصف أودى بحياة والده وهو لم يتجاوز الثمانية أعوام، والمدفأة أيضاً كانت أشد قسوةً عليه، التي تغير دورها، وحرمته من حنان والدته، التي فقدت حياتها جراء حريق سببته المدفئة التي تشتعل على بقايا المحروقات بطرق بدائية، والتي سببت حرائق عدة في الشمال السوري.

ويضيف محمد: “أنا وإخوتي نعيش مع عمتي المطلقة التي تركها زوجها، وهي بدأت بتربيتنا، عوضاً عن أمي وأبي، ونعيش في قرية الشام، بعدما نزحنا من بلدتنا نحو ريف حلب”.

وتوفر القرية المكان الآمن لمحمد وإخوته وعمتهم وتحافظ على الأطفال من ضياع مستقبلهم، فكثيرون مثل محمد لم تساعدهم ظروفهم في أن يكون لهم والد ووالدة مثل باقي الأطفال فهم الآن يعيشون تحديات صعبة ومتواصلة حتى يكبروا.

وتسببت الحرب المتواصلة التي يشنها نظام الأسد وحلفاؤه على السوريين، بأزمات عديدة وكوارث متنوعة، منها جيل بلا أباء ولا أمهات، وضياع مستقبل الآلاف لغياب التعليم، وعمل آخرين من الأطفال في مهن وحرف صعبة لا تناسب سنهم، لأسباب معيشية، ومن هنا تبدو هذه المشاريع التي ترعى الأيتام في غاية الأهمية انطلاقاً من دورها في الحفاظ على خصوصية الأسرة في السكن بالإضافة إلى كونها تحافظ على مستقبلهم من الضياع عبر التعليم المدرسي والمهني.

 

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى