
ما نعنيه بالانتقام هنا ليس عملاً مباشراً أو غير مباشر من جهات غزيّة، فهذا غير متاح حالياً، ولا عقوبة سماوية موعودة للمجرمين، فهذه أمرها وعلمها عند صاحبها. ما يشار إليه هنا انعكاسات وتداعيات مباشرة وغير مباشرة، لجريمة، بل جرائم، الإبادة البشعة التي صّبت على أهل غزّة، صبّاً، وما تبعها من تواطؤ المتواطئين خفية وجهراً، ونطقاً وصمتاً، وصولاً إلى حد التماهي مع القتلة، ومدافعة عنهم بالقلب واليد واللسان، وتبريراً يُخجل المجرم نفسه.
وقد كانت مصيبة التعرّي الأخلاقي عقوبة ذاتية لمن سمّاهم عالم الاجتماع البريطاني مارتن شو “كتلة مرتكبي الإبادة”، وستظل كذلك. ولكن ما لم تتحسّب له هذه الأطراف كان “الأثر الجانبي” الآني الذي تجسّد أولاً في انتفاضات الأجيال الجديدة والقطاعات الحية في كل المجتمعات الغربية ضد هذه الردّة الأخلاقية. فلم تبق مدينة في أوروبا أو أميركا الشمالية إلا وامتلأت شوارعها بالمتظاهرين، غالباً مرّة على الأقل في كل أسبوع. وهذه ظاهرة تفوقت على سابقاتها من حركات السود والحقوق المدنية في الولايات المتحدة، والاحتجاج ضد حرب فيتنام وغيرها، في الحجم والكثافة والتكرار وسعة نطاقها الجغرافي، وتنوع فئات المشاركين.
وقد كشفت محاولة إسكات هذه الأصوات عبر القمع والترهيب والابتزاز عن إفلاس القوى المهيمنة، وأسقطت هيبتها أمام القطاع الواسع من المحتجين. وقد حسبت مراكز السلطة في تلك البلدان أن الترهيب قد أتى أكله، وأن الشباب قُمع واستسلم. إلا أن هذا أثبت فقط عجزاً عن إدراك التحول الكبير الذي وقع في ذاك القطاع وانداح فيما حوله، فالإبادة المتلفزة لا تقع كل يوم، وأثرها في الضمير الإنساني لا يمكن تجاوزه بتعميم القمع على مجتمعات “كتلة المرتكبين” نفسها..
تغيراتٍ مهمّة يؤكّد محللون عديدون أنها فتحت باباً جديداً للتغيير في الفضاء السياسي والبنية الاجتماعية في الولايات المتحدة، وأن أثرها سيمتدّ سنوات
كان هذا انتقام غزّة الأول: بتجذر الانحياز لضحايا الإبادة في ضمائر القطاعات الحية من المجتمعات الغربية وحول العالم، وبداية تشكل وعي جديد بأوضاع العالم، مع فقدان للثقة في النخب الحاكمة لما رأوه من مشاركتها الحماسية في صبّ كل صنوف العذاب على سكان غزّة، بدون ذرة من الإنسانية. هذا إضافة إلى الاستخفاف بهذه الجرائم، والكذب على النفس بمحاولة إنكارها، بل واتهام الضحايا بالمسؤولية عنها.
ولكن إسرائيل، الحامل الأكبر لوزر هذا الإجرام، لم تكتف بأوزارها وفظائعها تلك، بل تمادت في تنويعها، ثم تعميم شرورها إلى لبنان فسورية، قبل أن تشعل حرب إيران، التي زلزلت كل المنطقة، وارتدّت على من تولى كبرها بمشكلات أمنية وسياسية واقتصادية. ومع تداخلها مع الحرب الروسية- الأوكرانية، التي استنزفت أوروبا، ووتّرت علاقاتها مع أميركا ترامب التي مالت إلى روسيا، حشرت اقتصادات الاتحاد الأوروبي في زاوية حرجة. ثم جاءت تعرفات ترامب لتزيد الطين بلة، وتفجر ما يشبه الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وحلفائها. وكانت هذه الضربة الثانية التي تلقتها المنظومة الغربية في عمق تركيبتها الأمنية والاقتصادية والسياسية، حيث أصبح الحليف الأهم أكبر تهديد للحلفاء: يحاربها ويبتزّها اقتصادياً ويتآمر عليها مع ألد الأعداء. ولهذا ارتباط عميق بكارثة غزّة، كما هو ظاهر، ولمحاولة إسرائيل اليائسة لتوسيع حربها ضد غزّة بلا حدود. وكانت هذه اللطمة الثالثة.
جاءت الضربة الانتقامية الرابعة بسقوط مرشّح الحزب الديمقراطي الرئاسي في انتخابات 2024 الأميركية، وخسارة الحزب لمجلسي النواب والشيوخ، عندما امتنعت كثير من قواعد الحزب عن التصويت لصالحه احتجاجاً على موقف الرئيس جو بايدن ونائبته كامالا هاريس المخزي تجاه جريمة الإبادة، ودعم إدارته غير المحدود إسرائيل، وبالتالي لعملية الإبادة التي أصبحت أميركا من أكبر المشاركين فيها. وتفيد دلائل كثيرة بأن انهيار الدعم للديمقراطيين في انتخابات عام 2024 الرئاسية والبرلمانية يعود إلى امتناع الناخبين المعارضين موقف بايدن وإدارته من نكبة غزّة.. وتوضح استطلاعات أن أكثر من 24% من أنصار الحزب الديمقراطي الذين غابوا عن التصويت أو صوّتوا لترامب والجمهوريين، أو لطرف ثالث في “الولايات المتأرجحة” حدّدوا غزّة باعتبارها السبب الأول لرفضهم التصويت لمرشّحي الحزب، كما أن غالبية هذه الطائفة وضعت غزّة كأحد دوافعها. وقد جعل هذا غزّة من العوامل الحاسمة في تلك الولايات التي اكتسحها ترامب بفارق صغير في الأصوات.
عاد الناخب الديمقراطي إلى الحلبة بهمّة وأعداد كبيرة، ليصوّت لمرشّحين جدد، من عدد غير مسبوق من الراديكاليين والوجوه الجديدة من مختلف الأقليات
ولم يتوقّّف الأمر هنا، إذ إن الأزمة الاقتصادية الدولية التي سببتها مغامرة ترامب- نتنياهو في إيران أوجدت، خصوصاً بعد إغلاق مضيق هرمز وتوقف ضخ نفط الخليج وتصديره، وضعاً أدّى إلى تفجر احتجاجات شبابية وشعبية غير مسبوقة في التاريخ الأوروبي، أصبحت أكبر مهدّد للاستقرار السياسي في معظم دول أوروبا المحورية. وهذا الوضع نتاج جانبي لكارثة غزّة من حيث بناء قوى الاحتجاج التي تصدّرت هذه المظاهرات على نموذج وتكتيكات حركة التضامن مع غزّة، كما أن الأزمة الاقتصادية المتولدة عن الحرب على إيران هي بدورها من ذيول غزّة، وتهور نتنياهو الغبي. وكان هذا “الخريف الأوروبي” الذي اكتسح دول القلب في أوروبا: فرنسا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، هو اللطمة الغزّاوية الخامسة، وقد زلزل أوروبا كما لم يحدث من قبل.
وجاءت اللطمة السادسة من الهجمة المرتدة في الانتخابات الأميركية النصفية لهذا العام، حيث عاد الناخب الديمقراطي إلى الحلبة بهمّة وأعداد كبيرة، ليصوّت لمرشّحين جدد، من عدد غير مسبوق من الراديكاليين والوجوه الجديدة من مختلف الأقليات. وهنا كان الحزب الديمقراطي هو الذي اكتسح مجلسي الشيوخ والنواب، ما يشي بتغيراتٍ مهمّة يؤكّد محللون عديدون أنها فتحت باباً جديداً للتغيير في الفضاء السياسي والبنية الاجتماعية في الولايات المتحدة، وأن أثرها سيمتدّ سنوات.
ويشمل هذا التراجع العملي الواضح للوبي الصهيوني الذي فشل بعد أن بذل الملايين، وكل أشكال التلاعب والخداع، كما في حالة مرشّح الكونغرس عبد الرحمن السيد، الذي أعلنت منافسته الديمقراطية، في آخر لحظة، تأييدها منافسه الجمهوري في مناورة قصد منها قلب الموازين، بل كذلك عجز المؤسّسات السياسية والإعلامية عن التصدّي لهذا المد الشعبي والشبابي الكاسح. فقد بذل الرئيس ترامب كل جهده وألاعيبه لتشويه صورة المرشّح والسخرية منه، واتهامه بالإرهاب، وجندت الأجهزة العدلية والإعلامية ضد المرشّحة الصومالية المولد إلهان عمر، ولكن الشارع الأميركي كان له رأي آخر.
يتجذّر الانحياز لضحايا الإبادة في غزّة في ضمائر القطاعات الحية من المجتمعات الغربية وحول العالم
ثم أخيراً جاءت الصدمة في نكبة نتنياهو نفسه، الذي يبدو أن بعضهم دعا عليه دعوة موسى على رهط فرعون: “فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم”، فقد عاش حتى رأى عبد الرحمن السيد يدخل الكونغرس، وتكدّرت ليلته مع صديقه ترامب وهما يريان السيل الشبابي الذي غسل عن أميركا كثيراً من درن ترامب وجماعته. وكأن هذا لم يكن كافياً، فإنه عاش حتى رأى الكتلة العربية الحزب الثالث في الكنيست الإسرائيلي. ولا بد أن طبيبه النفسي قد أثرى هذه الأيام من كثرة المراجعات! على الأقل يمكن أن نؤكد أن نتنياهو لن يطلب إلقاء خطاب في الكونغرس هذه الأيام، لأن الترحاب به لن يكون التصفيق وقوفاً كلما نطق بشيء من ترّهاته، بل قد يتسلم الكثير من أحذية الأعضاء هدايا!
وكان مارتن شو المذكور أعلاه، وهو أحد أبرز دارسي الإبادة عالمياً، قد نشر في سبتمبر/ أيلول الماضي ورقة في دورية أبحاث الإبادة (Journal of Genocide Research) بعنوان “جريمة الإبادة التي غيرت العالم”. وكانت نقطته أن إبادة غزّة ليس لها سابقة من حيث بنائها على أليات تطهير عرقي أسّس لها منذ قيام إسرائيل، ومجرّبة في عمليات مستمرّة. ثانياً هي الأولى التي جندت “كتلة ارتكاب الإبادة” اندمجت فيها طائفة من أهم الدول. ثالثاً هذه العملية لم تتبع نسق معظم عمليات الإبادة السابقة من القتل الجماعي السريع، وإنما عدّدت التكتيكات ونوّعتها: القصف المكثف، التجويع، الحرمان من العناية الصحية، التهجير المتكرّر، التدمير المستمر للبنية التحتية ومقومات الحياة. ثم هي غيرت مفهوم الإبادة نفسه، ونقلت الممارسة من هامش الحياة السياسية إلى لبّها. وبالرغم من هذا كله، أصبح الإنكار بكل آلياته أيضاً مركباً مهماً في هذه الجريمة التي يشارك فيها العالم كله. ورأى شو أن كل هذه المركبات أوجدت واقعاً جديداً لا تغطيه المناهج ولا النظريات القائمة، خصوصاً لمشاركة الجهات المفروض فيها منع الإبادة في الجريمة. مضيفاً أن هذه الجريمة المركبة سيكون لها ما بعدها. … ولكن حتى شو لم يكن يتوقع ما حصل من كل هذه الهزّات الزلزالية المرتدّة على “كتلة مرتكبي الإبادة” خلال هذه السنوات القليلة. وما خفي أعظم.
المصدر: العربي الجديد






