هزيمة ترمب ونتنياهو.. المشرق إذ يترقب ارتدادات الخسارة

صهيب جوهر

لم تكن نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية مجرد انتكاسة سياسية لدونالد ترمب وبنيامين نتنياهو، بل شكلت لحظة انكشاف لمشروع إقليمي قام على الاعتقاد بإمكانية إعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة العسكرية والضغط الاقتصادي، وتجاوز التوازنات التاريخية التي حكمت المنطقة لعقود. فالرجلان اللذان راهنا على الحرب ضد إيران باعتبارها مدخلاً لإنتاج نظام إقليمي جديد، وجدا نفسيهما أمام نتائج معاكسة، عبر تراجع النفوذ السياسي داخلياً، وارتفاع كلفة المواجهة خارجياً، وانكشاف محدودية التفوق العسكري في فرض تسويات سياسية دائمة.

لكن الخطورة لا تكمن في الهزيمة الانتخابية بحد ذاتها، وإنما في الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها الرجلان مع تداعياتها. فالقادة الذين يربطون شرعيتهم السياسية بالانتصارات الخارجية يصبحون أحياناً أكثر استعداداً للمغامرة عندما تتعرض مشاريعهم للانهيار. ومن هنا، لا يمكن التعامل مع تراجع ترامب ونتنياهو بوصفه مؤشراً تلقائياً إلى انحسار احتمالات الحرب، بل ربما يشكل مدخلاً إلى مرحلة أكثر اضطراباً، تتداخل فيها محاولات التعويض السياسي مع إعادة رسم التوازنات الإقليمية.

لا يمكن التعامل مع تراجع ترامب ونتنياهو باعتباره مؤشراً تلقائياً إلى انحسار احتمالات الحرب، بل ربما يشكل مدخلاً إلى مرحلة أكثر اضطراباً، تتداخل فيها محاولات التعويض السياسي مع إعادة رسم التوازنات الإقليمية.

انطلقت المقاربة الأميركية الإسرائيلية تجاه إيران من فرضية أن التفوق العسكري قادر على إحداث انهيار سريع في موازين القوى، وإجبار طهران على قبول تسوية تتجاوز برنامجها النووي إلى دورها الإقليمي وموقعها في منظومة الطاقة الدولية. غير أن الحرب كشفت خللاً في تقدير العلاقة بين القدرة العسكرية والنتيجة السياسية.

فالضربات، مهما بلغت شدتها، لا تكفي لإخضاع دولة تمتلك عمقاً جغرافياً ومؤسسات أمنية متماسكة وأدوات ضغط استراتيجية واقتصادية. والأهم أن إيران نجحت في نقل جزء من المواجهة إلى المجال الاقتصادي الدولي، من خلال تحويل أمن الملاحة في مضيق هرمز إلى ورقة تفاوضية تتجاوز حدود الصراع العسكري المباشر.

وهنا برز التناقض الأساسي في استراتيجية ترمب. فبدلاً من أن تنتهي المواجهة بإعادة صياغة البرنامج النووي الإيراني وفق الشروط الأميركية، أصبحت المفاوضات تتركز على ضمان الملاحة وتخفيف الاضطرابات في أسواق الطاقة. وبذلك انتقلت واشنطن من محاولة تغيير السلوك الاستراتيجي الإيراني إلى معالجة التداعيات التي أنتجتها الحرب نفسها.

وهذه المفارقة تختصر أزمة إدارة ترمب التي امتلكت القدرة على إطلاق المواجهة، لكنها افتقرت إلى تصور متكامل لإنهائها، بعدما تعاملت مع إيران باعتبارها ساحة يمكن إخضاعها بضربة سريعة، متجاهلة اختلاف بنيتها السياسية والعسكرية عن تجارب أخرى.

أما الخسارة الانتخابية للجمهوريين، وتراجع قدرة نتنياهو على تشكيل حكومة جديدة، فيعكسان حدود المشروع الذي جمع الرجلين. فالحرب التي كان يفترض أن تمنحهما تفوقاً سياسياً تحولت إلى عبء انتخابي، بعدما أصبحت تكلفتها الاقتصادية والأمنية جزءاً من النقاش الداخلي الأميركي والإسرائيلي. ومع ذلك، فإن الفارق بين الرجلين أساسي، نتنياهو يواجه احتمال الخروج المباشر من السلطة، بينما يحتفظ ترمب بالرئاسة مع تقلص هامش حركته السياسية والتشريعية.

ولذلك قد يسعى الأول إلى تعطيل الانتقال الحكومي وإطالة أمد بقائه، فيما يجد الثاني نفسه أمام خيار تسوية مع إيران يمكن تسويقها باعتبارها انتصاراً، أو تصعيد عسكري جديد يعيد إنتاج صورة الرئيس القادر على فرض إرادته.

وفي الحالتين، تبدو المنطقة مقبلة على إعادة توزيع للأدوار والنفوذ. فإذا تراجعت قدرة واشنطن على إدارة الشرق الأوسط من خلال التدخل العسكري المباشر، فقد تتجه إلى إعادة إحياء مقاربة تقوم على التوازن بين ثلاث صفائح جيوسياسية كبرى: التركية والإيرانية والإسرائيلية.

وتستند هذه المقاربة إلى إدارة التنافس بين القوى الثلاث بدلاً من حسمه، مع الاحتفاظ بالقدرة الأميركية على التدخل عند الضرورة. غير أن أخطر نتائجها تتمثل في احتمال تراجع الوزن العربي المستقل، وتحول الدول العربية إلى ساحات تتقاطع فوقها مصالح القوى الإقليمية.

فإسرائيل تريد تحويل تفوقها العسكري إلى ترتيبات أمنية دائمة، وتركيا تسعى إلى تثبيت موقعها بوصفها قوة إقليمية قادرة على إدارة الملفات الأمنية والسياسية، فيما تحاول إيران استثمار صمودها بعد الحرب لترسيخ موقعها في معادلات الأمن والطاقة.

أما دول الخليج، فتجد نفسها أمام ضغوط متناقضة بين الحاجة إلى الضمانات الأميركية، وتجنب مواجهة جديدة مع طهران، ومقاومة الضغوط الرامية إلى توسيع الاندماج الأمني مع إسرائيل. وهكذا قد يتحول التلويح الأميركي بتقليص الالتزامات الأمنية إلى وسيلة لدفع العواصم العربية نحو ترتيبات إقليمية لا تعكس بالضرورة مصالحها الاستراتيجية.

قد يتحول التلويح الأميركي بتقليص الالتزامات الأمنية إلى وسيلة لدفع العواصم العربية نحو ترتيبات إقليمية لا تعكس بالضرورة مصالحها الاستراتيجية.

في سوريا، ستكون انعكاسات هذا التحول أكثر تعقيداً، لأن البلاد تقع عملياً عند نقطة التماس بين الصفائح الثلاث. فإسرائيل تنظر إلى الجنوب السوري باعتباره امتداداً لمعادلتها الأمنية، وتسعى إلى فرض ترتيبات تحد من قدرة دمشق على استعادة سيادتها العسكرية الكاملة، فيما تعتبر تركيا أن استقرار السلطة السورية الجديدة وتعزيز مؤسساتها يمثلان جزءاً أساسياً من أمنها القومي ونفوذها الإقليمي. وفي المقابل، تحاول دمشق إعادة بناء علاقاتها العربية والدولية وتجنب التحول إلى ساحة مواجهة بين القوى المتنافسة.

وقد يؤدي تراجع الانخراط الأميركي المباشر إلى زيادة الضغوط على القيادة السورية للقبول بترتيبات أمنية مع إسرائيل، خصوصاً في الجنوب، مقابل تسهيلات سياسية واقتصادية واعتراف أوسع بموقعها الإقليمي. لكن هذه المقاربة تنطوي على تناقض جوهري، إذ يصعب مطالبة الدولة السورية ببناء مؤسسات مركزية قوية، ثم فرض قيود على انتشارها العسكري وسيادتها في مناطق حدودية أساسية.

 كما أن أي محاولة إسرائيلية لتوسيع نفوذها في درعا والقنيطرة والسويداء ستصطدم بالمصالح التركية والعربية، ولا سيما السعودية، التي ترى في استقرار سوريا ووحدة أراضيها شرطاً لمنع إنتاج فراغ أمني جديد. ولذلك فإن مستقبل سوريا لن يتحدد فقط بالعلاقة بين دمشق وواشنطن، وإنما بقدرة السلطة السورية على الاستفادة من التفاهمات التركية السعودية القطرية لبناء توازن يحول دون تحويل البلاد إلى منطقة نفوذ إسرائيلي مفتوحة.

أما لبنان، فيمثل إحدى أكثر الساحات عرضة لتداعيات هذا التحول. فتعثر المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية لا يعني توقف الضغوط، بل انتقالها تدريجياً من المسار التفاوضي إلى أدوات سياسية ومالية وأمنية أكثر تعقيداً. تريد واشنطن إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، وربط تعزيز سلطة المؤسسات بتنفيذ ترتيبات أمنية تضمن تراجع القدرات العسكرية للحزب، فيما يرفض الأخير التعامل مع ملف سلاحه باعتباره استحقاقاً منفصلاً عن الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات والضمانات السياسية.

تريد واشنطن إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، وربط تعزيز سلطة المؤسسات بتنفيذ ترتيبات أمنية تضمن تراجع القدرات العسكرية للحزب

وتزداد المعادلة تعقيداً إذا اعتبر حزب الله أن خسارة ترامب ونتنياهو وصمود إيران تمنحه فرصة لتحسين شروطه الداخلية والضغط للتراجع عن القرارات الحكومية المتعلقة بالسلاح، بينما ترى قوى لبنانية أخرى أن استعادة سيادة الدولة تقتضي المضي في تنفيذ هذه القرارات. والخطر هنا لا يقتصر على تجدد الحرب مع إسرائيل، بل يشمل احتمال انتقال الصراع الإقليمي إلى مواجهة داخلية، خصوصاً إذا استمرت الضغوط الأميركية باتجاه اتفاق سياسي لبناني إسرائيلي يتجاوز قدرة النظام اللبناني على استيعابه.

بهذا المعنى، لا يدخل الشرق الأوسط مرحلة انتصار محور وهزيمة آخر، بل مرحلة اختبار لحدود المشاريع الإقليمية المتنافسة. وقد تكون المفارقة الأخطر أن ترمب ونتنياهو، بدلاً من الاعتراف بفشل الرهان على القوة، يحاولان إنقاذ مشروعهما بالوسائل نفسها التي أدت إلى تعثره. وعندها لن تكون المنطقة أمام نهاية الحروب، بل أمام صراع أكثر تعقيداً على تحديد من يمتلك القدرة على صياغة السلام، ومن يتحمل كلفة فرضه، ومن يدفع ثمن التوازنات الجديدة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى