اختبار وحدة الساحات في مسيرة تونس

  المهدي مبروك

شهدت مختلف شوارع وسط العاصمة التونسية السبت الفارط مسيرة حاشدة. كانت ساحة محمد علي (أسس العمل النقابي منذ عشرينيات القرن الفارط تحت الاحتلال الفرنسي) وعداً احتجاجياً يحمل دلالة تتجاوز المطالب الاقتصادية والاجتماعية المعلنة. فالمسيرة التي دعت إليها، في البداية، أربع منظمات وطنية: الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ثم انضمّت إليها بعض جمعيات ومنظمات، على غرار جمعية النساء الديمقراطيات والاتحاد العام التونسي للطلبة والمنظمة الوطنية للأطباء الشبان. وقد أطلقت على نفسها الإطار التنسيقي، تولى تحديد بعض المسائل الترتيبية والتنظيمية، منها الشعارات المرفوعة ومسلك المسيرة وتسميتها “تونس أولاً والشعب فوق كل اعتبار”. وتفاعلت مع المسيرة عديد من المكونات السياسية والحزبية فيما بعد، بما فيها جبهة الخلاص الوطني وأحزاب أقصى اليسار، وحتى بعض التيارات القومية المحسوبة على أحزاب الموالاة، فضلاً عن منظّمات أخرى من خارج التنسيقية، ولكنها أصدرت بياناتٍ تدعو فيها عموماً الناس ومنخرطيها إلى المشاركة في المسيرة. وظل حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد (يعاني انقساماً حادّاً) مناهضاً للمسيرة، باعتبارها تتيح، كما ذكر، لأعداء الشعب العودة، وتمنحهم بعض الشرعية.
أطلقت المسيرة من الساحة أمام مقر الاتحاد التونسي العام للشغل، وبينما تبدو في ظاهرها احتجاجاً اجتماعياً وسياسياً مألوفاً نظراً إلى الشعارات المرفوعة والوقائع التي تراكمت في سنوات الرئيس قيس سعيّد، على غرار التوقيفات والأحكام الثقيلة التي صدرت في حق ثلة من رموز العمل السياسي، علاوة على وفيات طاولت عدة مساجين حق عام، وتردّي ظروف المعاش: غلاء الأسعار، افتقاد الأدوية إلخ، سرعان ما وجدت نفسها أسيرة معركة أخرى أكثر ضراوة: الصراع على ذاكرة العقد السياسي الماضي الذي ارتبط بتجربة الانتقال الديمقراطي وحكم حركة النهضة وحلفائها، بقطع النظر عن أشكال ذلك، وطبيعة التحالفات وأحجام من حكموا.

الشرخ الحقيقي يبرز لنا جلياً عند الدخول في تفاصيل المشهد، وتحديداً في “من يقف في الشارع مع من”، فقد حظيت المسيرة بدعم أحزاب عدة

من حيث المضمون المعلن، تبدو قائمة المطالب واضحة وملحّة، فالأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، صلاح الدين السالمي، الذي يترأس المنظمة العمّالية منذ أشهر لخّص الوضعية الحرجة التي تردّت فيها البلاد، بقوله إنه حين تُغلق أبواب الحوار، “تصبح الشوارع فضاء الحوار”، وقد أعاد هذه الجملة في مداخلته السبت الفارط، مخاطباً المشاركين في المسيرة، حين أكد أن الأزمة الحقيقية سياسية بامتياز، حين يصرّ النظام على الاستفراد بحكم البلاد وتشويه معارضيه، وهو تصريح يعدّ حادّاً، خصوصاً في سياقات ضعف المنظمة وانقساماتها الداخلية والإجراءات التي اتخذتها السلطة التي أغلقت باب الحوار نهائياً معه، علاوة على إيقاف الاقتطاعات المالية التي كانت تقوم بها الحكومة لموظفيها، وتغذّي بها الحساب المالي للاتحاد، ويعد هذا أكبر مصدر تمويل له. ولقد عدّ النقابيون هذا الإجراء الذي أقدمت عليه الحكومة عقاباً خانقاً، يريد أن ينهي الدور الاجتماعي والسياسي للاتحاد. وفي بياناتها المشتركة لاحقاً، أدانت المنظمات التسع تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتراجع القدرة الشرائية وتفاقم البطالة والهجرة غير النظامية. وعبّرت عن سخطها تجاه تراجع الحرّيات العامة والحقوق والتضييق على المنظمات الوطنية وإيجاد الفضاء العام، مطالبةً بضمان حرية التعبير والصحافة والتظاهر السلمي وباستقلال القضاء. ويفيد هذا كله ذلك نظرياً بأن التونسيين أمام برنامج احتجاجي اجتماعي، وحتى سياسي، طويل المدى وواعد، سيحقق نقلة نوعية في معارضة الرئيس سعيّد.
غير أن  الشرخ الحقيقي يبرز لنا جلياً عند الدخول في تفاصيل المشهد، وتحديداً في “من يقف في الشارع مع من”، فقد حظيت المسيرة بدعم أحزاب عدة، بينها جبهة الخلاص الوطني وحركة النهضة وعدة أحزاب يسارية وقومية، خرجت من “بيت الطاعة”. ويعد هذا أول تحرك في الشارع تخوضه هذه التيارات المتنافرة والمتنافية أصلاً، فمنذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو/ تموز 2021، انشقّ المشهد إلى مخيمين متحاربين تتسع بينهما هوّة عميقة، بين يوم وآخر. ولذلك تلقف الشارع السياسي هذه المسيرة وقد وحدت بين الأعداء بكثير من الانتباه والاهتمام، فأنصار السلطة رأوا فيها “محاولة عودة إلى النظام القديم وإعادة تدوير بقاياه وتحيينها”.

ستبقى التحرّكات، مهما كانت مشروعيّة مطالبها وحجمها، عاجزة عن التحوّل إلى ضغط سياسي فعّال يجبر السلطة على التفاوض معها، إذا ما ظلت أزمة الثقة بين النخب والجمهور

ساهم النظام في تيسير هذا اللقاء الموضوعي بين خصوم الأمس، فالأزمة المفتوحة التي أحدثها، حين تمسّك بسدّ قنوات الحوار مع الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية لحقوق الإنسان وعمادة المحامين التي لم يستقبل الرئيس سعيّد مسؤولها الأول، على خلاف كل التقاليد السياسية السابقة، دفعت هذه المنظمات إلى بحث إطار تنسيقي بينها من أجل حماية مكتسباتها والمساهمة في حلحلة وضع يُجمع كل المتابعين على عبثيّته. أما أنصار الرئيس فيرونه يخاطب شعبه بشكل مباشر ويستجيب لمطالبه من خلال زياراته الميدانية، ولا يحتاج إلى وساطة هده المنظمات. ويجعل هذا التباعد بين السرديتين الشارع الفضاء الوحيد المتبقي “للمناقشة، وهي أقرب إلى استعراض قوة أثبتت المسيرة أنه ما زال لصالح النظام، فبعد ما يزيد عن الشهر من التنسيق والتعبئة، عجزت هذه المنظمات مجتمعة عن جعل مسيرة 17 أكتوبر نقلة نوعية في معارضة النظام. لم يُخف عديدون من المنظمين والمشاركين نصف خيبتهم مما جرى. ولعل النقطة الوحيدة المضيئة اتساع مخيّم معارضي النظام وقبولهم الوجود في الفضاء الواحد من أجل الاحتجاج، أي المشي في مسيرة واحدة جنباً إلى جنب رغم أن القلوب مشتتة.
ومع هذا، الاختبار الحقيقي للمسيرة ليس في عدد المشاركين، بل في قدرتها على أن ترسم خطاً فاصلاً بين “محاكمة الذاكرة” و”جوهر المطالبة بتغيير الوضع”. ستبقى التحرّكات، مهما كانت مشروعيّة مطالبها وحجمها، عاجزة عن التحوّل إلى ضغط سياسي فعّال يجبر السلطة على التفاوض معها، إذا ما ظلت أزمة الثقة بين النخب والجمهور، علاوة على أزمة الثقة التي تنخر النخب السياسة التي بلغت حد العداوة المرضية. يقول بعضٌ إن قبولها في المشي معاً في مسيرة واحدة مكسب، وهذا دليل آخر على حجم المعضلة التي تعانيها المعارضة.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى