
قدّمت الثورة السورية الكثير من القادة شهداء على مذبح الحرية، بعضهم عُرفت حكايتهم ووُثّقت، وبعضهم ظلت سيرهم بعيدة عن الرواية والتسجيل لأسباب عديدة، أهمها أن أصحابها بالأصل كانوا يقدمون عملهم وتضحياتهم خالصةً لأجل نصرة قضيتهم ولأهدافهم التي آمنوا بها، وأقسموا على أن يقدموا حياتهم رخيصةً لأجلها، لا يبتغون الشهرة ولا يسعون لأن يكونوا تحت الضوء.
(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)
من المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه الشهيد البطل الدكتور طارق رجاء الناصر/ أبو مجاهد، الذي استشهد في قصف غادر ومركّز من طيران نظام القتل والإجرام، وهو عائد من مهمة في غرب حلب عبر الطرق الالتفافية إلى مركز كتيبته في مدينة إعزاز. استهدفه القصف ليل 17 أيلول/ سبتمبر 2012، وشُيّع في موكب مهيب، إلى مثواه الأخير، ودُفن في ذلك اليوم في المدينة المحررة (إعزاز)، دون حضور أي أحد من ذويه.
كانت إعزاز مقراً ومنطلقاً لعمل الكتيبة التي كان قد شكّلها وقادها، وعُرفت باسم “أبدال الشام”، التابعة للواء عمرو بن العاص. وكان ذلك في مرحلة مبكرة من عمر الثورة السورية، ويُعتبر الشهيد (أبو خالد، بحسب اسمه الحركي) ومن معه من جيل الرواد الأوائل، ومن المبشّرين والعاملين على انطلاقتها، بعد اضطرار الثورة للتسلح في مواجهة محاولات نظام الأسد البائد سحق الثورة في مهدها.
وُلد الشهيد في 21 أكتوبر/ تشرين أول من عام 1976 لأبوين من الطبقة المتوسطة (الأب قاضٍ ومثقف وطني وسياسي بارز ذو مكانة وشأن والأم موظفة في القصر العدلي)، ونشأ وترعرع في بيت وطني أصيل في مدينة حلب، منغمس في الهم العام وشؤون السياسة والثقافة وينتمي إلى المعارضة الوطنية الديمقراطية. مع نهاية سنته الدراسية الأولى الابتدائية، وهي بداية تشكّل وعيه العام، اعتُقل والده القاضي رجاء الناصر في آب/ أغسطس من عام 1983 لمدة عدة أشهر، على خلفية نشاطه السياسي المعارض. ولم يُفرج عنه في 25 كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه (1983) إلا بعد أن أُجبر على تقديم استقالته من القضاء، الذي كان نظام الأسد يسعى إلى “تطهيره” من المعارضين والشرفاء.
لم تمضِ عدة سنوات بعد الإفراج عن الأب، وبعد الصدمة الأولى للطفل الصغير (طارق)، حتى عاد النظام لملاحقة والده المحامي رجاء الناصر ومحاولة اعتقاله في 2 أيلول/ سبتمبر 1986 وهو القائد السياسي البارز، مما اضطره للتخفي والهرب لسنوات في لبنان وسورية، في سياق الحملة الاستئصالية على (التنظيم الشعبي الناصري في سورية)، التي أودت بالمئات إلى سجون الأسد لسنوات طويلة.
وفي هذه الأجواء والمعاناة للأسرة، تحت المراقبة والاستدعاء والسؤال ومحاولات تأمين طرق آمنة للتواصل مع الأب المتخفي، وللمّ شمل الأسرة واللقاء بالأب، مرة هنا ومرة هناك، في ظروف من السرية في لبنان أو سورية، وفي هذه الأجواء الاجتماعية من القلق والخوف وافتقاد حنان الأب وعطفه، التي تحمّلت فيها والدته الراحلة، الصابرة، السيدة عفاف مقصود الكثير الكثير، عاش وترعرع الشهيد البطل طارق الناصر، مشبعاً بقيم ومعاني الوطنية والحرية، والحق التاريخي في فلسطين، ومناصرة الحق ومناهضة الظلم، ورفض العدوان المستمر على أمتنا.
ولأن الدكتور طارق، الذي عرفتُه طفلاً وفتى صغيراً وفي مقتبل العمر، عُرف بهدوئه وطيبة سريرته وحسن خلقه وتهذيبه، وذكائه وعمق تفكيره والتزامه، ونشأ في بيت وطني، كما أنه عروبي، فإنه مع الحرب الأميركية على العراق في 19 آذار/ مارس عام 2003 وجد نفسه، كما الآلاف من الشباب السوري والعربي، مندفعاً للسفر، أو الهجرة في سبيل الله، إلى العراق والدفاع عنه في مواجهة ما تعرّض له من عدوان وهدم للدولة وتفكيك للمجتمع، تاركاً رغد الحياة ومباهجها وعمله طبيباً مختصاً في جراحة الأعصاب، يخطو في هذا المضمار على طريق تحقيق ذاته وإثبات وجوده، هذا إضافة إلى توديع أسرته الصغيرة (زوجة وطفلة واحدة) التي بدأت لتوّها بالتشكّل.
في تجربة العراق تأثر، كغيره من المجاهدين، بفكر تنظيم القاعدة، وارتبط معه بعلاقة فكرية وسياسية وتنظيمية، في تحوّل كبير في شخصيته وثقافته، لم ينتهِ مع نهاية تجربة الجهاد في العراق، بل استمر وامتد حتى عودته إلى مدينته وأسرته وعمله، محمّلاً بالألم والخيبة والخذلان لما حصل في العراق، وتاركاً في نفسه أبلغ الأثر.
حين عاد إلى سورية/ حلب، بعد عدة أشهر قضاها في العراق، مجاهداً وطبيباً، استمر في جهاده مع التنظيم، حيث كان يستقبل في عيادته الخاصة وفي مكان عمله في مشفى السلام بحلب جرحى المقاومة العراقية. والمشفى تعود ملكيته إلى خاله وحماه (والد زوجته وشقيق أمه)، الدكتور الفاضل محمد مقصود، أمدّ الله في عمره، الذي وقف إلى جانبه وجانب أسرته حتى اليوم.
عندما انتهى الدور الوظيفي لنظام الأسد تجاه المقاومة العراقية، وكشّر عن أنيابه تجاه من اتخذوا سورية معبراً لهم باتجاه العراق أو العودة منه، ومن خلال الرصد والمتابعة، تعرّض بطلنا الشهيد أبو مجاهد للملاحقة والاستدعاء، في العام 2004، لأكثر من فرع أمن، لكنه لم يسلّم نفسه وتوارى عن الأنظار حتى تمكن في العام ذاته من الهرب إلى لبنان بعد معاناة مع التخفي، مقتفياً سيرة والده قبل ذلك بحوالي عقدين من الزمن، وكان الله، في هذه الأثناء، قد رزقه بابنه الوحيد وأسماه مجاهد، في دلالة واضحة لما نذر نفسه إليه.
في لبنان لم يتوقف نشاطه وعلاقاته مع المقاومة العراقية وتنظيم القاعدة حتى تم اعتقاله في بيروت في 3 كانون الثاني/ يناير من عام 2006، فيما عُرف باسم “مجموعة القاعدة الـ13″، التي ضمت سوريين ولبنانيين وفلسطينيين وسعودياً.
في سجون لبنان اعتُقل بدايةً في فرع المعلومات، في زنزانة انفرادية لمدة 5 أشهر، تعرّض خلالها للتعذيب وفق مصادر حقوقية رصينة، قبل نقله إلى سجن رومية مع آخرين من المجموعة ذاتها. ووُجّهت له تهمة (التعاون وتشكيل مجموعة لدعم المقاومة في العراق، وإقامة علاقات مرتبطة بتنظيم القاعدة)، وهو بالأصل، عندما وصل إلى لبنان، كان الحديث في الإعلام عن خلية لـ(ضرب مصالح أميركية وغربية في الوقت المناسب).
في بداية اعتقاله واعتقال كامل المجموعة، تمت محاولة الربط بينها وبين المدعو أحمد أبو عدس، الذي ارتبط اسمه بجماعة وهمية تُدعى “جماعة النصرة والجهاد في بلاد الشام”، لتضليل الجهات الأمنية المعنية باغتيال الشهيد رفيق الحريري، ولكن ثبت بطلان تلك التهمة، التي، حسب معلوماتي الدقيقة، تم التحقيق فيها من قبل أجهزة أمنية خارجية، إضافة إلى الأمن اللبناني.
في 22 آذار/ مارس 2010 جاء منطوق حكم القضاء اللبناني عليه بالسجن لمدة 3 سنوات، وكان حينها قد أمضى أكثر من أربع سنوات في سجون لبنان.
في 31 آذار/ مارس 2010 سُلّم إلى سلطات نظام الأسد، التي حققت معه من جديد في كامل الملف واعتقلته حتى نهايات عام 2010، قبل الإفراج عنه بشكل نهائي.
بين الحكم عليه من قبل القضاء اللبناني ومعرفة مصيره في سجون النظام السوري، تشير المنظمات الحقوقية إلى غياب أي معلومات عن مكان احتجازه ووضعه، ما يترك فجوة في المعلومات المتعلقة بوضعه وما حصل له.
بعد أن أُطلق سراحه من أفرع الأمن السورية المتعددة، عاد إلى حلب في نهاية عام 2010، وبدأ ترميم حياته من جديد، بالعودة إلى حياته المهنية طبيباً مختصاً وكفؤاً، وإلى حياته الأسرية التي واجه معها ضغوطاً أدبية جمة لثنيه عن الطريق الذي اختاره لنفسه، ولكن الأقدار لم تمهله كثيراً، لأن الربيع العربي انطلق من تونس وامتد إلى مصر وليبيا واليمن، وصولاً إلى سورية في منتصف آذار/ مارس 2011.
لم يطل الوقت كثيراً، بعد انطلاق الثورة السورية العظيمة، حتى اختفى المجاهد أبو مجاهد، ومرة أخرى وجد نفسه في أرض الله الواسعة، يسعى لإحقاق الحق ورفع الظلم عن كاهل الشعب السوري، حتى كتب الله له الشهادة عن عمر لم يتجاوز السادسة والثلاثين، بعد مسيرة حافلة وغنية بالبذل والعطاء لرفع راية الحق والعدل، لكنه هذه المرة يترك خلفه ابنتين توأمتين لا يتجاوز عمرهما الثلاثة أشهر.
رحم الله الشهيد البطل المجاهد أبا مجاهد، الدكتور طارق رجاء الناصر، ورحم والده أيضاً، الشهيد الأستاذ رجاء الناصر، الذي اعتقله نظام التوحش الكوني في قلب دمشق، في يوم 21 تشرين ثاني/ نوفمبر 2013 وغاب أثره، أو بمعنى آخر تم تصفيته، ولكنه ترك سيرة عطرة لعائلة مجاهدة صابرة، حلمت بفجر سورية الذي خطّه معهم، ومن بعدهم فتية آمنوا بربهم ووطنهم، فزادهم هدىً وإيماناً وصبراً.
رابط تشييع الشهيد الدكتور طارق رجاء الناصر
https://youtu.be/75wr-3Msdvw?is=m0TntYT7psbZo-ON






