السويداء بين باراك وإسرائيل.. المخدرات كورقة ترتيب الجنوب السوري

صهيب جوهر

لا يمكن فصل التصعيد الأميركي تجاه الشيخ حكمت الهجري عن التحولات التي تشهدها المقاربة الأميركية لمستقبل الجنوب السوري. فإعادة فتح ملف الكبتاغون وشبكات تهريب المخدرات في السويداء لا تبدو مجرد محاولة لملاحقة أنشطة غير مشروعة، بقدر ما تعكس توجهاً سياسياً لإعادة ضبط موازين القوى داخل المحافظة، والضغط على الأطراف التي تعرقل التوصل إلى تسوية مع دمشق.

والأهم أن الرسائل التي حملتها تصريحات المبعوث الأميركي توم باراك لا تتوقف عند حدود الزعامة الدرزية، بل تمتد إلى إسرائيل، التي بات تدخلها في الجنوب السوري أحد أبرز عناصر التعقيد أمام الترتيبات الأمنية التي تعمل واشنطن على بلورتها.

وتكمن أهمية تصريحات باراك في توقيتها ومضمونها معاً. فاتهامه المنطقة الممتدة بين السويداء ودرعا بالتحول إلى مركز رئيسي لتصنيع الكبتاغون والاتجار به، وربطه عائدات المخدرات بتمويل المجموعات المسلحة، ينقل النقاش من الخلاف السياسي حول مستقبل المحافظة إلى طبيعة القوى المسيطرة عليها ومصادر تمويلها.

شكّل الجنوب السوري إحدى ساحات نشاط شبكات التهريب المرتبطة بالنظام الأسدي، والتي استفادت من تداخل المصالح بين الأجهزة الأمنية والمجموعات المسلحة والمهربين المحليين.

وبذلك، لم يعد السؤال الأميركي مقتصراً على موقف الهجري من السلطة السورية، بل أصبح متعلقاً بمدى قدرة القوى المحلية على تقديم نفسها شريكاً أمنياً وسياسياً يمكن الاعتماد عليه في أي تسوية مقبلة.

ولا يعني ذلك أن واشنطن تمتلك أدلة معلنة تثبت مسؤولية الهجري شخصياً عن شبكات المخدرات، أو أن السويداء تحولت بالفعل إلى مركز عالمي لإنتاج الكبتاغون، فالوقائع المتاحة تؤكد استمرار نشاط التهريب، لكنها لا تكفي لتحديد حجم الإنتاج أو طبيعة العلاقة بين جميع الشبكات والقوى المسلحة.

غير أن استحضار هذا الملف في اللحظة الراهنة يمنحه وظيفة سياسية تتجاوز مضمونه الجنائي، خصوصاً بعدما باتت السيطرة على الأرض والسلاح والمعابر من أبرز نقاط الخلاف بين دمشق والقوى المحلية.

تاريخياً، شكّل الجنوب السوري إحدى ساحات نشاط شبكات التهريب المرتبطة بالنظام الأسدي، والتي استفادت من تداخل المصالح بين الأجهزة الأمنية والمجموعات المسلحة والمهربين المحليين. ولم يؤد سقوط نظام بشار الأسد إلى تفكيك هذه البنية بصورة كاملة، إذ استمرت بعض الشبكات في العمل مستفيدة من الفراغ الأمني وتعدد السلطات المحلية، في حين تكتسب هذه الاستمرارية أهميتها من قدرة بعض الفاعلين على الانتقال بين تشكيلات مسلحة مختلفة، مع الاحتفاظ بعلاقاتهم ومصادر تمويلهم السابقة.

وتعكس قضية ناصر فيصل السعدي، الذي أعلنت السلطات السورية توقيفه في شباط/فبراير الفائت بتهم تتعلق بتجارة المخدرات والسلاح، جانباً من هذه الإشكالية. فالرواية الرسمية بشأن انتقاله من تشكيلات مرتبطة بالنظام السابق إلى مجموعات محلية أحدث تطرح أسئلة عن إعادة تدوير شبكات النفوذ، وإن كانت الاتهامات المتعلقة بارتباطاته ومسؤولياته ما تزال بحاجة إلى إثبات مستقل.

كذلك، فإن ضبط شحنات مخدرات في ريف السويداء خلال أيلول يؤكد استمرار استخدام المنطقة ممراً للتهريب، من دون أن يحسم هوية الجهات التي تدير هذه الأنشطة أو تحميها.

لكن أزمة السويداء لا تختزل في المخدرات. فالمشكلة الأكثر عمقاً تتعلق بنشوء سلطة محلية مسلحة تسعى إلى تثبيت استقلالية قرارها الأمني والسياسي، في مقابل دولة مركزية تريد استعادة صلاحياتها، ومجتمع محلي لا يتبنى بالضرورة موقفاً موحداً من الطرفين.

ويظهر التباين داخل البيئة نفسها، بين قوى ترى في الهجري ضمانة للحماية من تجاوزات السلطة، وأخرى تخشى أن يؤدي استمرار القطيعة مع دمشق والاعتماد على إسرائيل إلى عزل المحافظة وتحويلها إلى ساحة نفوذ خارجي.

وتزيد الاتهامات الموجهة إلى عناصر من الحرس الوطني بشأن التضييق على المعارضين والتحكم بحركة المدنيين من تعقيد هذه الصورة. فحوادث العنف والتوقيفات المتنازع على مسؤولياتها، والقيود المفروضة على التنقل، تكشف أن الصراع على السلطة لم يعد شأناً سياسياً مجرداً، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بحياة السكان ومستقبلهم.

في المقابل، ترفض الإدارة المحلية المرتبطة بالهجري تحميلها مسؤولية تجارة المخدرات، وتتهم شبكات مرتبطة بالنظام السابق وجهات أخرى بإدارة عمليات التهريب وحمايتها.

أما البعد الأكثر حساسية في الموقف الأميركي، فيتعلق بإسرائيل. فباراك، عندما نفى وجود دعم أميركي للهجري وانتقد استغلال الانطباع بوجود غطاء إسرائيلي، كان يعيد رسم الحدود بين الموقفين الأميركي والإسرائيلي من دون إعلان خلاف مباشر مع تل أبيب.

لا يبدو أن واشنطن تريد إسقاط نفوذ الهجري لمصلحة دمشق بصورة مطلقة، بقدر ما تسعى إلى تقليص قدرته على تعطيل التسوية، وإعادة إدخال السويداء ضمن معادلة أمنية أوسع.

فواشنطن تبدو معنية بإنتاج تسوية تحفظ وحدة الدولة السورية وتسمح بإقامة ترتيبات أمنية قابلة للاستمرار، بينما تنظر إسرائيل إلى الجنوب السوري من زاوية منع تشكل تهديدات حدودية، والاحتفاظ بأوراق نفوذ تتيح لها التأثير في مستقبل دمشق.

ومن هذه الزاوية، يصبح ملف الكبتاغون وسيلة لإحراج السياسة الإسرائيلية أيضاً. فإذا كانت تل أبيب تقدم تدخلها في السويداء تحت عنوان حماية الدروز، فإن التشكيك الأميركي بمصادر تمويل بعض المجموعات المسلحة يطرح سؤالاً حول طبيعة القوى التي تستفيد من هذا التدخل، ومدى انسجام دعمها مع هدف تحقيق الاستقرار. ولا يشكل ذلك اتهاماً لإسرائيل بالتورط في تجارة المخدرات، بل يعكس اختلافاً في تقدير النتائج السياسية والأمنية لاستمرار الوضع القائم.

وتتقاطع هذه المقاربة مع الجهود الإقليمية الرامية إلى تنفيذ تفاهمات عمان بشأن السويداء، ومنع تحول المحافظة إلى كيان أمني منفصل عن الدولة السورية. غير أن نجاح هذا المسار يتطلب أكثر من الضغط على الهجري، إذ يحتاج إلى ضمانات فعلية للسكان، ومعالجة تداعيات أحداث 2025، وإعادة بناء الثقة بين دمشق والمجتمع المحلي، بالتوازي مع ضبط التدخلات الخارجية.

في المحصلة، لا يبدو أن واشنطن تريد إسقاط نفوذ الهجري لمصلحة دمشق بصورة مطلقة، بقدر ما تسعى إلى تقليص قدرته على تعطيل التسوية، وإعادة إدخال السويداء ضمن معادلة أمنية أوسع. لكن الرهان على الضغوط وحدها قد يؤدي إلى نتائج معاكسة إذا لم يترافق مع ضمانات سياسية وأمنية مقنعة. فالمسألة لم تعد تتعلق بمن يسيطر على السويداء اليوم، بل بمن سيحدد موقعها في سوريا الجديدة، وما إذا كان الجنوب سيصبح مدخلاً لاستعادة سلطة الدولة، أم ساحة دائمة للتنافس الأميركي والإسرائيلي والإقليمي.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى