
تتقدم الأخبار الاقتصادية والمعيشية في حياة السوريين، وهذا طبيعي في بلد يواجه الناس فيه، كل يوم، أسئلة الأسعار والعمل والخدمات والقدرة على تلبية احتياجاتهم.
وإلى جانبها تتصدر أخبار المشاريع الكبرى والاستثمارات، في حين تظل أحاديث إعادة الإعمار وإخلاء المخيمات والعودة إلى البيوت شغلا شاغلا لفئات واسعة من السوريين الذين ما زالوا ينتظرون أن تصل إليهم آثار التعافي.
لكن حضور هذه القضايا، برمزيتها أو بثقلها المباشر على حياة الناس، ينبغي أن لا يحجب شغل السياسة من المعالجة، فالاقتصاد ليس مجموعة أرقام وقرارات فنية فحسب، بل هو في جوهره خيارات تخص الجميع، الكُلف ومن يتحملها؟ ومن يحصل على الفرص؟ وكيف توزع الموارد؟ وما الأولويات؟ ومن يملك مساءلة أصحاب القرار عن النتائج، وعن قراءة المؤشرات ومآلات السياسات المتبعة؟ وغير ذلك.
الحياة السياسية لا تنمو من دون إعلام يتيح للمجتمع أن يعرف ما يجري، ويمنح الأصوات المختلفة فرصة التعبير، ويتابع أداء المؤسسات بعمل مهني ومسؤول.
أما الفعل السياسي، فربما لا يجوز القول إنه غائب تماما في سوريا، هناك مؤسسات وحركة سياسية ناشئة ومساحات بدأت تتشكل، لكن هذا النشاط لم يتحول بعد إلى حياة عامة تعددية ومنتظمة، يشارك فيها الناس عبر أطر فاعلة، وتُطرح فيها الرؤى والبدائل، ويُناقش القرار العام، ويُحاسب الممثلون وأصحاب المسؤولية.
وما دام النقاش السياسي محدودا أو محصورا في دوائر ضيقة، فستبقى قضايا المعيشة تظهر في صورة أزمات يومية متفرقة، سعر يرتفع، أو خدمة تتراجع، أو فرصة تضيع، من دون نقاش كافٍ في السياسات التي أنتجت المشكلة، والخيارات الممكنة لمعالجتها.
إن إشراك المجتمع في هذا النقاش مهم، لكنه لا يعني المساواة بين مسؤولية الدولة ومسؤولية الناس. فالدولة تملك السلطة والأدوات والمعلومات، وهي التي تتخذ القرارات وتدير الموارد والمؤسسات، ولذلك تقع عليها المسؤولية الأكبر في ضمان جدية العمل وعدالته والوصول إلى أفضل النتائج الممكنة. أما دور المجتمع والنخب فهو دور مساند ورقابي، دور في السؤال، والتنبيه، واقتراح البدائل، ومحاسبة الأداء. ومن هنا أيضا تبرز أهمية وجود إعلام جاد يؤدي وظيفته في عرض الوقائع وفتح مساحات النقاش وتبادل المعلومات وإتاحة الآراء المختلفة والمساءلة، بدلا من الاكتفاء بأن يكون شاهدا على الحياة العامة.
فالحياة السياسية لا تنمو من دون إعلام يتيح للمجتمع أن يعرف ما يجري، ويمنح الأصوات المختلفة فرصة التعبير، ويتابع أداء المؤسسات بعمل مهني ومسؤول. وهذا لا يعني أن اتساع الحرية يساوي غياب الضوابط والمساءلة، بل يعني وجود حرية حقيقية تقابلها قواعد قانونية ومهنية واضحة، تحمي حقوق الناس وتفرض التحقق والتصحيح والمساءلة، من دون أن تتحول إلى وسيلة لتحصين السلطة من النقد.
ولعل بعض ما شهدناه خلال الأيام الماضية يقدم أمثلة واضحة على هذه العلاقة. نائب في مجلس الشعب يروي واقعة “خاصة” يعتبرها جديرة بالنقاش العام، ويطلب صراحة ممن يسمعه أن ينشر كلامه. ونائب آخر يطرح عبر منصات التواصل قضية التعيينات في مؤسسات الدولة، وفي الشارع يدور نقاش واسع حول المحروقات وأسعار الطاقة وكلفتها على الناس.
هذه ليست قضايا منفصلة عن بعضها. إنها أمثلة يومية على نقطة التقاء المعيشة بالسياسة والإعلام.
فالوظيفة العامة، مثلا، ليست شأنا إداريا داخليا يخص المؤسسة وحدها، إنها فرصة اقتصادية واختبار للعدالة وتكافؤ الفرص، وأحد المواضع التي تتشكل فيها ثقة المواطن بالدولة. ولذلك تتحمل الدولة المسؤولية الأساسية عن وضع قواعد واضحة للتعيين والاختيار، وإتاحة ما يكفي من المعلومات كي يستطيع المجتمع والإعلام ممارسة الرقابة.
تحتاج سوريا إلى مسارات تسير معا، سياسات اقتصادية ومعيشية تخفف أعباء الناس وتوسع فرصهم، وحياة سياسية تتيح مناقشة تلك السياسات ومساءلة من يقررها، وإعلام يمد المجال العام بالمعلومات ويفتحه للنقاش والرقابة.
وللمجتمع عموما، وللنخب خصوصا، دور لا يقل أهمية في حماية هذه المعايير كأن نرفض المحاباة عندما يستفيد منها قريب كما نرفضها عندما يستفيد منها الآخرون، وأن ننبه إلى مواطن الخلل، ونقترح البدائل، ونكشف الفساد حين تتوافر الأدلة عليه. وفي المقابل، على الدولة أن تسمع، وأن تتيح المعلومات التي تمكن من التحقق، وأن تستجيب للنقد بالشفافية والمحاسبة، لا بالتستر ولا بالتشكيك في كل من يطالب بتفسير.
فالثقة بالدولة في شطر كبير منها تتعلق بقدرة المؤسسات على الاعتراف بالخطأ وتصحيح المسار. وقد يصبر المواطن على قلة الموارد، أو يعذر الدولة في عجز عارض، لكنه يصعب عليه أن يثق بمؤسسة يشعر أنها ليست له، أو أن أبوابها وفرصها وقواعدها مصممة لغيره.
لهذا تحتاج سوريا إلى مسارات تسير معا، سياسات اقتصادية ومعيشية تخفف أعباء الناس وتوسع فرصهم، وحياة سياسية تتيح مناقشة تلك السياسات ومساءلة من يقررها، وإعلام يمد المجال العام بالمعلومات ويفتحه للنقاش والرقابة.
فالمعيشة أولوية، بلا شك، لكن السياسة والإعلام ليسا ترفا يمكن تأجيله إلى ما بعد تحسنها، إنهما من الأدوات التي تجعل هذا التحسن نفسه أكثر عدلا واستدامة، وتجعل القرار العام أكثر قدرة على كسب ثقة الناس ومساءلتهم له.
المصدر: تلفزيون سوريا






