عن فوز دا سيلفا بولاية رابعة لرئاسة البرازيل

  عمر كوش

كان لافتاً فوز الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا بانتخابات الرئاسة البرازيلية، على الرغم من تقدّم منافسه اليميني، فلاميو بولسونارو، في الجولة الأولى للانتخابات بحصوله على 47.03% من الأصوات مقابل 45.16%.وبالتالي، لا يجسّد هذا الفوزُ تجديدَ تولِّيه الرئاسةَ لولاية رابعة غير متتالية فحسب، بل يجسّد أيضاً عدمَ جنوح البرازيل نحو اليمين على غرار الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا، وبقاءَها أحدَ معاقل اليسار القليلة في أميركا اللاتينية.

تكمن المفارقة في أنّ دا سيلفا دخل الجولة الثانية مُتأخّراً عن منافسه، إلا أنّه تمكّن من تدارك الفارق، خلال الأسابيع الثلاثة الفاصلة بين الجولتين، والتي شهدت تغيّراً في عملية التوازن الانتخابي عبر زيادة التعبئة الانتخابية، جسّدتها إعادة تنظيم حملته الانتخابية، وتكثيّف حضوره في وسائل التواصل الاجتماعي، والأهم تمكّنه من استقطاب قسم من الناخبين البالغ عددهم أكثر من 33 مليون ناخب، أولئك الذين امتنعوا عن التصويت في الجولة الأولى، حيث انخفضت نسبة المُمتنعين عن التصويت من 21.08% في الجولة الأولى إلى 19.02% في الجولة الثانية. إضافة إلى تركيز حملته الانتخابية على قضايا الدفاع عن برامج الحماية الاجتماعية، ورفع معدّل الأجور، وتحسين الخدمات العامة، وتحذير عموم البرازيليين من احتمال تراجع مكاسبهم الاجتماعية في حال عودة تيار اليمين الشعبوي (البولسونارية) الذي ورث قيادته المرشّح الرئاسي فلاميو عن والده الرئيس السابق جايير بولسونارو، الخاضع للحبس المنزلي، بعد أن أدانه القضاء بمحاولة الانقلاب على نتائج انتخابات الرئاسة في 2022.

يكتسي الفوز أهميته بالنظر إلى الانقسام السياسي والاجتماعي الحاد في البرازيل، وصعود تيارات اليمين المحافظ والشعبوي في دول في أميركا اللاتينية، إضافة إلى المشكلات والتحدّيات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد، والضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على دول القارّة.

لا يعني فوز دا سيلفا نهاية الأزمة السياسية والاجتماعية في البرازيل، أو تراجع التيار اليميني، خصوصاً أنّ الحزب الليبرالي اليميني بزعامة بولسونارو الابن يمتلك 121 مقعداً في مجلس النواب البرازيلي من إجمالي 513 مقعداً، ويمتلك كذلك 28 مقعداً في مجلس الشيوخ من إجمالي 81 مقعداً، ليكون بذلك الحزب الأكبر في عدد المقاعد في البرلمان (الكونغرس الوطني)، وبالتالي، بات هامش المناورة المُتاح له في ولايته الرابعة محدوداً، كونه سيواجه برلماناً يسيطر عليه الحزب الليبرالي اليميني، وتمتلك أحزاب الوسط والمُحافظين القدرة على ترجيح كفّة التحالفات التشريعية، الأمر الذي يجعل مستقبل ولايته متوقّفاً على مدى قدرته على التفاوض مع الكونغرس، وتشكيل تحالفات مُتغيّرة، والموازنة بين أولويات العدالة الاجتماعية، ومُقتضيات السياسة الاقتصادية الاجتماعية.

تُعاني غالبية دول أميركا اللاتينية، مثلها مثل البرازيل، من مشكلات كثيرة، تتمثّل في الأزمات الاقتصادية، واتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وارتفاع نسب الفقر والبطالة

تتعدى إرهاصات فوز دا سيلفا بلاده، لتصل إلى أغلب دول أميركا اللاتينية، بالنظر إلى أنّ البرازيل تمثّل الدولة التي تملك أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية، وتتمتّع بثقل ديموغرافي وسياسي، يعطي سياساتها الداخلية والخارجية تأثيراً إقليمياً واسعاً. وقد عرفت المنطقة خلال السنوات الأخيرة تحوّلات عديدة في موازين القوى بين الأحزاب اليسارية واليمينية، في ظلّ أزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية، دفعت الناخبين إلى إعادة تقييم أداء الحكومات القائمة.

تُعاني غالبية دول أميركا اللاتينية، مثلها مثل البرازيل، من مشكلات كثيرة، تتمثّل في الأزمات الاقتصادية، واتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وارتفاع نسب الفقر والبطالة، وانقسامات سياسية واجتماعية. فقد ارتفع حجم الدين الإجمالي البرازيلي أكثر من عشر نقاط مئوية في ولايته المُنتهية، ليصل إلى 82.9% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن البطالة انخفضت إلى 5.6% في عام 2025، على الرغم من الظروف الدولية غير الملائمة.

غير أن الناخب البرازيلي على دراية بالصورة القاتمة في الدول التي يحكمها اليمين في أميركا اللاتينية، وسبّبتها سياسات أحزابه ومواقفها، وانعكست سلباً على الوضع المعيشي والاجتماعي للناس في تلك الدول، ولا يريد هذا الناخب أن تطاوله هذه السياسات فآثر خيار تجديد ولاية دا سيلفا. فالناخب البرازيلي حين ينظر إلى الدولة الجارة الأرجنتين، التي يحكمها الرئيس اليميني الشعبوي خافيير ميلي، لن يرى فيها مثالاً يُحتذى، بل وضعاً مأزوماً، حيث ارتفعت فيها معدّلات الفقر، وزادت تكاليف المعيشة بسبب غلاء المواد الغذائية الأساسية، إلى جانب الفشل الذريع للأداء الاقتصادي لليمين الشعبوي الحاكم. ولا يختلف الوضع كثيراً في كلّ من تشيلي والأكوادور عمّا هو قائم في الأرجنتين.

الأرجح أنّ دا سيلفا سيواصل سياساته ونهجه الاقتصادي، الذي طبّقه خلال فتراته الرئاسية الثلاث، والقائم على تحقيق النمو عبر الإنفاق الاجتماعي، والحماية الاجتماعية، والاستثمار العام، وبما يمنح السياسات الاجتماعية والتدخّل الحكومي مكانة مركزية. أمّا في السياسة الخارجية، فستواصل البرازيل اتباع سياسة خارجية مُستقلة، تعمّق الشراكات مع مجموعة “بريكس” ومجموعة العشرين، ودول الجنوب. ورفع دا سيلفا شعار السيادة في مواجهة الضغوط التجارية والدبلوماسية التي مارستها الولايات المتحدة، وتجسّدت في زيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرسوم الجمركية على صادرات برازيلية، ردّاً على محاكمة جايير بولسونارو قضائياً. ثم أضاف مؤخّراً رسوماً جديدة بهدف التأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية.

لا يخفي الرئيس ترامب امتعاضه من توجّهات دا سيلفا، خاصة تلك التي اعتمد فيها على نظام الدفع “بيكس” في المعاملات المالية من دون رسوم

لا يخفي الرئيس ترامب امتعاضه من توجّهات دا سيلفا، خاصة تلك التي اعتمد فيها على نظام الدفع “بيكس” في المعاملات المالية من دون رسوم، وهو نظام يعمل تحت سيطرة المصرف المركزي البرازيلي، وحرم هذا النظام الشركات الأميركية مثل فيزا وماستركارد من تحصيل مليارات الدولارات رسوماً من الدفع خلالها في البرازيل.

يُعدّ لولا دا سيلفا حالة مُتفرّدة في التاريخ السياسي البرازيلي المعاصر، فقد ولد عام 1945 في أسرة فقيرة بولاية بيرنامبوكو، ثم ظهر قائداً نقابياً خلال السبعينيات، في فترة شهدت تصاعد الحركة الشعبية المُطالبة بالديمقراطية، وبالحقوق الاجتماعية والسياسية في مواجهة الحكم الديكتاتوري العسكري. وخلال توليه الرئاسة بين 2003 و2010، وتمكّنت البرازيل بفضل سياساته الاقتصادية والاجتماعية من الوصول إلى مرحلة ازدهار اقتصادي، والارتقاء باقتصادها، وكان لذلك أثره الواضح على تحسّن الأوضاع المعيشية لملايين المواطنين. وعاد إلى الرئاسة بعد فوزه في انتخابات 2022، ثم فاز بولاية رئاسية رابعة في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.

تظهر سيرة دا سيلفا جانباً من قوّة حضوره الشعبي، خصوصاً عند الفئات التي ارتبط تحسّن أوضاعها المعيشية والاجتماعية ببرامج حكوماته السابقة، لكن هذا لا يعفيه من الاستعداد لمواجهة تحديات الحاضر، التي تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات، وسياسات تستجيب للتحديات الاجتماعية والاقتصادية، وتوافقات تُتيح استمرار العملية الديمقراطية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى