معراجٌ إلى العدالة

   عبد الرحمن مطر

يشكل اعتقال المجرم معراج أورال حدثاً بالغ الأهمية، ليس بالنسبة للسوريين فحسب، وإنما للعدالة الدولية أيضاً، باعتباره زعيماً لميليشيا إرهابية ارتكبت جرائم موثقة ضد المدنيين الأبرياء، بهدف إبادة جماعة بشرية محددة الانتماء.

وتكمن أهمية اعتقاله في كونه مجرماً مطلوباً للعدالة أيضاً في بلد جار هو تركيا، وهذا في الواقع ما يجعل الحدث أمراً غير عادي ومعقداً في آنٍ معاً؛ نظراً لأنه يحمل الجنسيتين التركية والسورية، وارتكب جرائمه داخل الإقليم الجغرافي الذي يشمل سوريا ولبنان وتركيا.

لقد ارتبط المجرم أورال، المعروف بـ “علي كيالي”، بمنظومة أمنية وعسكرية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، أسسها نظام حافظ الأسد في إطار الصراع الذي كان قائماً في تلك الفترة مع تركيا. واشتملت تلك المنظومة على رعاية وتأسيس كلٍّ من حزب العمال الكردستاني، وتنظيم “المقاومة السورية في لواء الإسكندرون”، وذلك بهدف تقويض الاستقرار في جنوب تركيا، واستخدام هذين التنظيمين كأدوات ضغط في مسار معقد من العلاقات المتوترة بين دمشق وأنقرة طوال فترة نظام الأسد، إلى حين توقيع اتفاق أضنة الشهير في أكتوبر/تشرين الأول 1998، والذي ما يزال سارياً حتى اليوم، حيث يتزامن اعتقال أورال مع ذكراه الثامنة والعشرين.

عمل كيالي بوصفه معارضاً للسلطات التركية، مستغلاً قضية لواء إسكندرون، لكنه سرعان ما تحول إلى إرهابي توسعت أنشطته ما بين لبنان وسوريا وتركيا، عبر العلاقة المباشرة والعائلية التي ربطته بعائلة الأسد

تاريخ إجرامي منظّم

خلال الفترة ما بين 1980 و2011، عمل كيالي بوصفه معارضاً للسلطات التركية، مستغلاً قضية لواء إسكندرون، لكنه سرعان ما تحول إلى إرهابي توسعت أنشطته ما بين لبنان وسوريا وتركيا، عبر العلاقة المباشرة والعائلية التي ربطته بعائلة الأسد، ولاحقاً بعبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، تحت إشراف إدارة أمن الدولة السورية. ولم يكن هناك أي نشاط سياسي واضح المعالم لعلي كيّالي، ولكنه – مع انطلاقة الثورة السورية – برز اسمه كمؤسسٍ لما عُرف لاحقاً بـ “الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون” أواخر عام 2011، في ردٍّ مباشر على وقوف تركيا المبدئي مع الثورة السورية.

شكّل علي كيّالي نقطة مفصلية مهمة في الشبكة الإجرامية التي بدأت بالظهور أواخر عامي 2011 و2012، مترافقةً مع حسم النظام السوري خياره بالذهاب نحو “المعالجة الأمنية” واللجوء إلى مواجهة الانتفاضة السورية بالسلاح. وضمت تلك الشبكة كلاً من ميليشيا علي كيّالي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة (تيار أحمد جبريل)، وحزب الله، والدفاع الوطني، وبلغت ذروة إجرامها في المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين في بانياس (قرية البيضا وحي رأس النبع) بقيادة علي كيّالي بصورة مباشرة. وفي الوقت ذاته، كانت الميليشيات الأخرى كلها تشارك بصورة فعّالة في العمليات العسكرية ضمن مناطق انتشارها، بإشرافٍ من قيادة الجيش والاستخبارات السورية والإيرانية، ولاحقاً الروسية بدءاً من عام 2015.

استمر حضور علي كيّالي بوصفه شخصية مؤثرة في المواجهة العسكرية والأمنية ضد السوريين، وتوسع نطاق أنشطته ليشمل التعاون الوثيق مع تنظيم “قسد”، وكان في مقدمة من هبّوا للدفاع عنها ومؤازرتها إبان تحرير منطقة الجزيرة السورية، ووصوله إلى مدينة الطبقة في منتصف يناير الماضي، قبل أن تنسحب “قسد” من المنطقة بفعل انتفاضة الأهالي وتقدم قوات السلطة السورية الجديدة.

من الأهمية القصوى أن تميط محاكمة علي كيّالي اللثام عن شبكة مجرمي الحرب، وأن تكشف عن العلاقات الأمنية لنظام الأسد المخلوع مع إيران وجبل قنديل، ودورهما في ارتكاب الجرائم ضد السوريين

تفكيك منظومة الأسد

يشكل اعتقال كيّالي اختراقاً مهماً لفلول منظومة الأسد الإجرامية التي تتحرك عبر التراب الوطني السوري كخلايا نائمة تحاول عرقلة مسار ترتيب البيت الداخلي السوري أمنياً. وتحوز هذه الفلول على وسائل اتصال وشبكة علاقات داخل المجموعات المنضوية في إطارها أو الداعمة لها، وهي مجموعات ضيقة لكنها ما تزال تحظى بالقدرة على التخفي والمخادعة، في ظل دعم محدود من بقايا حزب الله وحزب العمال الكردستاني، اللذين يسهمان في إخفاء العشرات من قادة مجرمي الحرب، وتأمين التستر عليهم وتهريبهم خارج البلاد كي لا تطالهم يد العدالة.

ومن الأهمية القصوى أن تميط محاكمة علي كيّالي اللثام عن شبكة مجرمي الحرب، وأن تكشف عن العلاقات الأمنية لنظام الأسد المخلوع مع إيران وجبل قنديل، ودورهما في ارتكاب الجرائم ضد السوريين، خاصة وأن منطقة الجزيرة السورية أبدت اعتراضاً شعبياً على اندماج بعض كوادر “قسد” في مؤسسات الدولة السورية دون النظر في آليات العدالة الانتقالية.

يفتح اعتقال علي كيّالي باب السؤال مجدداً عما إذا كانت محاكمته سوف تقود إلى كشف شركائه والاستدلال عليهم، كما يطرح سؤالاً جوهرياً تعمدنا إرجاءه: هل سيتم التعامل معه بوصفه المواطن السوري “علي كيّالي” أم التركي “معراج أورال” الفار من العدالة التركية؟ وهل سيتم تسليمه إلى أنقرة بموجب اتفاقية أضنة؟

إنها أسئلة معقدة وصعبة أمام حق الضحايا السوريين لمجازر بانياس والبيضا في محاكمة علنية وقصاص عادل.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى