
لا شك في أن الأردن كان من أكثر المستفيدين الإقليميين من سقوط نظام الأسد، الذي لطالما كان في الحلف المقابل للحلف الذي يتموضع فيه الأردن؛ فمن حشد الميليشيات الإيرانية على حدوده، وصولًا إلى إغراقه بتجارة المواد المخدرة “الكبتاغون”، خاصة خلال السنوات الأخيرة قبيل السقوط، ناهيك عن التدخلات السافرة والعلاقة المتوترة منذ أيام الأسد الأب.
أما الآن، فنحن نشهد تقاربًا تاريخيًا وتموضعًا متقاربًا لسوريا الجديدة مع الأردن، حتى إن رئيس وزراء دولة الاحتلال نتنياهو أشار إلى ذلك صراحة في الخريطة الأخيرة التي شاركها؛ فحتى دولة الاحتلال ترى هذا التقارب كما ترى فيه تهديدًا غير مرغوب فيه.
الملفات المشتركة
ولفهم ما ينظّم المصالح والعلاقة بين البلدين، فلا بد من التعريج على أهم الملفات التي تتقاطع فيها المصالح بوضوح. ولن نتحدث عن المصالح الاقتصادية وتجارة الترانزيت العابرة بين البلدين، فهذه المصالح قائمة منذ زمن بعيد، ولكن سنركز على الملفات التي تغيرت إثر انتصار الثورة السورية وإسقاط نظام الأسد.
ملف الإرهاب
ولعله الملف الأهم في المنطقة بالنسبة للغرب خاصة، كما شكّل ملف محاربة التطرف والإرهاب قناة التواصل الأبرز لحكومة الثورة مع دول الغرب، وذلك لدورها الكبير في محاربة تنظيم الدولة المتطرف، سواء خلال سنوات الثورة أو بعيد الانتصار؛ فلا تزال العمليات ضد التنظيم مستمرة، وهو ما يتلاقى بشكل مباشر مع رؤية الأردن في هذا الملف، والذي شهد أهله هجومًا إرهابيًا سافرًا على كنيسة في بلدة حمود، وقع ضحيته تسعة قتلى، في الوقت الذي شهدت فيه الساحة السورية العام المنصرم هجومًا إرهابيًا على كنيسة في منطقة الدويلعة قرب دمشق، أسفر عن عشرات الضحايا أيضًا، فهناك تلاقٍ عميق للمصالح في هذا الملف بين الدولتين.
ملف تجارة المخدرات
حين توجّه وفد أردني رسمي حاملًا معه مبادرة “الخطوة بخطوة” للرئيس الساقط بشار الأسد، كان ملف “الكبتاغون” على رأس أولويات النقاش، والذي استعمله نظام الأسد الساقط مصدرًا رئيسيًا لتمويل مجهوده الحربي والميليشيات الطائفية؛ فباتت مقرات الفرقة الرابعة تنتج المواد المخدرة وتغرق بها المعابر والمرافئ حول العالم بشكل ممنهج ومنظّم. وهو ملف بدأت به الحكومة السورية الجديدة بعيد انتصار الثورة، فأوقفت جميع هذه العمليات، بل واستمرت بمداهمة مراكز التصنيع، وقدّمت الشهداء خلال عمليات الملاحقة التي شنّتها على بقايا هذه العصابات، خاصة في المناطق الحدودية مع لبنان.
لا يخفى على أحد وجود تحفظات كبيرة لدى الأردن تجاه السياسة الإيرانية في المنطقة، بل وكان الأردن السد المنيع أمام المزيد من التغوّل الإيراني.
ملف اللاجئين
كان ملف اللاجئين هو الملف الثاني الذي أتت به مبادرة “الخطوة بخطوة” مع نظام الأسد الساقط، بهدف إيجاد آلية لعودة اللاجئين مع ضمان سلامتهم. ومنذ سقوط نظام الأسد وحتى يوم كتابة هذا المقال، فإن الحدود السورية مفتوحة من دون قيد أو شرط للسوريين الراغبين بالعودة، بل وحتى للمنظمات الدولية والإنسانية الراغبة بتقديم الدعم، وهو ملف أثقل كاهل الأردن، خاصة في سنوات الثورة الأولى.
ملف التحالفات السياسية
لا يخفى على أحد وجود تحفظات كبيرة لدى الأردن تجاه السياسة الإيرانية في المنطقة، بل وكان الأردن السد المنيع أمام المزيد من التغوّل الإيراني. وبعد سقوط نظام الأسد، تحوّل الموقف من إيران من عقبة كبيرة أمام التفاهم بين الدولتين إلى ركيزة أساسية مشتركة، خاصة بعد المعاناة الكبيرة التي شهدتها الساحة السورية من تدفق الميليشيات المدعومة إيرانيًا إلى أراضيها، والتي ارتكبت الكثير من المجازر.
وإن ذكرنا إيران، فلا بد من ذكر منافسها الإقليمي العربي، وهي المملكة العربية السعودية، التي شهدت علاقتها مع الحكومة السورية الجديدة انفتاحًا واسعًا، لتكتب بذلك صفحة جديدة من العلاقة المضطربة التي امتدت لعقود خلال عهد نظام الأسد.
التطورات الأخيرة
لا شك في أن وتيرة الأحداث تصاعدت بشكل سريع بعد الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له المملكة، وكما ذكرنا سابقًا في هذا المقال، فإن الدولة السورية تقف في الخندق نفسه وفي الصف نفسه مع الأردن في هذا الملف، ولا يمكن فهم أو قبول الغارة الجوية الأردنية داخل الأراضي السورية، والتي أوقعت شهداء من المدنيين، لعدة أسباب:
- التوافق حول ملف الإرهاب بين الدولتين: فلم يُسجّل أي دعم أو تحريض سوري لعمليات إرهابية في الداخل الأردني، بل على العكس! فلقد أطلّ علينا المنظّر أبو أحمد المقدسي بوابل من التغريدات من الأردن خلال الثورة السورية، ولعلّ أبرزها كان الإفتاء بردّة الجيش الوطني الذي يتلقى دعمًا تركيًا لقتال نظام الأسد!
- انتهاك سيادة دولة حليفة من دون وجود تنسيق: فلو شاركت حكومة الأردن المعلومات التي لديها عن الخلية أو المقر، لداهمته قوى الأمن السورية أو أقامت كمينًا لاعتقال المطلوبين والوقوف على دقة هذه المعلومات؛ فلا يوجد أي مبرر للتصرف المنفرد من جهة واحدة.
- وقوع الهجوم داخل مناطق السيطرة المطلقة للحكومة السورية: حيث سبق أن نفّذ سلاح الجو الأردني غارة على مقر لتجارة المخدرات في منطقة السويداء، وهي منطقة لها خصوصية كبيرة وحساسية عالية، خاصة بعد التدخل الإسرائيلي ووقوع حوادث مؤسفة خلال العمليات العسكرية في المنطقة، على عكس الهجوم الذي وقع في منطقة اللجاة التابعة لمحافظة درعا، وسبق أن قامت قوى الأمن السورية بعدة عمليات لملاحقة تجار المخدرات هناك.
لا شك في أن التصعيد لا يصبّ في مصلحة أي من البلدين على الإطلاق، بل على العكس، فإن جميع المعطيات والظروف تشير إلى ضرورة احتواء المأزق بطريقة منصفة عادلة قبل كل شيء.
الرد السوري الأولي
لا شك في أن وسائل التواصل تزيد الوضع سوءًا وتصبّ الزيت على النار، وفي أزمات كهذه، فإن الحل الدبلوماسي هو الحل المنتظر، ويستحضرني هنا حادثان:
الأول: حين أسقطت قوى دفاع نظام الأسد طائرة حربية تركية، حينها انتظر الجميع الرد التركي لأشهر، وحين سُئل الأتراك عن ردهم الذي لم يأتِ، أجابوا: لقد قمنا بالرد، وباتت جميع المعابر الحدودية السورية التركية خارج سلطة نظام الأسد.
الثاني: خلال أحد الحوارات لمناقشة الحرب الإيرانية الأميركية، كرّر أحد الضيوف تخوّفه من امتلاك إيران للقنبلة النووية ووجوب التصرف لمنعها من ذلك، حينها أجابه ضيف آخر: إيران تملك قنبلة نووية اسمها مضيق هرمز.
أما الحكومة السورية، فكان أول ما قامت به بعد الغارة هو إغلاق مؤقت لمعبر نصيب الشهير بين سوريا والأردن، وهذا إجراء لا يمكن الاستهانة به لأهمية ورمزية هذا المعبر بين البلدين، كما دعا نشطاء سوريون لوقفات اعتصام أمام سفارة الأردن، مما يشير إلى احتمال تفاقم الوضع خلال الفترة القادمة.
إلى أين تتجه الأمور؟
لا شك في أن الغارة الأردنية داخل الأراضي السورية أتت على عكس مسار العلاقة بين البلدين، فلا يوجد خلاف حقيقي جوهري على أي من الملفات الكبرى، كما يجب أن نستحضر العلاقة العميقة والروابط القوية بين الشعبين السوري والأردني للتعامل مع هذه الحادثة؛ فقد كان الأردن السند الأكبر للثورة السورية في سنواتها الأولى، ولطالما احتضنت مدنه وعالجت مشافيه مئات آلاف السوريين المقهورين، ولا شك في أن المصالح متقاربة بين البلدين أكثر من أي وقت مضى.
وفي الوقت الذي يدين فيه أي سوري هجوم كنيسة حمود كما دان هجوم كنيسة الدويلعة، فإننا ننتظر من أهلنا وعزوتنا وإخوتنا في الأردن جبر الكسر وتعويض الضحايا وإدانة الجريمة ومحاسبة المسؤولين، بالإضافة إلى لجم وسائل الإعلام المحرّضة على زيادة الشرخ، وهي مسؤولية مشتركة بين البلدين؛ فتنظيم الدولة الذي قتل الكساسبة، قتل عشرات الآلاف من السوريين. أما الموقف الرسمي الأردني من الثورة السورية، فبقي واضحًا داعمًا ثابتًا إلى أن وصل الروس وبدؤوا بالتجبّر والتغوّل، في حين انسحبت أميركا أوباما من المشهد وتركت الأردن وجهًا لوجه مع الروس والإيرانيين، مما انعكس على الموقف الرسمي، إلا أن الموقف الشعبي لم يتغير قيد شعرة من أهلنا في الأردن الذين فرحوا يوم انتصار ثورتنا فرحة تكاد تضاهي فرحتنا.
ولا شك في أن التصعيد لا يصبّ في مصلحة أي من البلدين على الإطلاق، بل على العكس، فإن جميع المعطيات والظروف تشير إلى ضرورة احتواء المأزق بطريقة منصفة عادلة قبل كل شيء.
المصدر: تلفزيون سوريا






