حرب إسرائيلية على شجرة الزيتون

  يقظان التقي

             

لا تنتهي الأضرار الجسيمة، التي تخلفها الحرب العدوانية الإسرائيلية المستمرّة على لبنان، والتي تحوّلت إلى نوعٍ من الجحيم في آثارها المدمرة بشرياً ومادياً، فإن السنوات الثلاث الأخيرة، ليس لها مثيل لجهة حملة إسرائيل المروّعة، التي تمحي فيها الذاكرة السياسية لجنوب لبنان بتدمير متعمد وممنهج للبيوت والشجر، كجزء من مخطط القضاء على الإرث الحضري والعمراني والتاريخي، وكظاهرة انتقام فظيعة من الطبيعة اللبنانية والنظم البيئية في منطقة اشتهرت بألوانها الخضراء ومعانقة الأشجار والأنهار. وفي رؤية وحشية يومية لمظاهر الكارثة، التي يمارسها العدو وجرافاته في تعزيز سياسة الاحتلال، فيرسلها مقاطع فيديو، ومشاهد مجزرة أمام الشاشات بصور تدمير يومي للمنازل والشجر، تكرّس مشاعر الغضب والحزن والذهول عند أصحاب الأرض على نحو مخالف لكل مواثيق الحرب والأديان والقوانين الإنسانية.
هذا الخريف، ولأول مرة منذ 250 عاماً، لن تقطف عائلات كثيرة في جنوب لبنان، زيتونها، وسط الحزن العميق لفقدان مساحاتٍ كثيرة أفرغت من الشجر على غرار ما يفعله المستوطنون اليهود في الضفة الغربية وقطاع غزّة. نظام إرهابي بامتياز يقوم على العنف وتدمير ما هو موجود، ليس فقط البيئة، بل القيم الإنسانية أيضاً. والناس يمرّون بنوع من الأسى تجاه منازلهم وأرزاقهم، ومما كانوا يعرفونه مجتمعاً. وحيث لا صوت للأقدام، التي يسمح لها أن تخطو نحو حقولها، أو تقترب منها، لجني الموسم الذي يرتبط مع  المزارعين بعلاقة صداقة قوية. وتقوم جحافل من الجرافات بتسوية الأرض، ما يمحو حدود الممتلكات والأدلة، وتستخدم المعدات الثقيلة في قلع الأشجار المعمّرة من جذورها، وبعضها يبلغ 500 عام في جنوب لبنان، وأخذ بعضها بعيداً عن الأرض، التي ورثها الأبناء عن الأجداد قرنين ونصف القرن.

كل شجرة زيتون عدو لإسرائيل، ويجب أن تسحق، ومعها استعادة الرمز الذي كان يتمتع فيه المزارع  بالتحرّر والعنفوان

لقد صمدت هذه الأشجار أمام حروب عديدة، ونجت من كل شيء. لكن لم يبقَ شيء منها في رسائل مباشرة للتهجير والطرد. كل شجرة زيتون عدو لإسرائيل، ويجب أن تسحق، ومعها استعادة الرمز الذي كان يتمتع فيه المزارع  بالتحرّر والعنفوان. وصار اليوم الرمز المفقود الذي تسعى إسرائيل إلى محوه . لم تترك أثراً لجذوع كانت قائمة، ولا توجد غير جذوع متفحمة، وأحيانا بلا حطام. أرض عارية، مدمرة في مسارات مبعثرة ، تخرقها جنازير العربات العسكرية، وتختفي في عمق الدمار والغبار. ذلك، أن اقتلاع شجرة زيتون أو قتلها، أو سرقتها ، يتطلب حفارات وخبرة وشاحنات، ووجهة محدّدة. هذا ليس ضرراً ناتجاً عن الحرب، بل هي عملية إرهاب صهيوني منظم على أرض حتى لم يكن فيها سلاح، ولا مقاتلون، ولا وجود عسكرياً مباشراً فيها  لحزب الله.
وفقاً لشهادات كثيرين، فقد نُقلت أشجارٌ كثيرة إلى الجانب الآخر من الحدود، نحو الأراضي المحتلة، على الرغم من أن اتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل يفترض أن يمهد للسلام، وأن يحمي ممتلكات المدنيين، ويُكشف عن مصير الأشجار المقتلعة، وأن تُعاد تلك التي لا تزال حية. إذا كانت أشجار حية في مكان ما، مثلها مثل الأسرى اللبنانيين أو الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية يمكنها العودة. بعض الأشجار ترتبط ببعضها ارتباطاً شديداً، وتتعانق جذورها، لدرجةِ إن ماتت إحداها، تموت الأخرى. ويرفض أصحاب الأرض تقبل فكرة فقدان هذه الأشجار نهائياً، وهم يقفون من بعيد على خراب أراضيهم وبنى مقابرهم ومدافنهم تحت أقدام عدو يغزو بساتينهم في صور أكثر قسوة وإحباطاً. فما أن يعود الجنوبي لتفقد أرضه، حتى يصبح أسير وقت أطول على الأرض، يتمسك  بتراب أمكنة محكومة بالغياب حتى ببعدها الخيالي. حقبة صارت متخيلة كان يبدو فيها كل شيء أجمل،  كما لو كانت تكرم عليه وجوداً آخر بطول صحبتها، بقدر ما تدل على حياته ونشأته وطفولته ولعبه في المساحات والدار، وهي في انحدار نحو الفقد. كأنها صارت الطبيعة الصامتة، الاندثار في المدى المرئي تحت غبار القصف والهدم.
تحولت أرض الجنوب إلى مسرح حرب على شجر الزيتون والسنديان والرمان، “غابات الدفن”، حيث  كان يمكن للناس أن يدفنوا بقايا أحبائهم تحت أشجار تختفي في صمتها  أثراً في التواري. فالأشجار لا تعرف أسماءها، أسماؤها قبلها، صامتة بغبار، صارت أسرارها بلا شفاعة في الدفاع عن النفس، نهباً لجرافات تقلعها من عتمة جذورها من بين المنازل، وربما حفظت وجه الأطفال الذين نزحوا، أو كبار في السن لم يغادروها.

أية حركة تجدي، وأي جسد يجدي، وأي كلام يجدي في حربٍ تظهر أقصى دركاتها غير الأخلاقية والإنسانية

لدى الجنوبيين مجموعة ممتازة من الأشجار القديمة بأسمائها، فهم يعاملون الشجر بمزيد من الحب والاهتمام والرعاية لصناعة الزيت والصابون، لم يتعلموا بعد أن يتقبلوا  فكرة أنهم غير قادرين على فعل أي شيء. فلا أحد يستطيع أن يوقف الحرب، أن يكتب حياة للأشجار، ويوضح للعالم كم كانت تلك الأرض رائعة. شجرات نمت على طول نهر الليطاني مستقيمة، حيث كان للأهالي نسيج حياة لها مناخاتها وعناصرها وتمرّدها حين يتحاورون مع الشجر. ثم انحنت كعلامة استفهام في زمن لم يمضِ في خطٍّ مستقيم. وبدأت رؤية الأشياء بطرقٍ مختلفة في منطقة صراع طويل مع المحتل، لا قانون لها سوى ردة فعل واحدة هو الانتقام من الجنوبيين، وتحويل الأرض إلى ذاكرة مكان زائل في محو أثار شجرة تمثل خطوة جانبية للمقاومة وأساس في التحرر الوطني، تثبت ملكية الأراضي قبل تلاشيها. كأنها الجسد الشاهد على المكان بين المادة والذاكرة، والزيت المقدس الذي يضيء على ترابية المكان والإنسان أصلاً وتكويناً ومصيراً. وفي هذا تكتسب شجرة الزيتون في الشرق الأوسط بعداً وجودياً رمزياً عميقاً.
يضيق المكان والزمان على الجنوبيين، يضيق الكلام. من الكلام إلى الصرخة، من الصرخة إلى الصوت، من الصوت الى صداه، من صداه الى احتمالات صمته. ويضيق الجسد، جسد محكوم بمكان يجري احتلاله قدماً، واختزال الزمن والمكان والأجساد. والأشجار أمام عدميتها الأخيرة، أو رعبها الأخير حين تغادر ناسها وتاريخاً من ثمانية أجيال في مواسم القطاف على دروبه القديمة. إنه اليأس من الدولة اللبنانية المتهمة بالتقاعس السياسي في التعامل مع القلق وشعور الأهالي بالغضب بإدراك عدم كفاية الاستجابات الحكومية والدولية لحقوقهم، والشعور بالمرارة الذي ينتج عن ذلك، وعن عواقب تعطيل بيئة حياتهم اليومية ومحاصيلهم الزراعية. وكأن ما يجري ذو أهمية ثانوية، مجرد انجراف تربة، وليس تدميراً منهجياً لا رجعة فيه لظروف حيواتهم العادية، بدل إلزام المجتمع الدولي في مواده القانونية لوقف سلوكيات العدو الكارثية.
ربما هو العجز، حيث لا تكفي الاستجابات المالية المحدودة! وعندما يموت الزيتون، يموت معطى أمل، أو وهم قابلية للسلام. فأية حركة تجدي، وأي جسد يجدي، وأي كلام يجدي في حربٍ تظهر أقصى دركاتها غير الأخلاقية والإنسانية. ولا يمكن أن يقتل شجرة الزيتون إلا من يملك افكاراً وسخة فكرياً وعاطفياً. في حين يحتاج العالم إلى نظرة نقدية، عقلانية، عالمية، في مواجهة سلوكيات الاحتلال، وإدانة حقائق مؤرّخة وموثقة عن إبادة شاملة يجري البحث عنها في أماكن أخرى في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد تكون البداية باعتبار شجرة الميلاد، شجرة الزيتون بكل أشكالها، رمزاً لعالمية إنسانية.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى