الانتخابات الإسرائيلية الشكلية إلى أين؟ 

  جمال الشوفي

تثير الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 من أكتوبر/ تشرين الأول موجة مرتفعة من المتابعة والتوقعات غير المسبوقة، وذلك ليس لأن المتابع العربي عموماً والسوري خصوصاً مهتم بمتابعة النماذج الانتخابية الإسرائيلية بذاتها من حيث المنافسة وطرقها الديموقراطية وماذا ستقدم للشعوب كما يحدث في متابعة أخبار الانتخابات في العالم، بل لأن حكومة نتنياهو الحالية سبب رئيسي في معادلات الحرب التي تجري في المنطقة منذ استلامه رئاسة وزراء إسرائيل عام 2022 لليوم. وحكومة نتنياهو الحالية والتي كانت قد فشلت في انتخابات عام 2021 عادت لتكسب الجولة الانتخابية عام 2022 بعد فشل حكومة التغيير الائتلافية، والتي ضمت أطيافاً متعارضة فيما بينها من أحزاب اليمين واليسار والوسط، حيث حصلت على 61 مقعداً من أصل 120 مقعداً وانسحاب عضو واحد منها كفيل بانهيارها. وهذا ما حدث في العام 2022 الأمر الذي أدى لانتخابات مبكرة وعودة كتلة اليمين المكونة من اليمين المحافظ والتاريخي ممثلاً بحزب الليكود بقيادة نتنياهو، والأحزاب الدينية المتشددة (الحريديم) وتضم حزبي شاس (لليهود الشرقيين) ويهودت هتوراه (لليهود الغربيين) واليمين الصهيوني المتطرف والقومي ويتمثل في الأحزاب والرؤى التي يقودها بن غفير (حزب القوة اليهودية) وسموتريتش (حزب الصهيونية الدينية).

وليس غريباً على هذا التحالف اليميني أن يطلق شرارة الحروب المتتالية في المنطقة والمستمرة لليوم، والتي هي على حد تعبير نتنياهو متمثلة في جبهات سبعة: جبهتي غزة والضفة الغربية داخل فلسطين، جبهة لبنان شمالاً، الجبهة السورية شمال شرق، وجبهة اليمن في الجنوب، وجبهتي العراق وإيران شرقاً… حروب متتالية لم تتوقف منذ السابع من أكتوبر 2023 لليوم. تلك الحروب، خاصة حرب غزة وحصارها المستمر لليوم والتي أدت لمقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين من الأطفال والنساء، وضعت نتنياهو كمجرم حرب منبوذ ومكروه عالمياً ومطلوب للعدالة الدولية. فرغم ما زعم عن مؤتمر للسلام عقده ترامب العام الماضي مع وضع خطة لإحلال السلام بغزة، لكن نتنياهو لليوم مستمر بحصارها ومصر على شروطه في نزع سلاح حماس بالكامل مبدياً رغبته الملحة بتهجير سكانها. فحسب قوله بدعايته الانتخابية الحالية أن 60% من سكان غزة يرغبون بمغادرتها والعائق فقط هو من هي الدول التي ستستقبلهم، ويصمت بعد هذه الجملة! بالمقابل كانت حربه على حزب الله بمثابة بداية لإنهاء الأذرع الإيرانية من المنطقة، والتي لم تكتف عند هذا الحد، بل اجتاحت الجنوب اللبناني وهجرت سكان قراه وبلداته. وزادت من عدد ضرباتها الجوية للقوى العسكري السورية بعد سقوط نظام الأسد الحليف لإيران! ثم تابعت التوغل داخل الحدود السورية في المنطقة المنزوعة السلاح المحددة باتفاقية 1974 ممارسة البلطجة العسكرية فيها، لدرجة أن استهدفت بالأمس القريب شاباً من ذوي الاحتياجات الخاصة في قرى درعا. محاولة بذلك فرض شروط تفاوضية جديدة في المنطقة الآمنة التي تريدها تحت عنوان التفوق العسكري وفرض شروطه الواقعية. هذا طبعاً وأنها لم تتوقف عن فتح جبهات الحرب على إيران وضرب بعض أذرعها في اليمن والعراق بين الحين والآخر. وصراعاتها المبنية على إزاحة الخصوم بالحرب لم تكن حباً بالسلام كما تدعي، بل حباً بفرض شروط سيطرتها المفردة بلا منازع في المنطقة، فإن كانت إيران وأذرعها شراً كبيراً على سوريا والمنطقة لكنها ليست أقل شراً من إسرائيل.

الانتخابات الإسرائيلية اليوم تبدو في ظاهرها عملية ديموقراطية تحدد عدد الأصوات المرجحة لتشكيل الحكومة الجديدة، لكن في مضمونها هي مرحلة من مراحل الخطط الإسرائيلية العامة للمنطقة برمتها

حروب إسرائيل المتنقلة تنذر بشرور كبرى قد تشعل المنطقة برمتها، ما جعل انتخاباتها المقبلة محط اهتمام واسع وشديد. إذ يرى العديد من المراقبين أن خسارة كتلة نتنياهو لهذه الانتخابات قد يمهد لمرحلة مختلفة للتعاطي مع قضايا المنطقة تكون أكثر هدوءاً وأقل استفزازاً ودموية. بينما يقف نتنياهو وفريقه أمام معضلة أخرى وهي في حال خسارته الانتخابات فمعنى هذا ملاحقته السياسية والجنائية أمام المحاكم الداخلية في إسرائيل والتي قد تتطور لوصوله لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي المطلوب دولياً إليها. وبالضرورة يترقب الكثير من المتابعين إمكانية افتعاله حرباً ما في إحدى جبهاته السبعة أو فتح جبهة ثامنة إضافية وذلك سواء لكسب الرأي الناخب الإسرائيلي أو تأجيل الانتخابات بحكم ضرورات الأمن العام؛ الأمر الذي يجعل سياسات المنطقة والرافضة لما يفعله نتنياهو تستنفر لمنعه مما يحضره بهذا الشأن. فالتصريحات الأمريكية التي حذرت من توجيهه ضربات جوية لإيران رافقتها تصريحات متتابعة لتوم باراك حول احتمالية افتعاله لحرب في الجنوب السوري، مع ادعائه المتكرر بحماية الدروز كدعاية انتخابية لكسب بعض الأصوات العربية الدرزية في الداخل الفلسطيني.

الانتخابات الإسرائيلية اليوم تبدو في ظاهرها عملية ديموقراطية تحدد عدد الأصوات المرجحة لتشكيل الحكومة الجديدة، لكن في مضمونها هي مرحلة من مراحل الخطط الإسرائيلية العامة للمنطقة برمتها. والمعروف أن إسرائيل لم تتوقف يوماً عن استغلال ضعف وهشاشة المحيط العربي لفرض شروطها السياسية والعسكرية بآن في معادلات المنطقة. وبالضرورة أياً يكن المنتصر في هذه الانتخابات إن جرت بموعدها، فستبقى تتابع مخططاتها التوسعية وتهدد أمن المنطقة حتى تضمن شروط تفردها فيها كقوة وحيدة تستطيع فرض شروط تفوقها التقني والعسكري اقتصادياً. في هذا السياق يقع الناخب العربي داخل فلسطين في موقع الحيرة والحذر بتحالفاته الممكنة ولمن يعطي أصواته، التي تمثل حسب الفايننشال تايمز ما بين 12 إلى 15 مقعداً في الكنيست المؤلف من 120 عضواً. ما قد يمنح الأحزاب العربية دوراً مؤثراً في ظل صعوبة حصول أي من المعسكرين المتنافسين على أغلبية مستقرة. فيما تبدو أرجحية الأصوات العربية في معظمها تقف ضد كتلة اليمين بزعامة نتنياهو نظراً لانتهاجه سياسة التمييز والعنف والجريمة، والقيود على البناء وتراجع تمويل البلديات. هذا إضافة لمحاولة مستمرة لشطب القوائم العربية من جولات التصويت من قبل اليمين الإسرائيلي وانتهاج المضايقات والاعتقالات التي تطول مواطنين عرباً بسبب مواقفهم المعارضة للحرب على غزة. لتظهر الديموقراطية الإسرائيلية بأوضح صورها الخالية من الديموقراطية كثقافة واحترام لرأي الآخر واحترام حقوق الإنسان. ويا لسخف الحقيقة الجافة التي تقول إنه مهما حاولت إسرائيل ادعاءها السلام والمظلومية التي وقعت عليها ناتجاً عن عمليات حماس من جراء عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، إلى أنها بنية عنصرية تميزية قائمة على ثقافة استبعاد واستعباد الآخر، خاصة العربي، بشتى الطرق السياسية والعسكرية والعنفية، والنعم من هكذا ديموقراطية شكلية انتخابية!

ومع هذا تبقى مراهنة بعض الفاعلين السياسيين العرب على تغير مواقف قادة المعارضة بعد ظهور النتائج، مستشهدين بتجربة عام 2021، علهم يجدون طرق ديبلوماسية تفاوضية لحل أزمة غزة والضفة الغربية والمستوطنات، وإيقاف فاتورة الدم الكبرى الذي يدفعها المواطن العربي الفلسطيني منذ احتلال أرضه لليوم.

الانتخابات الإسرائيلية ليست بذاتها المشجعة على متابعتها وترقب نتائجها، بقدر أن سياسات القوة والتفوق العسكري الجوي التقني وممارسات البلطجة التي تنتهجها السياسة الإسرائيلية في المنطقة، وخطر استمرارها في الحروب العبثية التي قد تشعل المنطقة برمتها، هي محط الاهتمام والمتابعة والحذر بآن.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى