فرنسا بين المأساة والمهزلة

  دلال البزري

يحضر الماضي بقوة في فرنسا الآن. رغم ضجيج الحاضر. ماضٍ سحيق، قبيل نهاية القرون الوسطى، وما سمّيت “ثورة الفلاحين”. ومن وقتها، مرّت الثورة الفرنسية، وملحقاتها، وحروب الشوارع والمتاريس، وكومونة باريس، نابوليون… تقاليد عنيفة، تخللتها حرائق كبرى، هجمات، سرقات، متاريس.

تفرّع عنها تقليد آخر، كناية عن السخرية المباشرة، من الملوك والرؤساء والوزراء والمسؤولين… لم تستبعد العنف القاتل، والشراسة، مثل إعدام آخر ملوك فرنسا وزوجته، وتسليم ابنهما لويس السابع عشر لأحد حرّاس سجنه وإضاعته أو اختفائه… ولم يسلم رؤساء الجمهورية المعاصرون من التهكّم عليهم. كلهم، بمن فيهم من أصبح بطلهم اليوم، أي شارل ديغول؛ مروراً بنيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وانتهاءً بإيمانويل ماكرون.

أذكر، بعد خسارة ساركوزي في الرئاسية الفرنسية، كتب صحافيون ورسامو كاريكاتور فرنسيون عن انقطاع رزقهم. قالوا إنهم خسروا الرئيس الذي اعتاشوا من الضحك عليه عبر رسومهم وتعليقاتهم… ولكن، ترافق هذا “النهج” الفرنسي الأصيل مع طلب على هيبة عالية، أجلست على كرسي الحكم قادة سلطويين؛ مثل نابوليون بونابارت (الأول)، وقد تُوِّج امبراطوراً على فرنسا بعد عشرة أعوام فقط من اندلاع الثورة التي أعدمت الملك والملكة.

وذاك السؤال الذي حاول كارل ماركس الإجابة عنه بعد أربعة عقود على إمبراطورية نابوليون الأول، و”انتخاب” ابن أخيه، نابوليون الثالث، رئيساً لجمهورية فرنسا: “ماذا يحصل عندما يحتفظ المجتمع بالقدرة على الاحتجاج، وتكون القوى السياسية المولدة لهذه القدرة عاجزة عن تحويل احتجاجها إلى قيادة سياسية مستقلة؟”. وهذا الجواب، تلك المقارنة الشهيرة لماركس بين نابوليون الأول والثالث: من أن حوادث التاريخ تقع “مرّة على هيئة مأساة ومرّة أخرى على هيئة مهزلة”.

ديناميكية مطلبية متفجرة، يقابلها استقواء اليمين المتطرّف باستطلاعات رأي تراه كاسباً في الرئاسيات المقبلة

ذاك هو الشبح الذي يلوح الآن في الأفق الفرنسي. ديناميكية مطلبية متفجرة، يقابلها استقواء اليمين المتطرّف باستطلاعات رأي تراه كاسباً في الرئاسيات المقبلة. ولكن… هناك ما ينقض أوجهاً من هذا الاستنتاج. الحركة الطلابية المعروفة بـ”أيار 1968″. انطلقت من الجامعات، وأفضت إلى إضراب عام، شارك فيه ملايين من العمّال. كانت عنيفة أيضاً، حرائق وسرقات وكمائن وقمع بوليسي وقتلى وجرحى. لم تنعكس آثار “أيار 68” مباشرة على السلطة الحاكمة. بقي رئيس الجمهورية وقتها، شارل ديغول، في منصبه، ولكنه غادره بعد عام إثر استفتاء شعبي خرج منه خاسراً. وكان الاستفتاء يقوم على سؤال واحد: هل يوافق الشعب الفرنسي على مشروع قانون إصلاحي يتناول المناطق ومجلس الشيوخ. فبين العامين تغيرت الأفكار حول السلطة والهيمنة والحرية وعلاقات العمل والعلاقات بين الأجيال… وقد تجاوز هذا التغيّر الحدود الفرنسية، فانطلقت الحركات النسوية، والبيئية والمثلية، وتفرّع عن الحزب الشيوعي الذي بات “تقليدياً”، مجموعات وأحزاب تروتسكية وماوية وفوضوية. واندلعت أحداث على صلة به: ربيع براغ، رفض حرب فيتنام في قلب أميركا، الخريف الساخن في إيطاليا، والتعبئة الطلابية في المكسيك بعد مذبحة تلاتيلولكو…

صدّرت فرنسا الحرية. ولكنها لم تصدّر معها مستلزماتها. لكونها كولونيالية، تتعامل مع البلدان التي أخضعتها بغير المنطق المعتمَد لديها. لمع نجمها الثقافي والتربوي قبل العسكري، وبدأت إرسال بعثاتها التعليمية الكاثوليكية منذ القرن السادس عشر إلى أفريقيا والصين والهند والقارة الأميركية. وإلى المشرق العربي، في ظل السلطة العثمانية وحكم سليمان “القانوني”، وكانت علاقته قوية بملك فرنسا، فرنسوا الأول. مدارس أدارها الرهبان الكاثوليك، مثل الكبوشيين واليسوعيين والكرمليين. في البداية، اقتصرت على المسيحيين، وامتدّت لاحقاً الى بقية الطوائف. وفرنسا لم تخترع جديداً في هذا الخصوص. فقط قلدت البعثات الإسبانية والبرتغالية الذاهبة إلى أميركا بمدارسها ورهبانها.

الحركة الطلابية المعروفة بـ”أيار 1968″. انطلقت من الجامعات، وأفضت إلى إضراب عام، شارك فيه ملايين من العمّال. كانت عنيفة أيضاً، حرائق وسرقات وكمائن وقمع بوليسي وقتلى وجرحى

ولم تغيّر العلمانية في التعليم التي أقرّت في ظل الجمهورية الثالثة من التوجّه الديني لهذه السياسة. ونحن في المشرق العربي، كنا نتساءل عن سرّ هذا التناقض الصارخ، بين فرنسا علمانية وفرنسا كاثوليكية. الأولى للداخل والثانية للخارج. ولم نتوقف عن استعادة أقوال سياسيين فرنسيين، حفظناها من دون أسماء أصحابها، ومفادها بأن “العلمانية الفرنسية ليست بضاعة للتصدير”. الآن، بعد البحث والتقصي، يتبين أن هذه العبارة لم تطلق بالفجاجة التي رغبنا فيها. ما هو مثبت تاريخياً، أن رئيس وزراء فرنسا ورئيس برلمانها في نهاية القرن التاسع عشر، ليون غامبتا، قال لرئيس أساقفة الجزائر إن “مناهضة رجال الدين ليست بضاعة قابلة للتصدير”. وسياسة فرنسا الطائفية بمدارسها وغير مدارسها أعطت نفسها لهذه الجملة، وفصّلتها على مقاسها، فصارت “العلمانية الفرنسية ليست بضاعة قابلة للتصدير”. مارين لوبان منحتها حياة جديدة عندما صرّحت لصحيفة لوريان لوجور اللبنانية الفرانكوفونية: “لا أسعى إلى فرض النموذج الفرنسي، لأن العلمانية غالباً ما تجد البلدان الأخرى صعوبة في استيعابها”. ومارين لوبان زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف لم تطلق على متظاهري اليوم صفة “المسلمين” صراحة، ولكنها مواربة. وكل الجهاز اللغوي الذي استخدمته قُبيْلها وبُعيْدها، هي والبيئة السياسية التي تحتضنها، تشير بالأصبع الواضح إلى أن المتسببين بالفوضى، والسرقات، والاعتداءات على الشرطة… هم من “المهاجرين”، أي العرب المسلمين، من الجزائر ثم المغرب ثم تونس… المولودين في فرنسا وهم الجيل الثالث من مهاجري الجيل الأول. وقتها، لم يكن اسمُهم “مسلمين”، بل “أجانب”. حتى خلال ثورة أيار 68 الطلابية، كان اسمهم “عمّالاً”، واقعين تحت وطأة الاستغلال الرأسمالي يعملون في صناعة السيارات والبناء والمناجم والمهن الصناعية ذات الكفاءات المتدنية.

لم يتبين لمارين لوبان وصحبها أن المدارس لبعثات الكاثوليكية إلى شمال أفريقيا، وغيرها، كانت من البذور التي فرخت الإسلام السياسي. من النقاط التي يلتقي فيه البطش بالتعصب. وإن كان هناك من عنف يتولّده هؤلاء خلال تلك التظاهرات، فواحد من أصوله، البعثات الكاثوليكية التعليمية، التي غرست فكرتين متناقضتين: الحرية ونقيضها.

صدّرت فرنسا الحرية، لكنها لم تصدّر معها مستلزماتها. لكونها كولونيالية، تتعامل مع البلدان التي أخضعتها بغير المنطق المعتمَد لديها

ولتكون اللغة متوائمة مع العصر، دخل ترامب على الخط. وكالعادة، أثبتت التظاهرات أنه على حق: “ما يجري في فرنسا ليس سوى نتيجة هجرة جماعية خارجة عن السيطرة. فالمسألة ليست مسألة بل مسألة اسلام يسعى الى السيطرة على بلد كان عظيما في ما مضى”. أو: “ستصبح باريس مدينة إسلامية في القريب العاجل”.

تتجاوز جوقة ترامب أميركا، حيث ردّد رجاله كلامه، وأحياناً من دون تغيير صيغته. زعماء اليمين المتطرّف في بريطانيا وألمانيا وإسبانيا… جميعهم على النغمة نفسها. أصبحت فرنسا الآن ضعيفة بعد ثلاثة عقود من النمو السريع والتصنيع وزيادة القدرة الشرائية. خسارة مستعمراتها حرمتها موارد ثمينة وامتيازات استثمارية لمواطنيها توفّر على حكوماتها تكاليف تغطية نفقاتهم. لكونها “دولة راعية”، تأخذ على عاتقها تعليم أولئك المواطنين وصحتهم وضمان شيخوختهم.

ثمّة مصدر آخر لضعفها الحالي: خسارتها الصناعية في الصلب والنسيج والتعدين والأجهزة الإلكترونية. العولمة ونقل الصناعات إلى الخارج، طلباً ليد عاملة أرخص من اليد الفرنسية، الدَّيْن العام وتباطؤ النمو، وتباطؤ نمو الإنتاجية، ولا ننسى الحرب على أوكرانيا وانسحاب ترامب من التزامات الدفاع عن أوروبا وإرغامه الأوروبيين على تخصيص ميزانياتٍ دفاعيةٍ بعد عقود من الرخاء السلمي، ما أدّى إلى تراجع تمويل الدولة الراعية، في التربية والصحة خصوصاً. ومن الأولى، أي التربية، انطلقت الانتفاضة الفرنسية التي تحتج على تحويل المدارس الفرنسية إلى العوز والفقر، كما هو حال مدارس العالم الثالث التي هجرها الضحايا الجدد لتاريخ فرنسا المتناقض. فهل يتكرّر التاريخ، ونستعيد قول ماركس عن المأساة والمهزلة، وتكون نتيجة الاحتجاج والانتفاصة الطلابية… صعود اليمين المتطرّف إلى السلطة في انتخابات الربيع المقبل؟ أم تتحوّل هذه الانتفاضة إلى إرث ثقافي يمدّ نظراءها بالحرية اللازمة لصوغ طلبهم العدالة؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى