هل اليمين المتطرّف في فرنسا قدر محتوم؟ر

عمر المرابط

تتوالى في فرنسا، منذ أسابيع، احتجاجات الطلاب والمظاهرات المندّدة بتدهور الظروف المعيشية، وتتوالى معها استطلاعات الرأي المرتبطة بالاستحقاقات الرئاسية والبرلمانية التي ستعرفها البلاد ابتداء من إبريل/ نيسان المقبل. احتجاجات يتصدر مشهدها اليسار، بل أقصى اليسار، واستطلاعات رأي يتصدّرها اليمين، بل أقصى اليمين؛ والمفارقة يسار يحتج في الشارع، ويمين في التعبئة السياسية بارع؛ الأول يتقدّم في ميادين الاحتجاج، والثاني يتقدّم في نيات التصويت والاقتراع.

مع هذا كله، لا يمكن لمن عايش التجربة السياسية من داخل الأوساط السياسية الفرنسية (حال كاتب المقال الذي كان نائب عمدة جنوب باريس) إلا أن يتساءل بجدّية عن حظوظ اليمين المتطرف في الوصول إلى قمة الحكم في فرنسا عبر مرشحته مارين لوبان، وأن يطرح تساؤلاً مشروعاً عن السبل الديمقراطية والمشروعة طبعاً، الكفيلة بمنع هذا السيناريو المرتقب جداًّ، والحيلولة دون وصول أقصى اليمين إلى حكم أكبر قوة عسكرية وثاني قوة اقتصادية في الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن عواقب ذاك داخلياً وخارجياً.

بيد أنه قبل الدخول في صلب الموضوع، لا بد لنا، من باب النزاهة، أن نُقِرَّ بأنه منذ الانتخابات الأوروبية سنة 2014، في عهد الرئيس فرانسوا هولاند، فرض حزب التجمع الوطني (الجبهة الوطنية سابقاً) نفسه أول الأحزاب الفرنسية بحصوله على أكبر عدد من أصوات الناخبين، وأكّد هذا المركز في 2019 و2024. ولولا نمط الاقتراع وتفاهمات الأحزاب المناهضة تحت مظلة “الجبهة الجمهورية”، لحقق نتائج أفضل في الانتخابات التشريعية. وعليه، أصبح يحتل صدارة المشهد الحزبي في فرنسا، بقاعدة انتخابية عريضة وصلبة تقارب ثلث الأصوات المعبر عنها، وبقدرة كبيرة على حشد ناخبيه، حيث حصل على المركز الأول وحصد، في الدور الأول من الانتخابات التشريعية سنة 2024، زهاء 9.38 ملايين صوت مقابل زهاء تسعة ملايين لتحالف أحزاب اليسار مجتمعة، و8.7 ملايين في الدور الثاني مقابل سبعة ملايين لتحالف اليسار الذي حصل على المرتبة الأولى من حيث عدد المقاعد.

لا مناص من رؤية متبصرة تأخذ بالاعتبار الخيارات الاستراتيجية والتكتيكية معاً

يعتقد بعضهم، خصوصاً من بين أبناء الجالية العربية والمسلمة، أن العملية الإرهابية في مدينة تراب، غرب باريس، في 23 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، المدينة التي كان رئيس التجمع الوطني العنصري (وضعته لوبان رئيساً للحزب للتفرغ للحملة الانتخابية) جوردان بارديلا قد وصفها سابقاً بأنها معقل للإسلاميين المتطرّفين، أثرت بشكل طفيف على المشهد السياسي الفرنسي، ورفعت من أسهم جان لوك ميلانشون، زعيم حزب فرنسا الأبية اليساري المناصر للمهاجرين والأقليات ؛ حيث أصبحت استطلاعات الرأي تمنحه المركز الثاني في الدور الأول، وبالتالي مواجهة مارين لوبان. وهذا جيِّد، لكن ماذا بعد؟ ثم هل حرِيّ بنا وضع هذا السؤال؟

قبل الإجابة، لنتوقف أولا عند منهجية النقاش، ونحدّد الإطار الذي ينبغي أن يحكم تصورنا في هذا الموضوع، فكثيراً ما يحدث أن ينسى المرء غايته الأولى، وهو يسعى إلى تحقيق أهداف مرحلية، فتجد الرجل يستميت في الوصول إلى هدف مرحلي كان وسيلة منذ زمن قريب، وتتحوّل الوسيلة إلى غاية في حد ذاتها، ومن ثم تصبح هدفاً يُعتبَر تحقيقه انتصاراً وننسى الهدف الرئيس.

وللدلالة على هذا، تُذكر هنا واقعتان: سنة 2002، اعتقد الفرنسيون، وخصوصاً من مناصري اليسار والأقليات، أن المواجهة في الدور الثاني ستكون، لا محالة، بين الرئيس جاك شيراك ورئيس وزرائه آنذاك ليونيل جوسبان الذي كان يحظى بشعبية كبيرة، وكان كثيرون يرونه الرئيس المقبل. ثم تشتتت أصوات اليسار بين مرشحيه في الدور الأول وصوّت كل حزب وناخب على ليلاه، وصعد جان ماري لوبان إلى الدور الثاني عوض جوسبان، في أول سابقة من نوعها تُمكِّن اليمين المتطرّف من بلوغ الدور الثاني. النتيجة، راح جوسبان واعتزل السياسة، وضجّت القاعات بالبكاء!

يتكرّر المشهد في 2007 بصيغة أخرى، كانت أغلب استطلاعات الرأي تقول إن فرانسوا بايرو (مرشح الوسط)، إذا مر إلى الدور الثاني، سيفوز في مواجهة ساركوزي (مرشّح اليمين التقليدي بنكهة متشدّدة) أو في مواجهة سيغولين رويال مرشحة الحزب الاشتراكي، وتقول الاستطلاعات إن هذه الأخيرة ستخسر في الحالتين أمام الأول أو الثاني. لكن أغلب أصوات الناخبين من أصول مهاجرة ذهبت إلى تلك التي خسرت في الدور الثاني!. وطبعاً، فرح كثيرون بالتأهل.

ترجيح كفّة لوبان في الدور الثاني في مواجهة كل الخصوم لا سيما ميلانشون

واليوم، تُجمِع استطلاعات الرأي على ترجيح كفة لوبان في الدور الثاني في مواجهة كل الخصوم، لا سيما ميلانشون. غير أن الفارق الذي يتسع ويضيق تبعاً لمن سيكون في المواجهة الحاسمة، يبلغ أقصاه في مواجهة هذا الأخير بحوالي 69% مقابل 31%. ولعلّ هذا السيناريو الأنسب والأريح لمعسكر اليمين المتطرف. ومن هنا نطرح السؤال التالي على الذين يريدون قطع الطريق إلى قصر الإليزيه على لوبان: أليس من المنطقي، حينئذ، التصويت، منذ الدور الأول، لمن يملك أكبر الحظوظ لإلحاق الهزيمة بمرشحة يهتف بعضُ أنصارها: “مارين للرئاسة، والعرب للمذبحة”؟ أم أننا سنتغنّى، كما نتغنّى في كرة القدم بالتأهل للدور الثاني، بصرف النظر عمّن سيفوز في الختام؟ أليس من العقلانية اختيار المرشح الأقل ضرراً، استناداً إلى قاعدتي “درء المفسدة أولى من جلب المصلحة”؟ أو “أخف الضررين”؟ هي أسئلة آنية بطبيعة الحال، نستخلصها من المعطيات الراهنة، وقد تتغير ويتغير التحليل المرافق لها بتغيّر الظروف وتطور لائحة المرشحين النهائية.

يجد متابعو كرة القدم من المتعة والفرجة ما لا يجدون في غيرها، لكنها، في النهاية، لا تسمن ولا تغني من جوع سوى محترفيها. أما السياسة فلها شأن آخر، سواء تابعتَها أم تجاهلتَها، فلها أكبر الأثر على حياتك، وحريتك وحقوقك، بل وحتى مصيرك وكرامتك. ومن ثم لا مناص من رؤية متبصرة تأخذ بالاعتبار الخيارات الاستراتيجية والتكتيكية معاً. لِنضَعْ الغاية الكبرى نصب أعيننا ولا ننسَها، ولا نكتفِ بالانتشاء بنصر جزئي لا يُبَلِّغُنا، في نهاية المطاف، إلى الهدف الرئيس.

قد يقول قائل، نحن لا نراهن على سبر آراء وتوقّعات تصيب وتخطئ، وإنما نبني مواقفنا على قناعاتنا ومبادئنا فقط؛ هي مقاربة صحيحة من حيث المبدأ لكنها مجتزأة؛ ولا تأخذ بالاعتبار لا المآلات ولا العواقب، ولا التحوّلات أو الانعكاسات، إن داخلياً بطبيعة الحال، بَلْهَ على الصعيد الخارجي، وتلك حكاية أخرى.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى