الأزمة الأوروبية وتناقضاتها العصرية

  جمال الشوفي

انتقلت عدوى احتجاجات المدن الأوروبية إلى المدن الألمانية أيضاً عبر جيل Z، وبمطالب رئيسية محددة تتعلق برفض التجنيد الإجباري وارتفاع تكاليف المعيشة والمطالبة بزيادة الاستثمار في التعليم. لتحذو ألمانيا على إيقاع المدن الأوروبية في تظاهراتها الشعبية التي تعكس وجود أزمة كبرى تعيشها أوروبا قاطبة.

أوروبا المتمثلة بدولة المواطنة والحريات والديمقراطية تعيش حدة التناقضات التاريخية ذاتها التي خبرتها جيداً قبل قرنين من الزمن، والتي وصفها تشارلز ديكنز بروايته الشهيرة “قصة مدينتين” بأنها: أحسن الأزمان وأسوأ الأزمان، كان عصر الحكمة وعصر الحماقة، كان عصر اليقين والإيمان وكان عصر الحيرة والشكوك، كان زمن النور وزمن الظلمة، كان ربيع الأمل وشتاء القنوط. حين كانت باريس ومن خلفها أوروبا تنازع للخروج من عتمة وظلمات القرون الوسطى إلى عصر الأنوار والحريات ودولة المواطنة والتعاقد الاجتماعي. واليوم تتكرر التناقضات ذاتها منذ بدء الاحتجاجات الطلابية الواسعة في باريس وكبرى المدن الفرنسية رفضاً لسوء أحوالهم التعليمية، لتنتقل بعدها لمعظم مدن وعواصم أوروبا: بروكسل، روما.. إلى سلوفاكيا وإسبانيا والبرتغال. فهل تكون هذه الاحتجاجات الواسعة مقدمة لعصر أوروبي جديد وما شكله؟ ماذا عن أعمال التخريب والنهب والشغب؟ وماذا عن اليمين المتطرف واكتفائه باتهام المهاجرين ودعاة الإسلام السياسي بأعمال التخريب؟ وهل تكفي هذه الوصفات لحل الأزمة الأوروبية التي تطول غالبية دولها؟

تهميش الضواحي وتدهور النظام التعليمي وعدم الاهتمام في الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، وأن عجز الساسة الأوروبيين عن علاج مشكلاتهم الاقتصادية المتراكمة هي السبب الرئيسي لهذه الموجة الواسعة من التظاهرات.

فجاجة التناقض التي تشهدها العواصم الأوروبية تتجلى بوضوح بين الديمقراطية كشعار انتخابي وبين الديمقراطية كثقافة مجتمعية مدنية، بين السياسة كهمروجة شعارات انتخابية والسياسة كاحتراف وعمل بالشأن العام كما وصفها “ماكس فيبر” قبل قرنين من الزمن. فبين حق التظاهر الشعبي المدني الذي كفلته دساتير دولة المواطنة الأوروبية وبين قدرة سياساتها على استيعاب الأزمة والمعضلة التي تعيشها، يقف عصر الحداثة أمام اختبار صعب، وربما يكون مفصلياً في تاريخها المعاصر إن لم يشمل العالم برمته. إذ تشير العديد من التقارير والأخبار القادمة من العواصم الأوروبية إلى أن هناك تبايناً حاداً في تفسير مجريات أحداثها. وقد أشارت مجلة دير شبيغل الألمانية على لسان الكاتب ليو كليم إلى أن: العنف في فرنسا صناعة محلية.. وتحميل المهاجرين المسؤولية كذبة عنصرية! فرغم أن الكاتب يقر بمشاركة كثير من الشباب المنحدرين من الضواحي الفرنسية المهمشة والتي تعاني من الفاقة والجوع في أعمال العنف، وأن بعضهم من أصول أفريقية وعربية، لكنه يعتبر أن ربط سلوكهم الإجرامي بهجرة آبائهم أو أجدادهم قبل عقود ليس سوى نزعة عنصرية قاصرة عن التفسير؛ معتبراً أن تهميش الضواحي وتدهور النظام التعليمي وعدم الاهتمام في الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، وعجز الساسة الأوروبيين عن علاج مشكلاتهم الاقتصادية المتراكمة هي السبب الرئيسي لهذه الموجة الواسعة من التظاهرات. مقابل هذا يصرّ اليمين الأوروبي المتطرف على تحميل المهاجرين والإسلام السياسي واليسار المتطرف مسؤولية أعمال التخريب الجارية، ويؤكد وزير الداخلية الألماني ذلك مترافقاً مع زيادة النزعة المطالبة بترحيل اللاجئين وتصويت البرلمان الأوروبي على ترحيل اللاجئين غير الشرعيين. ولكن هل يمكن اختزال الوضع الأوروبي الحرج اليوم فقط بموضوع اللاجئين والمهاجرين والذي أدى في كل من فرنسا وإيطاليا إلى استنفار الشرطة والجيش لمواجهة ما يجري؟ ألم تحدث أعمال شغب وعنف في تظاهرات السترات الصفراء عام 2018؟ وها هي اليوم تشارك في الأعمال الاحتجاجية ذاتها! ألم تصدر الشرطة الفرنسية تقريرها الخالص بإلقاء القبض على الناشط اليساري المتطرف هودي دوكامبو سيارا (34 عاماً)

بمدينة هوت فيين؟ والمُشتبه به بقيامه مع مخربين آخرين بتحطيم نوافذ مبنى بلدية ليموج وإشعال النار فيه يوم 17 أكتوبر، الأمر الذي تسبب بانهيار مبنى البلدية التاريخي وبرج الجرس الشهير والذي يزيد عمره عن 140 عاماً.

لا يمكن اختزال المشهد الأوروبي بأنه صنيعة المهاجرين واليسار المتطرف والإسلام السياسي، رغم وجود بعضهم في أعمال الشغب والتخريب، فقد بدأت أحداثه بتظاهرات الطلاب ولم تزل مستمرة، وقبل أعوام خرجت باريس بستراتها الصفراء باحتجاجات واسعة وشهدت أعمال شغب وعنف واسعة. الأمر الذي يؤكد أن الأسباب أعمق من استثمار سياسي لبعض المخربين أياً كان انتماؤهم بقدر ما هو ترجمة للعجز الأوروبي عن علاج مشكلاتها العالقة والمتتالية. فهي تدفع اليوم الثمن المتراكم الناتج عن الحرب الأوكرانية ومحاولة أوروبا الدؤوبة لتجنب الحرب المباشرة مع روسيا من خلال دعمها غير المحدود لأوكرانيا، والتكاليف الباهظة التي يدفعها المواطن الأوروبي من الضرائب لقاء هذا. خاصة أنها تقع تحت ضغط حنفية الطاقة والغاز الروسية، الأمر الذي بدأ ينعكس سلبياً ومبكراً على أسعار الوقود والاقتصاد برمته. إضافة إلى القلق الدائم من التهديدات الروسية العسكرية والتحضيرات المرافقة لها، أتت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وتفاقم إشكالية مضيق هرمز الناتجة عنها لتضع العالم برمته وأوروبا خاصة في موقف العاجز أمام تأمين مستلزمات الطاقة، لتقع أوروبا تحت تأثير الضغوط المزدوجة التي يمارسها كل من ترامب وبوتين ونتائجها الاقتصادية تظهر في المدن الأوروبية اليوم.

قد يتطور المشهد الأوروبي بعواصمه ومدنه لتغيرات حادة تحاكي نماذج الثورات التاريخية، وقد يقف عند استثمارات سياسية لليمين المتطرف مستغلاً موجات العنف المتصاعدة للإطاحة بحكومات أوروبا الحالية..

تظاهرات المدن الأوروبية تطرح فعلياً سؤال الديموقراطية وإشكاليتها وتحدياتها، ليتضح أنها لا تقف فقط عند حرية الرأي وحق التظاهر السلمي، بقدر امتدادها البنيوي في ثقافة المجتمع وقدرة سلطاته المنتخبة على تأمين المصالح العامة. وهنا تظهر المفارقة الفجة التي تعيشها أوروبا بين مزدوجة القدرة على الحفاظ على ميراث عريض من الحريات والديمقراطية والحقوق المدنية والتفريق الدقيق بينها وبين من يستغلونها لأعمال الشغب والتخريب وافتعال الاضطرابات واستثمار أحداثها للترويج لمشاريع انتخابية قادمة كما يفعل اليمين الأوروبي المتطرف، يقابل ذلك القدرة على تأمين الحلول الاقتصادية أمام المعضلات العالمية الناتجة عن الحروب، وهذه الحروب خلاصتها تكمن في الحرب الروسية على أوكرانيا جيوبوليتيكياً مقابل الحرب الأميركية الإسرائيلية في إيران، وكلاهما يدور في فلك العولمة والهيمنة العالمية على مصادر الطاقة والثروة. وهذه العولمة جذرها بالأساس نمو القوى الليبرالية الجديدة عالمياً ومن داخل أوروبا ذاتها، التي باتت تعاني من أزماتها. هنا تظهر المعضلة التي تواجهها أوروبا في التناقض الحاد بين ثقافتها التاريخية كدول عصرية تمارس الديمقراطية وصون الحريات والحقوق المدنية وبين الأزمات الكارثية الناتجة عن انفلات نظم الاقتصاد العالمي لكلية الاستحواذ والهيمنة المنتجة للحروب الكارثية. وما ترابط الأحداث وتأثيرها العولمي سوى دلالة واضحة على أثر العولمة الاقتصادية عالمياً، إذ بات المواطن الأوروبي لا يستطيع مواجهة التغيرات الحادة في مستويات المعاش بالثقافة وحدها، ولسان حاله يقول إنه أحق بمقدراته الإنتاجية بدلاً من دفعها ضريبة للحرب الأوكرانية أو لمساعدة اللاجئين والمهاجرين! ما يضع ثقافة العصر الحديث أمام معايير متناقضة حول الديمقراطية والمجتمع المدني وثقافة حقوق الإنسان العالمية.

قد يتطور المشهد الأوروبي بعواصمه ومدنه لتغيرات حادة تحاكي نماذج الثورات التاريخية، وقد يقف عند استثمارات سياسية لليمين المتطرف مستغلاً موجات العنف المتصاعدة للإطاحة بحكومات أوروبا الحالية مقدماً وعوده بترميم العجز الاقتصادي الناتج عن دعم اللاجئين عموماً وأوكرانيا خصوصاً. وقد تتوقف المظاهرات الشعبية، إذا ما تمكنت الحكومات الحالية من حل أزماتها الاقتصادية بحسم ملفي أوكرانيا وإيران وحل أزمة الطاقة العالمية، ولكن في جميع الأحوال تتخبط أوروبا بين تناقضات حادة لا يمكن التكهن بنتائجها وبأثمانها مبكراً.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى