من أين أتت الجرأة الصهيونية على مصر؟

    شريف أيمن

قال وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، من منزله في مقابلة مصوّرة: “ما الذي سيجعل مصر لا تهاجمنا؟ الإدراك بأنهم إذا هاجموا فلن تكون هناك سيناء، على الأقل”. وبالطبع، لا يمكن إغفال إشارة هذا المتطرّف بقوله “على الأقل”، أي أنّ كيانه المحتل قد يحاول احتلال ما هو أبعد من سيناء.

توالت الردود المصرية الإعلامية غير الرسمية على هذا الكلام، وكانت مناسبة للتصريحات الصهيونية، كالقول إنّ التفكير في المساس بمصر يعني زوال يافا المحتلة (تل أبيب)، وكان المتوقّع أن يكون حديث رأس الدولة عبد الفتاح السيسي، متناسباً مع خطورة الهجوم الصهيوني، والانتقاص من مصر ومن قدرتها على حماية أرضها، لكن ردّه يوم 14 أكتوبر، أمام قادة الجيش في ما تسمّى “الندوة التثقيفية” للقوات المسلحة، كان: “ومن قال إنّنا نريد الحرب؟ مصر لا مطامع لها عندكم (…) مطمعي أن أحافظ على بلدي وحدودها وأرضها”. يؤكد هذا الرد الباهت والمرتعد على سموتريتش للأخير رؤيته عن خوف النظام من المواجهة، وأننا أمام كيان عملاق مرعب، والحقيقة على خلاف هذا تماماً، وقد ثبتت في ساحات القتال المختلفة في المواجهات المباشرة، رغم فارق التسليح.

وبالمناسبة، حديث السيسي عن الحفاظ على الوطن تُناقضه أفعاله، مثل: التنازل عن جزيرتَيْ تيران وصنافير رغم أهميتهما الاستراتيجية والعسكرية، ومن أجلهما حارب الكيان الصهيوني مصر، واستعادتهما مصر بدماء آبائها الذين قاتلوا وجاهدوا لاسترداد الكرامة والأرض. كذلك تتناقض أقواله مع بيع الأراضي للمستثمرين الخليجيين بغرض إسقاط جزء من الديون أو توفير الدولار، وبيع أجزاء من قطاعَيْ الصحة والتعليم لدول أجنبية تسيطر على أهم قطاعَين مدنيَّين في مصر، وغير هذا الكثير. والأكثر إثارة للأسى أن السيسي في اليوم التالي من الندوة “التثقيفية”، أضاف بُعداً آخر لرؤيته الخاصة بالعدو الصهيوني خلال حضوره احتفالات أكاديمية الشرطة بيوم الخريجين، فقال إنّّ نتنياهو سأله: “بتتسلَّحوا ليه؟ يعني تجيبوا سلاح ليه؟ قلت له أنا عمري ما شفت قوة إسرائيل تهديداً لي، وأتصور إنك أنت محتاج كمان تتعامل معنا على إن قوة مصر مش تهديد ليك”.

ورؤية السيسي أن القوة الإسرائيلية لا تمثل تهديداً لمصر قصور بالغ في الرؤية أو تواطؤ ضد الأمن القومي المصري والعربي، فالتصريحات الرسمية من قيادات الكيان تتحدّث عن إسرائيل الكبرى التي تشمل سيناء، فهم لديهم مطامع في أرضنا ويمثلون تهديداً حقيقيّاً لكل دولة في المنطقة بما في ذلك إيران التي تبعد عنهم آلاف الكيلومترات، فأي قصور في الرؤية أم أي تواطؤ ضد المصلحة المصرية والعربية هذا؟

رؤية السيسي أنّ القوة الإسرائيلية لا تمثل تهديداً لمصر قصور بالغ في الرؤية أو تواطؤ ضد الأمن القومي المصري والعربي

لم يتأخّر الرد الصهيوني كثيراً على كلام السيسي، وعلى لسان سموتريتش أيضاً الذي صرَّح يوم 20 أكتوبر: “كيف سأضمن ألّا تهاجمنا مصر؟ إذا فهموا (المصريون) أنه في المرة المقبلة التي يهاجمون فيها، فلن تكون هناك سيناء”. ثم تابع بعُنْجُهِيَّة وهَبَهَا له السيسي: “رأيتم السيسي يبادر من تلقاء نفسه ويعلن أنه ليس لديه أي طموحات إقليمية ولا أي نية لشن حرب ضد إسرائيل (…) لا أطمئن لهذه التصريحات”.

هذه الجرأة الصهيونية اكتسبوها من المواقف الرسمية منذ تولي السيسي السلطة إمّا من وراء ستار كما في صيف 2013، أو مباشرة منذ منتصف 2014، وقد سبق لكاتب السطور أن تتبَّع هذه التنازلات منذ بواكيرها في مقال في “العربي الجديد” في (8/1/2017) بعنوان: “العلاقات المصرية – الإسرائيلية منذ يوليو 2013”. كذلك، أفصح السيسي في حديثه في احتفالات أكاديمية الشرطة عن تاريخ لقاءاته بنتنياهو منذ عام 2013، فقال السيسي: “طوال السنين اللي فاتت من 2013 في لقاءاتي التي كانت مع رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، كان كلامي معه إن فرصة إقامة دولة فلسطينية ستعود علينا كلنا باستقرار حقيقي وسيحصل دمج حقيقي لإسرائيل في المنطقة، لكنه لم يكن مقتنعاً”.

وهنا نتساءل عن الماضي أولاً، بأي صفة يلتقي وزير دفاع مصر (وقتها) مع رئيس وزراء كيان العدو؟ وهل كانت قبل انقلاب 3 يوليو (2013) أم بعده؟ أم كانت قبله وبعده؟ كذلك، ما مدى ارتباط هذه اللقاءات بترتيبات الأحداث في صيف 2013؟ وهل كانت لدعم خطوات السيسي في ذلك الوقت، وقد قيل في مناسبات عدّة إن نتنياهو دعَمَ موقف السيسي بشدة في الولايات المتحدة؟ وأيضاً، ما موقف الأجهزة الأمنية والعسكرية من هذا التصريح؟ والأهم من هذه اللقاءات؟

الجرأة الصهيونية في فلسطين ولبنان وسورية والعراق وتونس وإيران والمياه الدولية، تفسِّرها حِكْمَة بالغةُ النباهة؛ “مَن أَمِنَ العقوبة، أساء الأدب“

أما سؤال الحاضر، إذا لم يكن نتنياهو مقتنعاً بحل الدولتين، فلماذا لا يرى الرئيس السيسي في إسرائيل تهديداً؟ والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح على القادة العرب جميعاً: مَن في كيان الاحتلال، سواء في السلطة أو المعارضة، يؤمن بحل الدولتين؟ والإجابة الواضحة من التصريحات الإعلامية للطرفَين: لا أحد. ما يستدعي سؤالاً آخر: لم التمسُّك العربي بطرحِ حل سياسي يرفضه الطرف الصهيوني علانية؟ ولماذا لا تسحب الدول العربية مبادرة السلام العربية؟

الجرأة الصهيونية في فلسطين ولبنان وسورية والعراق وتونس وإيران والمياه الدولية، تفسِّرها حِكْمَة بالغةُ النباهة؛ “مَن أَمِنَ العقوبة، أساء الأدب”، وقد أَمِن العدو العقوبة، من المجتمع الدولي، ومن محيطه الإقليمي، فنشر الفساد والتدمير في كل مكان يمكن أن تصل إليه أسلحته. ومع الوضع العربي المُزري، نحتاج إلى التذكير دائماً بأن العقوبة لا تعني الرد العسكري، فمساحة الحركة السياسية والاقتصادية واسعة للغاية، وتكفي لردع هذا العدو ومن يدعمه، لكن الإشكال في الإرادة السياسية للوقوف بوجه هذا العدو، أو ربما هو صديق لقيادات عربية كثيرة وليس عدوّاً، بينما يأكل العرب بعضهم بقسوة بالغة، وكأنّ العدو هو الشقيق، والشقيق هو العدو، وكأنّ ما قاله أمل دُنقل منذ عقود قد استحال إلى العكس:

هل يصير دمي بين عينيك ماءً؟/ أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء؟/ تلبس فوق دمائي، ثياباً مطرَّزَةً بالقصب؟

إنها الحربُ/ قد تثقل القلبَ/ لكن خلفك عار العرب/

لا تصالحْ/ ولا تتوخَّى الهرب/ لا تصالح على الدم حتّى بدم/ لا تصالح، ولو قيل رأس برأسٍ

لو حضرَنَا الراحل أمل دُنقل لوجد أنّ دم العرب صار بين أعينهم ماء، بينما العدو يعربد في كل بقاع هذه الأمة، فمن يتصدّى لعقوبة العدو، كي تتوقف إساءة الأدب؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى