
في سياق مقاربة أولية تربط بين الأزمات الحالية للنظام الإيراني وتدخلاته السابقة في سورية، واستمرارها في كل من اليمن ولبنان والعراق، استنادًا إلى الفكرة الأساسية الخمينية بتصدير (الثورة الإيرانية الإسلامية) وتطور العلاقات وتغيرها، بينه وبين المحيط الإقليمي، التي اتسمت بالتغول الإسلاموي (الشيعي)، وتجيير ذلك لمصالح قومية فارسية، ومشروع فارسي قديم/ حديث يتستر بالإسلام، في محاولة منه للتمدد ضمن الواقع العربي، وصولًا إلى إقامة امبراطورية الفرس المزعومة.
_ الذرائعية في تمدده الإقليمي:
يتكئ النظام الإيراني عبر تمدده في المحيط العربي، إلى بعد ذرائعي حاول دائمًا الإمساك
بمضامينه، والاحتماء به، مفاده أن (الثورة الإسلامية) الإيرانية الخمينية، قامت في ظل واقع
عربي وإسلامي، يرتبط بالسياسة الأميركية (الشيطان الأكبر) وقد جاء (المنقذ الإيراني) ذو
الطابع (الثوري الإسلامي) لينقذ هذا الواقع مما هو فيه، كبديل قد يكون متقبلًا لدى (الشرطي
الإيراني) السابق في الخليج العربي والمنطقة، إضافة إلى المشجب الآخر الذي مافتيء النظام الإيراني يعلق عليه جل تحركاته في المنطقة، تحت يافطة تحرير القدس ودعم الثورة
الفلسطينية والمقاومة اللبنانية من أجل (تحرير فلسطين من رجس الاحتلال الصهيوني). وهي
سياسة ليست بجديدة، فقد سبقه إليها النظام العربي الرسمي، عبر انقلاباته المتتابعة بذريعة
فلسطين وحجة تحريرها.
_ تدخلات إيران الخارجية:
البحث في توقيتاتها وربطها بالبعد الطائفي، وعلاقة كل ذلك بإمكانية الصمت عنه دوليًا
وإقليميًا، ضمن علاقات نفعية براغماتية إيرانية، تتخطى كل الشعارات والمبادئ، من أجل
تحقيق المشروع الفارسي الطائفي للإمبراطورية المفترضة، ومجابهة المحيط العربي ورفضه لهذا التمدد، والشعور بالخطر الحقيقي الذي لا يقل فداحة عن استطالات إسرائيل في المنطقة العربية. مرورًا ببعض حالات التمدد للمشروع الإيراني سابقًا ولاحقًا في كل من:
_ العراق. _ سورية. _ اليمن. _ لبنان.
_ سياسة تصدير الثورة ومحاكاتها للحلم الفارسي:
يبدو أن هذه السياسة التي انتهجها الخميني، وتابعها من جاء بعده، من حكم الملالي، كانت
تحاكي حلمًا قديمًا / جديدًا لدى شريحة كبيرة من الطبقة السياسية الإيرانية، ذات التشوف
الامبراطوري الفارسي، وأيضًا الثأر لتلك الهزيمة الكبرى التي لقيها صولجان (كسرى أنو
شروان) على يد العرب، هؤلاء الذين يصنفون لدى بعض سادة الفرس بأنهم (رعاع) و(بدو
متخلفين)، فهم يحاولون اليوم الثأر للصولجان الفارسي الذي تم توزيعه على (رعاع العرب)
كما يقولون، من قبل أمير المؤمنين والقائد العربي عمر بن الخطاب (رض)، وهم في ذلك
يحاولون إعادة الاعتبار (للدولة الفارسية العظيمة) يوم انتصف العرب من العجم. وهذه
السياسة قد تساعد حكم الملالي على البقاء في السلطة لفترات زمنية مستقبلية، لكنها اليوم باتت مهددة بشكل كبير. وهي تضم بين جوانبها ليس الإسلاميين فقط، بل والشاهنشاهيين أيضًا، وممن مازالوا يتمسكون بذلك الحلم الفارسي.
_ الآثار السلبية للتدخلات الإيرانية في الخارج.
إن كان للحلم الفارسي بعدًا تسويقيًا تجميعيًا في الداخل الإيراني إلا أن هناك الكثير من الأبعاد
السياسية والاقتصادية والأمنية التي تترك أثرًا ليس جاذبًا، بل نابذًا، للقبول باستمرار هذا
التدخل أو التمدد الإيراني الخارجي نذكر منها:
1_ الأثر الاقتصادي:
ليس بعيدًا عن معاناة الشارع الإيراني، الذي كان يعيش ضمن حالة اقتصادية متوازنة نسبيًا
قبل (ثورة الخميني)، هذا التهور الاقتصادي للنظام الإيراني، الذي يحرم الإيرانيين من حقهم من التنعم بمواردهم الاقتصادية، وثروات وطنهم، ليصحوا على حالة من الفقر والعوز لم يسبقها أي حال، حيث كان يُحوَّل ريع الاقتصاد الإيراني إلى جيوب (الشبيحة) في دمشق، أو ميليشيا (الممانعة) في بيروت، أو ميليشيا الحشد في العراق، أو ميليشيا الحوثيين في اليمن، وهو ما يترك الأثر السلبي الكبير، ومن ثم دفع ويدفع باستمرار قطاعات شعبية إيرانية هائلة متضررة من ذلك، إلى النزول للشارع رفضًا لهذه السياسة، غير المعقولة ولا المقبولة.
2_ حالة الانعزال الإقليمي:
إذ أنه ونتيجة السياسات الإيرانية المتدخلة في الجوار العربي، والإسلامي، وتخوف البلدان
المحيطة من الخطر الإيراني، الذي بات واقعًا ملموسًا بعد الحرب الأميركية الإيرانية، ، فقد أصبحت إيران ضمن واقع جغرافي رافض لها ولسياستها التوسعية، مما خلق منها دولة مارقة، ومقطوع حبل الود وعلاقات حسن الجوار بينها وبين غير بلد عربي أو إسلامي، إن لم يكن جميعها. وهو ما يؤثر سلبًا على العلاقات البينية مع جوارها العربي مستقبلًا.
3_ الانعزال الدولي:
لعل سياسة الإيرانيين المعلنة والممارسة في تصدير الإرهاب العالمي إلى بقاع الأرض شرقًا وغربًا، وإعادة بناء ترسانتها النووية، التي تهدد السلم العالمي، هو ما دعا الغرب والدول الكبرى إلى ممارسة الضغوط والعقوبات الاقتصادية، والسياسية ومن ثم الحرب العسكرية الأميركية، من أجل ثنيها عن مشاريعها النووية والإرهابية، التي باتت خطرًا عالميًا بحق، ما أفضى إلى أن تعيش حالة انعزال دولي أيضًا، وهو ما ينعكس سلبًا على وجودها الكياني.
_الانهيارات في بنية النظام الداخلية:
رغم هيمنة (الحرس الثوري الإيراني) على كل مفاصل الدولة والمجتمع الإيراني، وبالرغم من سيادة حكم الملالي، بطبيعته وسماته الدولتية الأمنية، إلا أن كل ذلك لم يمنع، انهيارات كبرى، وحالة تشظي وتفسخ مجتمعي، ومؤسساتي في بنيان الدولة، نتيجة الصراعات المصلحية، وانتشار الفساد الكبير، واقتناص الفرص، ضمن أتون حالة من التغول الأمني على كل ما هو مدخلاً أو منهلًا للفائدة النفعية المصلحية، الذاتية النهبوية، ذات التوجه الفاسد، الذي لم يعد يهمه أي شيء سوى ملء الجيوب، عبر سياسة من الفساد والإفساد، قبل أن تنهار الدولة عاجلًا أو آجلًا ، في ظل تراجع غير مسبوق في قيمة العملة الإيرانية / التومان، مما ينذر بخراب البصرة (كما يقال) في قادم الأيام.
إن ما آلت اليه الأمور مؤخرًا إبان الحرب الكبرى بين إيران وأميركا وإسرائيلي، وضمن نظرة علمية متبصرة، لواقع إيران وتدخلاته الخارجية، التي باتت مقلقة ليس للمحيط الإقليمي، بل كذلك للوضع الدولي برمته، سوف يؤدي مع الوقت، ومع استمرار الخراب والفوات الكلي في سياسات إيران الإقليمية، إلى مزيد من تبعثر وتقهقر الكيان الإيراني برمته، وتشظي جغرافية إيران السياسية المفترضة.






